د. إسماعيل حصاف
يفرض الواقع السوري المعاصر سؤالاً ملحاً على النخب والفعاليات الكردية: ما العمل وما المطلوب من الحركة الكردية اليوم؟ وكيف يمكن مواكبة التطورات المتسارعة والسيناريوهات القادمة لسوريا المستقبل؟.
إن الإجابة عن هذه الأسئلة تحدد مدى الأهلية التاريخية لحمل ثقل القضية الكردية المزمنة في سوريا، وهي القضية التي مرت بمحطات معقدة بدءاً من تقسيم كردستان المركزية استعمارياً بناءً على المصالح الجيوسياسية للقوى الكبرى، وصولاً إلى إلحاق الجزء الكردي بالدولة السورية الناشئة عملياً بعد الاستقلال، بعد أن كان يتمتع بخصوصية إدارية وجيوسياسية مقدرة في عهد الانتداب الفرنسي.
لو رجعنا قليلاً إلى الوراء، لوجدنا أن المأساة التاريخية الكبرى للحركة الكردية تمثلت في تشرذمها البنيوي. فرغم أن الكرد يمثلون رابع أكبر قومية في غرب آسيا (إلى جانب العرب والترك والفرس)، ويعدون من أكبر الشعوب في العالم التي لا تملك دولة مستقلة معترفاً بها، فإن الخلافات الداخلية وغياب المرجعية السياسية الموحدة ظلا –إلى جانب العوامل الإقليمية والدولية– العائق الأساسي أمام تطور حركة التحرر القومي الكردي. ويجمع المؤرخون وعلماء السياسة، بناءً على دروس التاريخ، على أن الانقسامات الكردية الداخلية كانت الخاصرة الرخوة التي أضعفت النضال القومي، فالأصل في حركات التحرر أن وحدة الشعوب هي الرافعة الأساسية لتحقيق النصر.
وتزخر الذاكرة الإنسانية لحركات التحرر العالمية بجهود قادة عظام أدركوا حتمية الوحدة لانتزاع الحرية. ففي جنوب أفريقيا، نجح “المؤتمر الوطني الأفريقي” بقيادة نيلسون مانديلا في القضاء على نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا عبر جبهة موحدة للعصيان المدني والضغط السياسي، إذ كان مانديلا يرى أن الحرية مستحيلة في ظل الصراعات الداخلية التي تعصف بالشعوب المضطهدة.
فقد دعا الشاعر والفيلسوف الكردي العظيم أحمد خاني الوحدة الكردية، مؤكداً أنه إذا اتحد الكرد وانتخبوا قائداً واحداً)، فإنهم سيتخلصون من التبعية ويصبحون سادة مصيرهم. وفي التاريخ الحديث، سار القائد مصطفى بارزاني على الدرب ذاته، مؤكداً مراراً وتكراراً أن “قوة الكرد تكمن في وحدتهم”. ولعل تجربة تشكيل جبهة كردية موحدة في العراق عام 1988 كانت العلامة الفارقة التي مكنت الكرد – بعد نبذ خلافاتهم – من تثبيت كيانهم الفيدرالي وحماية مكتسباتهم.
تواجه الحركة الكردية في سوريا تحديات هائلة وغير مسبوقة، خاصة بعد التحول الجيوسياسي الضخم المتمثل بسقوط نظام بشار الأسد وتشكيل حكومة انتقالية بقيادة أحمد الشرع. هذا الواقع الجديد يفرض على الكرد إظهار مرونة سياسية عالية، وبراغماتية دبلوماسية، وإعادة تنظيم شاملة لصفوفهم.
ومن أبرز هذه التحديات:
ضعف الموقف التفاوضي للكرد بسبب التشتت وغياب موقف موحد، فقد شكل “كونفرانس 26 نيسان” لوحدة الصف والموقف الكردي –الذي عُقد برعاية الرئيس مسعود بارزاني وحضور د.حميد دربندي ممثلا عنه– نقطة تحول استراتيجية واستجابة تاريخية لإنهاء حالة التشرذم في مواجهة شروط المرحلة الانتقالية، وأن يصبح نموذجاً ملهماً ونقطة تحول تاريخية، ليس فقط للحركة الكردية، بل كنموذج كردستاني وإقليمي لكيفية إدارة الأزمات القومية في المنعطفات التاريخية الكبرى.وتكمن أهمية هذا الكونفرانس في مخرجاته العملية، وعلى رأسها صياغة “رؤية سياسية موحدة” للمرة الأولى، وتشكيل وفد كردي مشترك كمرجعية تفاوضية موحدة ومحصنة للتحاور مع سلطة دمشق الانتقالية وسائر القوى الوطنية السورية، مما يمنع الاستفراد بالقوى الكردية أو تشتيت مطالبها.
لكن السؤال الجوهري والمؤلم هنا: لماذا وُلد كونفرانس 26 نيسان ميتاً؟، حيث جُمّدت مخرجاته وتُرك في “غرفة الإنعاش” بفعل تجاذبات وضغوطات ذاتية وخارجية. وهل الحركة السياسية الكردية قادرة حالياً على إيجاد البديل اللازم لتلبية مستلزمات هذه المرحلة التاريخية الحساسة؟، أم هناك ضرورة تفعيل مخرجات الكونفرانس والتمسك بها، خاصة وأن الحركة السياسية الكردية أمام مسؤليات تاريخية تجاه الشعب والقضية.
يرتبط التحدي الثاني بالأول ارتباطاً عضويا، فهل يمكن للحركة الكردية، وهي تعيش هذا التشتت والانقسام، أن تنتزع اعترافاً قانونياً صريحاً بالحقوق الكردية في الدستور السوري المستقبلي؟، ونقصد هنا تثبيت نظام فدرالي أو لامركزية سياسية موسعة، واعتبار الكرد القومية الثانية في البلاد والاعتراف بوجودهم على أرضهم التاريخية، والاستفادة من “المرسوم 13” وتطويره باعتباره مكسباً قومياً وتاريخياً، ومن ثم حماية المكتسبات الثقافية، وخاصة الاعتراف باللغة الكردية كلغة قومية رسمية في التعليم والمؤسسات داخل الإطار الدستوري القادم.
ثمة ضرورة ملحة للحفاظ على السلم الأهلي وتمتين الروابط الكردية-العربية عبر نشر الوعي، والعمل على تغيير بنية عقلية القومية الكبرى القائمة على سياسة الإنكار وإلغاء الآخر (وهذا الأمر يقع على كاهل المتنورين والسياسيين الديمقراطيين العرب أولا)، والتعامل مع التعددية الإثنية والمذهبية في سوريا عامة وكردستان سوريا خاصة كعامل غنى ومكسب ثقافي يجب الدفاع عنه.
المطلوب من الحركة الكردية في سوريا اليوم، في ظل هذه المتغيرات المتسارعة، هو التحول الكامل نحو “عقلية الأمة” وتجاوز الخلافات الضيقة.والإلتفاف حول استراتيجية طويلة الأمد وبناء مرجعية قومية مؤسساتية تضع المصالح العليا للشعب الكردي فوق أي اعتبار، وذلك بالتوازي مع التنسيق العقلاني مع النظام الجديد في دمشق.
إن تعزيز الدور الكردي عبر بوابة الوحدة الداخلية هو الطريق الوحيد لانتزاع حقوق الشعب الكردي في سوريا المستقبل، سوريا القائمة على العدالة، التعددية، والديمقراطية. ويجب أن يدرك الجميع حقيقة راسخة: دون حل القضية الكردية في سوريا حلا ديمقراطيا عادلا، لن يتحقق الأمن والاستقرار المستدام في البلاد.
ننهي المقالة بمقولة بنيامين فرانكلين في عام 1776 الشهيرة عند توقيع إعلان الاستقلال:”يجب أن نتحد، وإلا فسوف نُشنق فرادى”، لتصبح كلماته الرمز الأساسي لضرورة التلاحم.
———
*أكاديمي أستاذ التاريخ الحديث والمعاصر