جمهورية الموافقات

المهندس باسل قس نصر الله

انا من بلادٍ كان الحصول على رغيف الخبز أسهل من الحصول على موافقة، وكان لكل شيء موافقة: السفر، والعمل، والاجتماع، والكلام … وربما التنفس لو استطاعوا أن يجدوا له استمارة.

قيل لنا إن حزب البعث في سورية هو قائد للدولة والمجتمع. ولم أفهم يومها لماذا يحتاج المجتمع إلى قائد إذا كان المجتمع نفسه واقفاً في الطابور ينتظر توقيع الموظفٍ الذي يخشى توقيع مديره، والمدير ينتظر موافقة مسؤول أعلى، وذلك المسؤول ينتظر أن يعرف ماذا يريد المسؤول الأعلى منه.

لم تكن البيروقراطية مجرد نظام إداري، بل كانت عقيدة كاملة، إنها عقيدة “القيادة الحكيمة والرشيدة”.
أما أنا، فقد اصطدمت بهذا الواقع أكثر من مرة. ومن تلك الاصطدامات ما حدث داخل المكتب التنفيذي لمحافظة حلب، حين اكتشفت أن الرأي لا يُوزن بقوته ولا بمنطقه، بل بمقدار انسجامه مع ما يرغب أصحاب القرار في سماعه. يومها لم أخسر حجة، بل خسرت وهماً كان يراودني بأن النقاش وحده قادر على تغيير القرار. فضربت بعرض الحائط هذه المقولة “مبروك ثقة القيادة” التي أصبحت عنوناً كاريكاتورياً لكل من يتسلق منصباً.

ولم تكن تلك الحادثة الوحيدة، لكنها كانت من أكثرها دلالة، فقد أيقنت أن المشكلة لم تكن في الأشخاص بقدر ما كانت في منظومة ترى أن الاختلاف تهمة، وأن السؤال خروج عن الصف، فالقيادة الرشيدة هي التي تفكر عنك في كل شيء .. حتى ماذا ستفعل في الليل.

لم تكن مشكلتي مع الوطن، ولا مع الناس، بل مع فكرة أن يتحول الإنسان إلى رقم، وأن يصبح السؤال الدائم ليس: “هل أنت على حق؟” بل: “من يقف خلفك؟”

كان الاصطدام مكلفاً، لكنه علّمني أن الصمت قد يكون أحياناً أكثر ضجيجاً من الكلام.

والغريب أن الجميع كان يشتكي همساً، فإذا اجتمعوا تحول الهمس إلى تصفيق، وطبل ودبكة شعبية – بناء على توجيهات الأمن – للتصدي أمام محاولات الإمبريالية العالمية للنيل من صمودنا الذي لم أعرفه آنذاك، وكل ذلك في الساحات العامة وبديمقراطية موجهة من أولي الامر .. مع تفقد لمن لا يحضر، وانا منهم.

كان الخوف اللغة الرسمية، أما الحقيقة فكانت تتسلل خلسة بين الأصدقاء الموثوقين.

ومع ذلك، فإن الإنصاف يقتضي أن نقول إن الأوطان لا تُختزل في الأنظمة، كما أن الشعوب لا تُحاكم بأخطاء الحكام.

سورية كانت أكبر من البعث، وستبقى أكبر من أي حزب، لأنها صُنعت بتاريخها، وبأهلها، وبحضارتها، لا بالشعارات المعلقة على الجدران.

لقد اصطدمت بالبعث، نعم … وكنت شاهداً على بعض آليات عمله من الداخل، لكنني لم أصطدم بسورية.

فالفرق كبير بين أن تعترض على إدارة وطن، وبين أن تتخلى عن الوطن نفسه.

ويبقى السؤال:
هل كانت المشكلة في المواطن الذي كان يسأل، أم في نظامٍ كان يخشى السؤال؟

اللهم اشهد أني بلغت.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نظام مير محمدي كاتب حقوقي وخبير في الشأن الإيراني   على امتداد أكثر من أربعة عقود، جرب المجتمع الدولي مختلف السبل في التعامل مع النظام الإيراني، من الحوار إلى المفاوضات، ومن العقوبات إلى الضغوط السياسية، ولكنه لم ينجح في الوصول إلى حل جذري يضع حداً للأزمة التي باتت تلقي بظلالها على أمن المنطقة واستقرارها. والأسوأ من ذلك أن…

م. أحمد زيبار بعد الحرب العالمية الأولى، وما رافقها من تقسيم للمنطقة وتجزئة كردستان، أصبح جزء من الشعب الكردي ضمن الدولة السورية الحديثة، التي مضى على قيامها أكثر من قرن. ومع مرور السنوات، وبفعل سياسات التهميش والتمييز وغياب الإنصاف تجاه الكرد، تبلورت لديهم قضية قومية وحقوقية، وبدأت معها محاولات تنظيم الصفوف والدفاع عن حقوقهم المشروعة. وفي عام 1957،…

صلاح بدرالدين صدر عن دار نشر – نينوى – بدمشق الأجزاء الاحدى عشرة من مذكراتي تحت عنوان ” الحركة الوطنية الكردية السورية ” إضافة الى كتاب ” الكرد في الثورة السورية ” . وبهذا الإصدار الجديد ستبلغ مؤلفاتي – ٢٩ – كتابا منذ عام ١٩٧٤ وحتى الان أي في غضون خمسين عاما ، بمعدل كتاب كل عامين ، وفي مايلي…

نجاح هيفو لم يعد أخطر ما فعلته التكنولوجيا أنها قرّبت المسافات بين البشر، بل أنها جعلت حياة الإنسان نفسها قابلة للتحول إلى سلعة. قبل أيام، وجدت نفسي أمام مشهد من المشاهد التي تبدو في ظاهرها عابرة: اهتمام جماهيري واسع بقصة طلاق شوق، وما رافقها من تداول وتفاعل ومتابعة وتفاصيل شخصية. ليس المقصود هنا محاكمة شوق، ولا الدفاع عن طرف ضد…