المختبر السياسي  -2- التهجين السياسي… شركاء في السلطة نهارًا وخصومها ليلًا

كفاح محمود

  ليست أخطر أزمات السياسة تلك التي تنشأ من الصراع بين السلطة والمعارضة، فذلك أمر طبيعي في كل نظام ديمقراطي، إنما تبدأ الأزمة الحقيقية عندما تختلط الحدود بينهما، فيولد ما يمكن تسميته بـ “التهجين السياسي”؛ حالة يصبح فيها السياسي شريكًا في الحكم، ومعارضًا له في الوقت نفسه، يتمتع بامتيازات السلطة، لكنه يرفض تحمل مسؤولياتها.

  التهجين السياسي ليس مرونة، ولا براعة في إدارة التوازنات، بل ازدواجية في الموقف، فصاحبه يصوّت للقرار ثم ينتقده، ويشارك في الحكومة ثم يتحدث كما لو أنه خارجها، ويحضر عند توزيع المكاسب، لكنه يغيب عندما يحين وقت المحاسبة، إنه يريد أن يجمع بين شرعية السلطة وشعبية المعارضة، وبين الغنيمة وبراءة الذمة.

  هذه الظاهرة لا تربك المشهد السياسي فحسب، بل تُربك المواطن أيضًا، فمن يحكم فعلًا؟ ومن يعارض؟ ومن يتحمل مسؤولية الإخفاق؟ وعندما تضيع الإجابات عن هذه الأسئلة، تتراجع الثقة بالنظام السياسي كله، لأن الديمقراطية لا تقوم على تعدد الأحزاب فقط، بل على وضوح المواقع والمسؤوليات.

  وفي الأنظمة الديمقراطية الراسخة، قد تختلف الأحزاب داخل الائتلاف الحاكم، وقد تعترض على بعض السياسات، لكنها لا تتنصل من مسؤوليتها الجماعية، أما في الديمقراطيات الهشة، فيصبح التنصل مهارة سياسية، ويغدو الهجوم على الحكومة جزءًا من خطاب من يشاركون في إدارتها. 

  ولا يقتصر خطر التهجين السياسي على إرباك المسؤولية، بل يمتد إلى إفساد الثقافة السياسية نفسها، فهو يعلّم الجمهور أن المبدأ قابل للتبديل وفق المصلحة، وأن الخطاب لا يلزم صاحبه، وأن بإمكان السياسي أن يكون في صفين متناقضين في الوقت نفسه من دون أن يدفع ثمنًا سياسيًا أو أخلاقيًا، ومن هنا يصبح التهجين السياسي أحد أخطر أعراض الجرب السياسي؛ لأنه يحول الازدواجية إلى فضيلة، ويجعل الإفلات من المسؤولية معيارًا للنجاح، بدل أن تكون المسؤولية هي جوهر العمل العام.

 ولعل السؤال الذي ينبغي أن يُطرح ليس:

لماذا يمارس بعض السياسيين هذا السلوك؟

بل: لماذا يقبل به الرأي العام؟

  فكلما تسامح المجتمع مع ازدواجية المواقف، اتسعت المنطقة الرمادية بين السلطة والمعارضة، حتى يفقد النظام السياسي بوصلته، ويغدو الجميع شركاء في الحكم… وضحايا له في الوقت نفسه.

  إن الديمقراطية لا تحتاج إلى معارضة صاخبة، بقدر ما تحتاج إلى معارضة واضحة، ولا إلى سلطة معصومة، بل إلى سلطة تتحمل مسؤولية قراراتها، أما حين يصبح السياسي شريكًا في السلطة نهارًا، وخصمًا لها ليلًا، فإن المشكلة لا تعود في الأشخاص، بل في الثقافة التي أنتجت هذا التهجين السياسي، حتى بدا وكأنه أحد قواعد اللعبة، لا أحد أمراضها.

 

تقرير المختبر:

كل مجتمع يتسامح مع الجرب السياسي طويلًا، يمنحه فرصة التحول من مرض جلدي محدود إلى وباء يلتهم جسد الدولة.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مهند محمود شوقي   ليست كل الأوطان وُلدت على طاولة المفاوضات، ولا كل الحدود رُسمت بالحبر. هناك أوطان كُتبت بالدم، وحُفرت في ذاكرة شعوبها بالتضحيات، وكوردستان واحدة منها. فما يراه العالم اليوم من مدن نابضة بالحياة، وطرق حديثة، وجامعات، ومستشفيات، ومؤسسات، لم يكن يومًا هدية من التاريخ، بل ثمرة قرن من النضال. فمن ثورة الشيخ محمود الحفيد، إلى ثورات بارزان،…

دلدار بدرخان لطالما كان PYD يتهم المعارضة و فصائل الجيش الوطني وقياداتها ، أمثال أبو عمشة ، وسيف أبو بكر ، وفهيم عيسى وغيرهم من القيادات ، بالخيانة والعمالة والإجرام ، وكان يصفهم بأنهم بيادق وأدوات تعمل تحت إمرة تركيا . وكذلك كان يتهم قيادات المجلس الوطني الكوردي ظلماً وعدواناً بأنهم قالوا بالفم الملآن إن لديهم ست كتائب مشاركة في…

صلاح بدرالدين لو توفرت شروط انعقاد المؤتمر الكردي السوري الجامع الذي ننادي به ، ونعمل من أجله منذ تسعة أعوام في العاصمة الوطنية دمشق ، وهي كماأرى شرطان : الأول – التوافق الكردي على تشكيل لجنة تحضيرية ، الثاني : موافقة الحكومة الانتقالية مع تسهيلات لوجستية ، كنت ساقدم المقترحات التالية : أولا – الاتفاق على تكليف لجنة تحضيرية للاعداد…

د. إسماعيل حصاف يفرض الواقع السوري المعاصر سؤالاً ملحاً على النخب والفعاليات الكردية: ما العمل وما المطلوب من الحركة الكردية اليوم؟ وكيف يمكن مواكبة التطورات المتسارعة والسيناريوهات القادمة لسوريا المستقبل؟. إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد مدى الأهلية التاريخية لحمل ثقل القضية الكردية المزمنة في سوريا، وهي القضية التي مرت بمحطات معقدة بدءاً من تقسيم كردستان المركزية استعمارياً بناءً على…