كلمة بمناسبة اختيار عدد من الكورد لعضوية البرلمان السوري المؤقت

محمد سعيد آلوجي
بعد اختيار عددٍ من الشخصيات الكوردية لعضوية البرلمان السوري المؤقت، بات هذا الأمر واقعًا سياسيًا يستدعي التعامل معه بمسؤولية ووعي، بعيدًا عن ردود الفعل الانفعالية أو الأحكام المسبقة. وسواء جاء هذا الاختيار بهدف تمثيل الكورد في سوريا، أم في إطار تعزيز الثقة بين الشعب الكوردي والسلطة الانتقالية، وترسيخ أسس الاستقرار والأمن في البلاد، فإن النتيجة تفرض علينا قراءة هادئة لما تحمله هذه الخطوة من دلالات وما يمكن أن تفتحه من آفاق.
ولا شك أن حجم الحضور الكوردي في البرلمانات المقبلة قد يزداد أو يتراجع تبعًا لعوامل عديدة، في مقدمتها قدرة هؤلاء الأعضاء على العمل بروح الفريق الواحد، والتفاعل الإيجابي فيما بينهم، وبناء علاقات تعاون واحترام مع بقية أعضاء البرلمان، فضلًا عن مدى نجاحهم في كسب ثقة أبناء شعبهم، وثقة أوسع شريحة ممكنة من المواطنين السوريين، من خلال الأداء المسؤول، والكفاءة، والالتزام بالمصلحة الوطنية.
إن المسؤولية التي أُلقيت على عاتقهم ليست مسؤولية عابرة، بل هي تكليف وطني وتاريخي في مرحلة دقيقة من تاريخ سوريا. ومن هنا، فإن من واجبنا أن ننظر إلى هذه الخطوة بروح التفاؤل، وأن نمنحها فرصة حقيقية للنجاح، مع إدراك أن العمل البرلماني يتطلب خبرةً تتراكم بالممارسة، ومعرفةً تُكتسب بالاجتهاد، وأن الكفاءة لا تُقاس بما يمتلكه المرء عند البداية فحسب، وإنما بقدرته على التعلم والتطور وتحمل المسؤولية.
وانطلاقًا من ذلك، أرى أن من واجبنا، أفرادًا ومؤسسات ونخبًا ثقافية وسياسية، ألا نبخل عليهم بما نستطيع تقديمه من دعم فكري أو قانوني أو استشاري، كلٌّ بحسب إمكاناته وخبرته، بما يعينهم على أداء المهام الموكلة إليهم، أو المبادرات التي قد يتبنونها من تلقاء أنفسهم، دفاعًا عن حقوق شعبنا الكوردي، وتثبيت حضوره القومي الأصيل في سوريا، في إطار دولة المواطنة بقومياتها الاثنية المتكافئة والعدالة وسيادة القانون.
وفي الوقت ذاته، فإن نجاحهم الحقيقي لن يُقاس بمدى دفاعهم عن الحقوق المشروعة للكورد فحسب، بل أيضًا بإسهامهم في بناء دولة سورية حديثة، ديمقراطية، يتساوى فيها جميع المواطنين في الحقوق والواجبات، وتقوم على الشراكة الوطنية التامة، واحترام التعددية، وترسيخ العدالة، وتحقيق التنمية والرفاه والاستقرار لكل السوريين دون استثناء.
إن المرحلة الراهنة تتطلب تغليب الحكمة على الانفعال، والعمل على توسيع مساحات الحوار والتعاون، لأن مستقبل سوريا لن يُبنى إلا بإرادة جميع أبنائها، وبمشاركة جميع مكوناتها، وفي مقدمتها الشعب الكوردي الذي كان وسيبقى جزءًا أصيلًا من تاريخ هذا الوطن ومستقبله.
20.07.2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…