على الكرد أن لاينسوا أصدقائهم (ليندسي غراهام نموذجا)

*.د.إسماعيل حصاف

وُلد ليندسي غراهام عام 1955 في ولاية كارولاينا الجنوبية. واجه ظروفاً عائلية صعبة في شبابه بعد وفاة والديه، وتولى رعاية شقيقته الصغرى. درس القانون في جامعة كارولاينا الجنوبية ونال شهادة الدكتوراه فيها عام 1981. انضم إلى سلاح الجو الأمريكي كقاضٍ عسكري ومدعٍ عام، وخدم في الخدمة الفعلية ثم في قوات الاحتياط والحرس الوطني الجوي، وتقاعد برتبة عقيد عام 2015 بعد مسيرة عسكرية طويلة شملت فترات خدمة قصيرة في العراق وأفغانستان. بدأ حياته السياسية في مجالس الولاية المحلية، ثم انتُخب عضواً في مجلس النواب الأمريكي (1995–2003).انتُخب عضواً في مجلس الشيوخ الأمريكي عن ولاية كارولاينا الجنوبية لأول مرة عام 2002، وأُعيد انتخابه لعدة فترات متتالية، ليصبح أحد أبرز وأقوى الأصوات الجمهورية في لجنتي “العلاقات الخارجية” و”القضاء”. يصنف كـ”صقر” في السياسة الخارجية، حيث يتبنى دائماً مواقف صارمة وهجومية لدعم التدخل العسكري الأمريكي، ومساندة الحلفاء، ومواجهة خصوم واشنطن دولياً وإقليمياً.

   يعدّ السيناتورالأمريكي الجمهوري البارز ليندسي غراهام أحد أكثر الأصوات تأثيراً في السياسة الخارجية الأمريكية داخل الكونغرس، ويمتلك تاريخاً طويلاً وممتداً من المواقف الداعمة للكرد في إقليم كردستان العراق وكردستان سوريا. ينطلق غراهام في موقفه من رؤية استراتيجية واضحة تنظر إلى الكرد باعتبارهم الشريك العسكري الأكثر موثوقية والأقل كلفة للولايات المتحدة في منطقة الشرق الأوسط وغرب آسيا، والمصدّ الرئيسي لخطوط الدفاع ضد الإرهاب والنفوذ الإيراني.

ففي أواخر عام 2019، إتخذ غراهام موقفا حازما عندما اتخذت إدارة الرئيس السابق دونالد ترامب قراراً بسحب القوات الأمريكية من شمال سوريا، مما مهد الطريق لعملية عسكرية تركية لإحتلال عفرين ومناطق أخرى. حينها، قاد غراهام تمرداً سياسياً داخل الحزب الجمهوري ضد هذا القرار، ووصف التخلي عن الكرد بأنه “كابوس للأمن القومي الأمريكي” و”وصمة عار على شرف أمريكا”، وعمل بالتعاون مع ديمقراطيين على صياغة تشريعات فرضت عقوبات على تركيا

وقد طرح السيناتور ليندسي غراهام بالتعاون مع السيناتور الديمقراطي ريتشارد بلومنثال مشروع قانون يحمل اسم “قانون إنقاذ الكرد”  ((Save the Kurds Act))، يهدف إلى فرض عقوبات صارمة ومشتركة ضد أي حكومة أو جماعة تشن هجمات أو أعمالاً عدائية ضد الكرد في سوريا. 

ومن جهة أخرى،أصدر غراهام عدة تصريحات وبيانات رسمية عبّر فيها عن قلقه البالغ من حدوث تنسيق أو تصعيد عسكري يستهدف المناطق الكردية، مؤكداً أن التخلي عن الكرد سيكون “كارثة على سمعة أمريكا ومصالح أمنها القومي”. ووصف الكرد بأنهم القوة الرئيسية التي تحملت العبء الأكبر في تدمير خلافة تنظيم داعش.

أما في إقليم كردستان العراق، فتأخذ مواقف غراهام طابعاً مؤسساتياً ودبلوماسياً رفيع المستوى. تُظهر التقارير الدبلوماسية والبيانات الصحفية الصادرة عن مكتبه حرصه على زيارة أربيل بانتظام والتقاط الصور وعقد المؤتمرات مع قادة الإقليم (مثل مسعود بارزاني، ونيجيرفان بارزاني، ومسرور بارزاني). وخلال هذه اللقاءات، جدد غراهام دائماً التزام واشنطن “بإقليم كردستان قوي ومستقر ومزدهر داخل العراق”. يرى غراهام في أربيل واحة للاستقرار وضمانة للتوازن السياسي في العراق، وتتلخص مواقفه هناك في ثلاثة محاور أساسية:

أولها، الحرص على تضمين بند تمويل وتسليح قوات البشمركة الكردية ضمن موازنة الدفاع الأمريكية، معتبراً إياهم قوة برية شجاعة وحليفة؛ الضغط على الحكومة الاتحادية في بغداد عبر منصات الكونغرس لحل الخلافات المتعلقة بالموازنة وصادرات النفط ورواتب موظفي الإقليم، مؤكداً أن محاولات إضعاف الإقليم اقتصادياً تصب مباشرة في مصلحة التمدد الإيراني؛ التنديد بالهجمات الصاروخية والمسيرات التي استهدفت أربيل من قبل فصائل مدعومة من إيران، وطالب مراراً بتزويد الإقليم بمنظومات دفاع جوي متطورة لحماية أجوائه.

على الرغم من اندفاعه لحماية الكرد، يمثل غراهام أيضاً نموذجاً للسياسي البراغماتي، فهو يدرك في الوقت ذاته الأهمية الجيوسياسية لتركيا كعضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). لذلك، حاول غراهام في عدة مناسبات لعب دور “الوسيط، حيث زار أنقرة والتقى بالرئيس رجب طيب أردوغان، وطرح أفكاراً لإقامة منطقة آمنة تحمي الحدود التركية وتضمن في الوقت نفسه حماية المناطق الكردية من هجمات تركية.

أن الموقف من الكرد لم يكن مجرد مسألة عاطفية لدى السيناتور ليندسي غراهام، بل هو ملف أمن قومي أمريكي بامتياز. ويرى غراهام أن بقاء أمريكا كقوة عظمى يعتمد على وفائها بحلفائها على الأرض، وهو ما يجعله دائماً “محامي الدفاع الأول” عن القضية الكردية تحت قبة الكابيتول هيل (Capitol Dome)، وهي العنصر المعماري الأكثر شهرة في مبنى الكابيتول (مقر الكونغرس الأمريكي) في واشنطن، وتُعد رمزاً عالمياً للديمقراطية والسيادة الأمريكية. محذراً من أن أي تراجع أمريكي عن دعمهم يمثل دعوة مفتوحة لروسيا وإيران وداعش لملء الفراغ.

توفي السيناتور ليندسي غراهام مساء يوم السبت الموافق 11 يوليو/تموز 2026 عن عمر ناهز 71 عاماً، إثر وعكة صحية طارئة ومفاجئة أدت إلى سكتة قلبية في منزله، وفقاً لما أعلنه مكتبه الرسمي.

سيبقى ذكراه حيا في ذاكرة وضمير الكرد، مادام دافع عن وجود الشعب الكردي في أحلك الظروف والمواقف.

—————

*.استاذ التاريخ الحديث والمعاصر

 

 

شارك المقال :

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عبدالحكيم بشار تمر الحركة السياسية الكردية في سوريا اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا. ولم يعد من الممكن تجاهل حقيقة أن هذا الواقع هو نتاج تراكمات طويلة من الأخطاء والإخفاقات، الأمر الذي يستدعي وقفة مراجعة صريحة وشجاعة، بعيدًا عن المجاملات أو محاولات تبرير الفشل. لا يتعلق الأمر بالتشكيك في تاريخ الحركة أو إنكار ما قدمته من تضحيات وإنجازات،…

أمين كلين ياسادة الافاضل : هناك افراد منا لابل قوى كردية تعمل ليل نهار عن فتح معركة جانبية لاشغالنا بها !!!!! اما انهم عاطفيون لا يدركون مغذى تصرفهم ، او انهم يعملون لصالح جهات معادية للاكراد وقضيتهم ، او انهم أنانيون يدركون ماذا يفعلون … في القضية القومية والوطنية يجب ان لا نشغل انفسنا بامور جانبية مطلقا مهما كانت المبررات…

جان كورد أقول هذا لأن الهجمات على كل ما له علاقة بالكورد وكوردستان مستمر ويزداد وقاحة مع الأيام وتعلمون جيداً ما أعنيه، فثمة هجوم حاقد على الوجود القومي لأمتنا التي يزيد تعدادها عن تعداد عدة شعوب لها مقاعد في هيئة الأمم المتحدة، بل وإن أرض كوردستان المغدورة أوسع مساحةً من مساحة عدة دول أوروبية مجتمعةً، والهجوم كبير وكثيف ومغرض…

المهندس باسل قس نصر الله انا من بلادٍ كان الحصول على رغيف الخبز أسهل من الحصول على موافقة، وكان لكل شيء موافقة: السفر، والعمل، والاجتماع، والكلام … وربما التنفس لو استطاعوا أن يجدوا له استمارة. قيل لنا إن حزب البعث في سورية هو قائد للدولة والمجتمع. ولم أفهم يومها لماذا يحتاج المجتمع إلى قائد إذا كان المجتمع نفسه واقفاً في…