كرسي بلا ملف: لماذا تأخر الاعتراف بالحقوق القومية للكرد في سوريا؟

محمود اوسو
يعيش الكرد في سوريا على أرضهم التاريخية منذ آلاف السنين. في الجزيرة والفرات وعفرين وكوباني ودمشق وحلب.
لهم لغتهم، وعاداتهم، وتاريخهم المتميز عن محيطهم. وهم ثاني أكبر قومية في سوريا بعد العرب.
ومع ذلك، وبعد أكثر من 60 عاماً على قيام الدولة السورية الحديثة، لا يزال الدستور السوري يعرف سوريا بأنها “الجمهورية العربية السورية” دون أي إشارة إلى المكون الكردي.
في المقابل، خرجت المرجعية الدينية والسياسية في السويداء عامي 2023 و 2024 بمطالب صريحة: لا مركزية إدارية، بل وصلت إلى حدود المطالبة بالانفصال عن مسمى “الجمهورية العربية السورية”.
وهنا يبرز السؤال المركزي: لماذا استطاع الدروز رفع سقف المطالب، بينما بقي الملف الكردي يراوح في مكانه؟ هل الدروز أقوى من الكرد؟ أم أن المسألة أعمق؟

 

العامل الداخلي – سرطان الانقسام الكردي

 

هذه هي العلة الأكبر.
1. تعدد المرجعيات وغياب المشروع القومي الجامع
منذ تأسيس “الحزب الديمقراطي الكردي في سوريا” عام 1957 وحتى اليوم، انقسم البيت الكردي إلى أكثر من 12 حزباً وتياراً.
منها من ارتبط بأربيل، ومنها من ارتبط بقنديل، ومنها من راهن على دمشق، ومنها من علق آماله على واشنطن.
النتيجة: لم يعد هناك “ملف كردي سوري” واحد. صار هناك 12 ملفاً، وكل ملف يلغي الآخر.
وحين تتعدد الرايات، يضيع الهدف.
2. سياسة الكراسي بدل سياسة “الحقوق”
منذ خمسينيات القرن الماضي، دخل نواب ووزراء ومحافظون من أصول كردية إلى مؤسسات الدولة.
ولكنهم دخلوا كأفراد، لا ككتلة قومية.
فكان “العضو الكردي في مجلس الشعب” يساوي في التصويت “العضو عن محافظة درعا” أو “العضو عن محافظة حمص”.
اكتفى الكثيرون بامتيازات شخصية ومناطقية، ولم يطرح ملف الشعب الكردي كملف قومي على طاولة الدولة.
3. تجربة الإدارة الذاتية: سيف ذو حدين
أثبتت مناطق الإدارة الذاتية بعد 2012 قدرة الكرد على إدارة مدنهم ومؤسساتهم وأمنهم.
لكنها في الوقت نفسه قدمت للمجتمع السوري وللإقليم صورة “مشروع انفصالي” مدعوم أمريكياً.
وهذا ما استخدمته دمشق وأنقرة ذريعة لإغلاق أي باب للتفاوض على الحقوق الثقافية والقومية.

 

 العامل الإقليمي والدولي – الجغرافيا لعنة
1. الفيتو التركي
تركيا تعتبر أي اعتراف دستوري بالكرد في سوريا تهديداً مباشراً لأمنها القومي بسبب ارتباطه بقضية الـ PKK.
ولذلك تدخلت عسكرياً 3 مرات واحتلت عفرين ورأس العين وتل أبيض.
وبالتالي، أي نظام في دمشق سيفكر ألف مرة قبل أن “يغضب” أنقرة من أجل ملف الكرد.
2. أمريكا وروسيا: تجار أزمات
استخدمت أمريكا “قسد” كأداة لمحاربة داعش. وعندما انتهت المهمة، قالت لهم: “اذهبوا وتفاوضوا مع دمشق”.
وروسيا لعبت دور الوسيط الذي لا يريد حلاً، بل يريد إبقاء الجميع تحت سيطرة النظام.
فتحول الكرد من “قضية” إلى “ورقة تفاوض” في سوق الصفقات الدولية.
3. إيران والعراق
كلاهما ضد أي نموذج فيدرالي أو لا مركزي في سوريا. لأنه سيشكل سابقة تهدد بنيتهما الداخلية.
فكان الضغط المشترك على دمشق دائماً: “لا تفتح هذا الباب”.
لماذا كان صوت الدروز أعلى؟
هنا لا مجال للعاطفة. المقارنة موضوعية:
الكرد الدروز
الجغرافيا  3 كانتونات متباعدة + أجزاء محتلة  .
كتلة جغرافية واحدة مغلقة في جبل العرب
المرجعية  12 حزب + لا مرجعية دينية موحدة مشيخة عقل واحدة ذات كلمة نافذة
موقف الإقليم تركيا لديها فيتو دموي
لا يوجد “دروز” في تركيا يشكلون خطراً
سقف المطلب فيدرالية / اعتراف قومي لا مركزية / تغيير اسم الدولة
العلاقة مع النظام  يُنظر إليهم كخطر أمني يُنظر إليهم كجزء من النسيج التاريخي للدولة
إذن، المسألة ليست “من الأقوى”. المسألة هي “من الأقل كلفة” على النظام والإقليم.
هل أضاعت الخلافات مستقبل الشعب الكردي؟
الجواب: أجلت، ولم تضيع.
المشكلة لم تكن في الخارج فقط. المشكلة أننا لم نقدم مشروعاً سياسياً سورياً كردياً واضحاً يقول:
“نحن كرد سوريون، نريد سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية، تعترف بنا كشعب أصيل ضمن وحدة سوريا أرضاً وشعباً”.
طالما بقي الخطاب الكردي أسيراً لثلاثة خيارات متناقضة: “مع النظام” و “مع المعارضة” و “مع الخارج”، فسيبقى مصيرنا معلقاً على مزاج لاعب دولي.
الخاتمة والتوصيات
1. ميثاق شرف وطني كردي: طاولة واحدة لكل الأحزاب الكردية للاتفاق على 3 ثوابت: الاعتراف الدستوري، اللامركزية، واللغة القومية.
2. فصل الملفات: فصل المطلب الكردي السوري عن أي أجندة إقليمية أو حزبية خارج الحدود.
3. بناء الجبهة السورية: التحالف مع الدروز والمسيحيين والعشائر العربية الداعية للدولة اللامركزية. لأن سوريا المستقبل لا تبنى  بطائفة أو قومية واحدة.
الكرد لا يحتاجون إلى “كرسي” في دمشق.
الكرد يحتاجون إلى أن يجلسوا على طاولة واحدة أولاً.
وعندها فقط، سيأتي الكرسي إليهم.
محمود أوسو

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عبدالحكيم بشار تمر الحركة السياسية الكردية في سوريا اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا. ولم يعد من الممكن تجاهل حقيقة أن هذا الواقع هو نتاج تراكمات طويلة من الأخطاء والإخفاقات، الأمر الذي يستدعي وقفة مراجعة صريحة وشجاعة، بعيدًا عن المجاملات أو محاولات تبرير الفشل. لا يتعلق الأمر بالتشكيك في تاريخ الحركة أو إنكار ما قدمته من تضحيات وإنجازات،…

أمين كلين ياسادة الافاضل : هناك افراد منا لابل قوى كردية تعمل ليل نهار عن فتح معركة جانبية لاشغالنا بها !!!!! اما انهم عاطفيون لا يدركون مغذى تصرفهم ، او انهم يعملون لصالح جهات معادية للاكراد وقضيتهم ، او انهم أنانيون يدركون ماذا يفعلون … في القضية القومية والوطنية يجب ان لا نشغل انفسنا بامور جانبية مطلقا مهما كانت المبررات…

جان كورد أقول هذا لأن الهجمات على كل ما له علاقة بالكورد وكوردستان مستمر ويزداد وقاحة مع الأيام وتعلمون جيداً ما أعنيه، فثمة هجوم حاقد على الوجود القومي لأمتنا التي يزيد تعدادها عن تعداد عدة شعوب لها مقاعد في هيئة الأمم المتحدة، بل وإن أرض كوردستان المغدورة أوسع مساحةً من مساحة عدة دول أوروبية مجتمعةً، والهجوم كبير وكثيف ومغرض…

المهندس باسل قس نصر الله انا من بلادٍ كان الحصول على رغيف الخبز أسهل من الحصول على موافقة، وكان لكل شيء موافقة: السفر، والعمل، والاجتماع، والكلام … وربما التنفس لو استطاعوا أن يجدوا له استمارة. قيل لنا إن حزب البعث في سورية هو قائد للدولة والمجتمع. ولم أفهم يومها لماذا يحتاج المجتمع إلى قائد إذا كان المجتمع نفسه واقفاً في…