المحامي محمود عمر
ليس بخاف على أحد منا بأنه كان (لاسماعيل عمر) الفضل الأبرز في تأسيس مدرسة نضالية متمايزة في جسد الحركة الوطنية الكوردية في سوريا، مدرسة السياسة الواقعية حيث تحاك فيها السياسة الفكر، والثقافة، والوعي الحر، والحوار بقوة المنطق لا بمنطق القوة ،مدرسة لا يستمد فيه أي شعار مشروعيته فقط من عدالته بل من امكانية تطبيقه على أرض الواقع، فروح المسؤولية يقتضي بأن لا يتحول شعبنا إلى فراشات تحترق حين تحوم حول يافطة الشعارات العاطفية والرنانة ، ومن خلال هذا الفكر والممارسة بحث (اسماعيل عمر) عن شخصية اعتبارية قوية ومستقلة للحركة الكوردية في سوريا ،شخصية تحترم فيها خصوصية قضيتنا ويتم الحوار مع الآخر على قاعدة التعامل بالمثل ودون التبعية لأحد، سواء أكان ذلك على الصعيد الوطني، أو الكوردستاني، أو الاقليمي، أو الدولي، والبحث على الدوام عن القواسم المشتركة مع الآخر للعمل معا قدر الامكان وفق الحدود الدنيا لهذه القواسم على قاعدة الاحترام المتبادل .
وكان لا بد لتحقيق هذا الهدف الانتقال بهذه الحركة من حالة التشرذم والتشتت والتناحر إلى حالة التوافق والتوحد وتأطيرالمواقف ما أمكن، حيث كان (لاسماعيل عمر) في هذا الصدد بصمته القوية في أكبر تجربة وحدوية في تاريخ الحركة الكوردية في سوريا ،تجربة بات يحسب لها ألف حساب تجربة نقلت نضال الحركة الكوردية من صفحات الجرائد والجمود الذي أصابها لعقود من الزمن ـ نتيجة الاستبداد الذي قضى على الحياة السياسية في البلاد ـ إلى ساحات العمل الجماهيري واتخاذ هذا النضال أشكال التظاهر والتجمعات والخروج من حالة التقوقع الكوردية نحو فضاءات الكل السوري.
ونحو سعيه لتحقيق أهداف شعبه في التحرر لم يكتف (اسماعيل عمر) بذلك فقط بل خطى خطوة أخرى أكثر جرأة عبر الانفتاح على كل الشرائح والفعاليات المجتمعية الكوردية والتواصل معها والتركيز على فئة المثقفين بشكل خاص لجمعهم حول الطاولة الكوردية وإشراكهم في عملية صنع القرار الكوردي في سوريا.ونجح في ذلك أيما نجاح الأمر الذي دفع ببقية فصائل الحركة للسير على خطاه والعمل على هذا النحو.
ولإيمان( اسماعيل عمر) بأن المنحى النضالي للقضية الكوردية يمر عبر خطين نضاليين عريضين و متوازيين ، خط قومي كوردي وخط آخر وطني سوري ، وان هذه القضية ستكون عصية على الحل دون الانفتاح على الوسط السوري العام ورمي القضية الكوردية كحالة وطنية في مرماها لتقوم بواجباتها حيالها، ولتحقيق هذا الهدف تواصل (اسماعيل عمر) مع أوساط المعارضة السورية وعمل دون كلل أو ملل إلى أن اثمرت جهوده مع رفاقه والقوى الوطنية الاخرى عن وثيقة اعلان دمشق والتي رأت النور عام 2005 والتي تعد بحق أفضل وثيقة سياسية تاريخية للحركة الوطنية السورية على وجه العموم، وللحركة الكوردية على وجه الخصوص لما تحمله في طياتها من مبادىء تتضمن الخطوط العريضة و الحلول لمجمل قضايا البلاد ومن ضمنها حل القضية الكوردية كقضية وطنية سوريا بامتياز.
لم يكن (ابا شيار) يوما ما مجرد رقم أو اسم لشخصية سياسية بل كان عنوانا بفكره وسلوكه وعمله النشط والدؤوب وصدقه مع طروحاته كان عنوانا لمشروع وفكر ونهج نضالي راسخ لا ينحني، لذلك ومنذ البداية تكالب على هذا المشروع الخصوم من الداخل والخارج، وحاولوا وأده في المهد ورغم نجاحهم في شطر…. بعض الزوايا هنا وهناك، وشذوذ بعض رفاقه عن الدرب شرقا وغربا وبخاصة بعد حراك 2011 حيث فقد الكثير بوصلته السياسية والنضالية، البوصلة التي لعب بها المال السياسي وتاه بها شمالا وجنوبا ورغم كل ذلك والوهن الا ان هذا المشروع ما زال حاضرا وبقوة في الوسط الكوردي والسوري والكوردستاني والدولي لما يحمله من قيم حضارية سامية.
غاب عنا( اسماعيل عمر) وبعد كل هذه السنين من الغياب ما زال فكر ونهج (اسماعيل عمر) القائم على الحوار والفكر الديمقراطي السلمي ما زال صالحا لحل مجمل قضايا الوطن ومنها القضية الكوردية ويشكل هذا النهج مفتاح الحل لكل مشاكل البلاد والعباد رغم ما أصابها من خراب ودمار نتيجة الطوفان السوري .
القدر يغيب عنا( اسماعيل عمر) السياسي جسدا من أكثر من اربعة عشر عام ،ولكن براءة ذلك الطفل الصغير وقيمه السامية التي ترعرع عليه من أن فتح عينيه على الدنيا في (قره قوى) احدى القرى الطينية لريف الدرباسية وعاش طفولته فيها ينتقل مع والده وعمه العارف والمصلح الاجتماعي من مكان إلى آخر ومن مجلس صلح إلى فض خلاف هنا وهناك، ذاك الطفل الذي بدت عليه علامات النبوغ من الصغر وكان مستمعا جيدا و في تلك المجالس وفي هذه البيئة الخصبة من القيم الطبيعية بدأت تتكون و تتصقل شخصيته رويدا رويدا لتظل قيم ذلك الطفل البريء الذي لا يحمل قلبه الطيب سوى قيم المودة المحبة والاخلاص تصبغ شخصيته طيلة عمره وترافقه عبر الأزمنة والأمكنة من مرحلة الطفولة إلى مرحلة الشباب والكهولة في الدراسة والتدريس والعمل في قامشلو والشام وكل مساحة الوطن وتمتزج هذه القيم مع شخصيته السياسية الرافضة للظلم والاستبداد المحبة للعدالة والمساواة والخير للجميع ، هذه القيم التي قصرت بحضورها الدائم في شخصه المسافة دوما بين يوم مولده ويوم رحيله.
رحل (ابا شيار)عنا منذ أكثر من اربعة عشر عاما ولكن قيمه تلك ما زالت حاضرة بيننا وترافقنا، فلنتساءل هل يمر يوم علينا ـ نحن الذين نحسب أنفسنا بأننا ما زلنا على ذمة نهجه ـ وعلى رفاقه الذين شذوا عن هذا النهج أو رحلوا لغاية في أنفسهم هل يمر يوم دون أن نتذكر شيئا من تلك الخصال والقيم، نحن جميعا قد نتفق أو نختلف حول شخص ( اسماعيل عمر) السياسي وقد يكون كسياسي غائب عن الكثير منا، ولكن (اسماعيل عمر) الانسان النبيل ما زال حاضرا وبقوة معنا وفي كل تفاصيل حياتنا وما زالت خصاله الحميدة تلك حاضرة في وجداننا الجمعي والشخصي.
في حضرة (اسماعيل عمر) الانسان يقول أحدهم وهو (المرحوم الشيخ عبدالقادر الخزنوي) ان اسماعيل عمر لم يمت ولكن قلبه قد توقف عن النبض لأنه لم يعد قادرا على تحمل كل ما كان يحيط به من كذب ودسائس .
يقول آخر وهو (الشيخ حميدي دهام الجربا) في ذكرى وفاته أحسب أن الرجال نوعان: رجل ككل الرجال ونوع آخر نادر من الرجال و رغم معرفتي البسيطة بهذا الرجل الراحل الا ان هذا الكم الهائل من الحضور يدل على ان هذا الرجل من النوع الثاني النوع النادر من الرجال ورحيله خسارة فادحة للجميع.
في شهر أيلول طلبت أن ألتقي به لأخبره بأنني وزميلي حفيظ عبد الرحمن متأهبان للسفر إلى كوردستان العراق لمراقبة انتخابات الاقليم البرلمانية والرئاسية عام 2009 كممثلين لمنظمة ـ ماف ـ وضمن وفد الشبكة الدولية لمراقبة الانتخابات ، وحين اردت منه النصيحة أو ان كان له طلبات شخصية أو حزبية كان الجواب : فقط يجب التركيز على انتخابات الاقليم ونجاحها ومهمتكم هي جزء من هذا النجاح وهذا يكفينا وان هذا النجاح لانتخابات الإقليم لا يضاهيه مكسب آخر، فقط طلب مني التدخل لدى المنظمات الحقوقية لإطلاق سراح أحد الرفاق من عامودا الذي كان نزيل سجن (بوكا) في دهوك وكان له ما كان، وحين العودة واللقاء به أخبرته بأنني وفوق مراقبة الانتخابات ونجاحها فانني لم ألتزم بنصيحته قد كنت مضطرا للتدخل في بعض المواضيع ولقاء بعض الشخصيات لم يوبخ ولم يؤنب لاني لم أعمل بنصيحته فقط ابتسم وقال حسنا فعلت.
وحين قيام الامن السياسي باعتراض عبور زميلي حفيظ عبدالرحمن إلى نصيبين وسماعه بالخبر اتصل وطلب بأن يتجه حفيظ من فوره إلى الحسكة وان المرحوم محمود شويش سيكون في استقباله لتسوية الامر كان سعيدا و مهما جدا بالنسبة اليه حضورنا ومراقبتنا للانتخابات ونجاح التجربة الديمقراطية في الإقليم.وحين عودتنا تكفل برحابة صدر بجزء من مصاريف رحلتنا وحين تم اعتقال الاخ حفيظ عبدالرحمن على خلفية مراقبته الانتخابات طلب من رفاقه المحامين بحلب التكفل بالدفاع عنه تطوعا ومساعدته قدر المستطاع.
وفي محراب انسانيته يستطرد آخر وهو (الاستاذ فيصل يوسف)قائلا:بأنني قد تعرفت على اسماعيل عمر الانسان قبل السياسي حين كان مدرسا في احدى مدارس القامشلي وقد كانت احدى جدران الغرف مائلا وآيلا للسقوط حينها استند (ابا شيار )إلى الحائط المائل وطلب من جميع التلاميذ المغادرة بهدوء ودون خوف وكان هو أخر من يغادر بسلام حينها أدركت انني أمام شخص نبيل .
في حرب تشرين تعطى أوامر الانسحاب الكيفي لقطعته في احدى المعارك يأبى الانسحاب قائلا: لرفاقه ان من ينهزم من هذه المعركة فأنه سينهزم من كل المعارك.
في طريقي إلى دمشق عام 2009 وحين كان المرسوم 49 لعام2008قد أصاب منطقتنا بالشلل التام وهاجر ونزح الالاف من أبناء شعبنا نحو دمشق وحلب للبحث عن لقمة العيش بعد ان ضاقت بهم السبل،يردني اتصال من صديق بأنه قد أمن لنا لقاء مع الاتحاد العام للفلاحين لشرح نتائج المرسوم الكارثية وان يقوم الاتحاد بواجباته كجهة تمثل الفلاحين في البلاد لالغاء هذا المرسوم ،على الفور عرضت الفكرة على المرحوم (ابا شيار) طلب مني الاسراع بتشكيل وفد في دمشق و أعطاء الحرية للوفد للحديث مع الاتحاد باسم الفلاحين والمنظمات الحقوقية والأحزاب الكوردية وفق ما يرونه مناسبا كان يؤلمه جدا الحالة المزرية للناس من وراء هذا المرسوم.
يقول صديق مقرب منه وهو (الاستاذ علي بشار)ان اسماعيل عمر كان صديقه في العمل والدراسة والسياسة ولكنه وبخصاله الحميدة أصبح صديق لثلاثة أجيال في بيته جيله وصعودا نحو الاصل اذ أصبح وبكل يسر وسهولة صديقا لوالده، لينزل بتواضع خصاله نحو الفرع ويصبح صديقا لكل أولاده و الملجأ بالنسبة لهم يرفعون اليه شكاويهم ضدي اليه ،وكان هذا مثالا لصداقة اسماعيل عمر لكل أفراد عوائل رفاقه كالمكوك يزورهم في أوقات فراغه ما أمكن ، يشاركهم مناسباتهم السعيدة ويواسيهم في الحزينة منها وقد كان دائم القول بأنه سعيد جدا كون عائلته قد توسعت أيما اتساع بفضل هذه الصداقات. ****
يصدر مرسوم آخر يقضي بحق الملاكين في نزع الاراضي من فلاحيهم المستثمرين وبنسبة اربعين إلى ستين للفلاح وتصبح المنطقة على حافة فتنة كبرى يحضر من فوره إلى المكتب يطلب نسخة من المرسوم ويطلب مني شرح بنوده وما هو الرأي والحل والمخرج، وحين أخبرته بأن الحركة الكوردية يجب أن تتدخل بقوة لوأد الفتنة بمهدها وأن يكون لها بصمة قوية في الحل وذلك بتعديل النسبة ال خمسن بالمائة لكل طرف والتعويض على الفلاحين على الفور حمل نسخته من المرسوم وغادر قائلا: وهو ما سيكون باذن الله.
في ذكرى وفاته يصرح المرحوم (حميد درويش) قائلا: من أراد أن يعرف من هو (اسماعيل عمر) وحزب اسماعيل عمر يكفيه فقط أن يتأمل هذا الكم الهائل من الناس في العزاء والتشييع.
يفتك المرسوم 49 يوما بعد آخر أكثر بالمجتمع الكوردي وتزداد موجات النزوح عرضت عليه فكرة بعض الشخصيات الوطنية خارج الوسط الكوردي بتشكيل وفد من الفعاليات والمكونات الاجتماعية ومن مختلف الطوائف والاثنيات باعتبار ان السلطات تتعنت في لقاء الاحزاب السياسية مباشرة وان هذا المرسوم بنتائجه الكارثية يؤذي الكل، كان (ابا شيار)مع المرحوم حميد درويش من الداعمين للفكرة وأصبحوا وعلى تواصل دائم ومباشر مع هذه الشخصيات وطلبوا مني الاسراع في تشكيل الوفد والسفر إلى دمشق لعقد اللقاءات ،وكان يطلب مني وعلى الدوام البقاء على التواصل معهم وتأمين كل احتياجاتهم المادية والمعنوية و مرافقتهم إلى العاصمة دون مشاركتهم في اللقاءات حتى يؤتى هذا الجهد ثماره ولا يظهر على الوفد أي طابع أو صبغة سياسية.
*اسماعيل عمر* كنسخة بشرية قد رحل ولن يتكرر وهذا حال كل البشر وديدن وسنة الله في خلقه ـوباعتبار ان هذه النسخة لن تتكرر فليس أمامنا ـ ووفاءا ـ الا أن نحاول أن نحمل او نمتثل بعض من سجايا وقيم (اسماعيل عمر) التي ما زالت حاضرة وبقوة بيننا وبذلك فقط نكون قد أدينا بعضا من حقه علينا.