حسين امين
منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، دخلت القضية الكردية واحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا. فقد بدا، في لحظة تاريخية نادرة، أن التحولات التي تشهدها سوريا قد تفتح نافذة لإعادة طرح الحقوق القومية للشعب الكردي ضمن مشروع وطني ديمقراطي يضمن العدالة والمواطنة المتساوية. غير أن تعقيدات الصراع، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، والانقسام الكردي الداخلي، بددت كثيرًا من تلك الآمال.
وجدت الحركة الكردية نفسها أمام خيارات متباينة، فانقسمت بين من رأى أن التنسيق مع النظام هو السبيل لتجنب الأسوأ، ومن اختار الانخراط في صفوف المعارضة السورية، رغم غياب التزام دستوري واضح بحقوق الشعب الكردي. وفي المقابل، نشأ مشروع الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا، مستفيدًا من الدعم الدولي في الحرب ضد تنظيم داعش، وتمكن من فرض واقع سياسي وعسكري جديد، لكنه بقي يفتقر إلى اعتراف سياسي ودستوري مستقر يضمن استمراره ويحفظ مكتسباته.
وبعد أكثر من خمسة عشر عامًا من الصراع، يصعب الادعاء بأن أيًا من هذه الخيارات حقق الهدف المنشود. فلا المعارضة استطاعت أن تنتزع اعترافًا واضحًا بالحقوق القومية للكرد، ولا الإدارة الذاتية تمكنت من تحويل إنجازاتها الميدانية إلى اتفاق سياسي دائم يحظى بقبول داخلي وإقليمي ودولي. وبين هذا وذاك، بقي الشعب الكردي يدفع ثمن الانقسام أكثر مما يجني ثمار التضحيات.
واليوم، ومع التحولات السياسية المتسارعة في سوريا، تبدو الصورة أكثر تعقيدًا. فالحوارات التي جرت مع السلطة الانتقالية، كما اللقاءات مع القوى الإقليمية والدولية، لم تفضِ حتى الآن إلى إعلان مبادئ أو اتفاقات ملزمة تكفل الحقوق القومية للشعب الكردي. وهذا لا يعني استحالة الوصول إلى حل، لكنه يكشف أن القضية ما تزال رهينة موازين القوى، أكثر مما تستند إلى ضمانات قانونية ودستورية راسخة.
غير أن تعليق الإخفاقات على شماعة المؤامرات الخارجية وحدها لم يعد كافيًا. فالمراجعة الحقيقية تبدأ من الداخل، حيث ما تزال أجزاء واسعة من الحركة الكردية تعاني من أمراض مزمنة، أبرزها الحزبية الضيقة، والمحاصصة العائلية، والعقلية المناطقية، وتقديم الولاءات على الكفاءات. وهي ممارسات لم تؤدِّ إلا إلى إضعاف المؤسسات، وإقصاء الطاقات الوطنية، وتعميق الفجوة بين الشارع الكردي وقواه السياسية.
ولعل أخطر ما أفرزته هذه المرحلة هو ترسيخ ثقافة التخوين والتصنيف، حتى أصبح الانتماء الحزبي معيارًا للحكم على الأشخاص، بدلًا من الكفاءة والنزاهة والقدرة على العطاء. وهكذا تراجعت الثقة، وازدادت الهوة بين القيادات والجمهور، وغاب المشروع الوطني الجامع الذي يستطيع أن يوحد الطاقات ويحول التنوع السياسي إلى مصدر قوة لا إلى سبب للانقسام.
إن القضية الكردية ليست ملكًا لحزب، ولا حكرًا على تنظيم، ولا يمكن اختزالها في منطقة أو إدارة أو تحالف سياسي. إنها قضية شعب يناضل منذ عقود من أجل الاعتراف بحقوقه وكرامته وشراكته الحقيقية في وطنه. ومن هنا فإن أي مشروع سياسي لا ينطلق من هذه الحقيقة، ولا يضع المصلحة الوطنية فوق الحسابات الحزبية، سيبقى مشروعًا ناقصًا، مهما امتلك من أدوات القوة.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن التحالفات تتغير، والمصالح الدولية تتبدل، أما الشعوب فلا يبقى لها إلا وحدتها الداخلية ومؤسساتها القوية. ولذلك، فإن بناء خطاب كردي جامع، يقوم على الديمقراطية والتعددية واحترام الرأي الآخر، لم يعد خيارًا سياسيًا فحسب، بل أصبح ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل.
إن مراجعة الذات ليست جلدًا لها، بل هي أعلى درجات المسؤولية السياسية. والاعتراف بالأخطاء لا يقلل من قيمة التجربة، بل يمنحها فرصة للتصحيح والتطور. أما الاستمرار في إعادة إنتاج الأساليب ذاتها، والوجوه ذاتها، والخلافات ذاتها، فلن يقود إلا إلى مزيد من التراجع، وسيمنح الآخرين فرصة جديدة لتهميش القضية الكردية وإضعاف حضورها.
إن المرحلة الراهنة تتطلب شجاعة في اتخاذ القرار، وجرأة في نقد الذات، وإرادة حقيقية لبناء بيت كردي يتسع للجميع، بعيدًا عن الإقصاء والاحتكار. فالقضية الكردية أكبر من الأحزاب، وأبقى من القيادات، وأسمى من المصالح الضيقة. ولن تستعيد زخمها إلا عندما يصبح الولاء للقضية فوق الولاء للحزب، وللوطن فوق الولاء للأشخاص.
فالتاريخ لا يرحم من يكرر أخطاءه، والشعوب لا تنتظر من يكتفي بإدارة الأزمات، بل من يمتلك الشجاعة لصناعة المستقبل.