شجاعة القرار تبدأ من شجاعة الموقف

شادي حاجي
ليست القيادة السياسية لقباً تنظيمياً ولا موقعاً إدارياً، بل مسؤولية تتجدد مع كل محطة وطنية تفرض موقفاً واضحاً. فالقيادات لا تُختبر في أوقات الاستقرار، وإنما في اللحظات التي تتداخل فيها الضغوط والمخاطر وتتعارض فيها الحسابات مع المصلحة الوطنية. عندها يصبح اتخاذ القرار امتحاناً للشجاعة قبل أن يكون اختباراً للحكمة.
وفي الأحزاب السياسية، تزداد هذه المسؤولية ثقلاً، لأن القيادة لا تمثل نفسها، بل تعبر عن تطلعات جمهور وقضية وتاريخ من النضال. ومن هنا، فإن قيمة القيادة لا تُقاس بقدرتها على إدارة التنظيم فحسب، وإنما بقدرتها على رسم موقف سياسي واضح يحفظ حقوق شعبها ويمنح أنصارها الثقة بأن صوتهم حاضر في اللحظات المفصلية.
وفي الحالة السياسية الكردية في سوريا العامة، تبدو الحاجة إلى القيادة الواثقة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. فالتحولات السياسية المتسارعة تفرض مواقف واضحة، وتحتاج إلى قيادات تمتلك رؤية بعيدة، وتوازن بين الواقعية السياسية والثبات على الحقوق القومية المشروعة. فالسياسة لا تُبنى على ردود الأفعال وحدها، بل على المبادرة، وحسن التقدير، والقدرة على اتخاذ القرار عندما تتطلبه المصلحة العامة.
إن الجرأة السياسية لا تعني المغامرة، ولا تعني التصعيد من أجل التصعيد، بل تعني امتلاك الشجاعة الكافية لاتخاذ الموقف الصحيح، حتى عندما يكون مكلفاً. فالقضايا الوطنية الكبرى لم تتقدم يوماً بفضل التردد، وإنما بإرادة قيادات أدركت أن المحافظة على الحقوق تتطلب وضوحاً في الرؤية وثباتاً في الموقف واستعداداً لتحمل تبعات القرار.
ولا ينبغي أن تتحول الحسابات الحزبية أو الخلافات الآنية إلى سبب لتأجيل المواقف التي تخدم القضية الكردية في سوريا. فالقيادة التي تنظر إلى المستقبل تدرك أن وحدة الموقف في القضايا المصيرية هي مصدر قوة، وأن المسؤولية التاريخية تفرض تقديم المصلحة الوطنية على أي اعتبار آخر، لأن الشعوب تتذكر من دافع عن حقوقها في الأوقات الصعبة أكثر مما تتذكر من اكتفى بإدارة الخلافات.
وفي النهاية، لا تُقاس القيادة بما يُقال فحسب، بل بالقدرة على قول ما ينبغي أن يُقال عندما تستدعي المصلحة العامة ذلك. فشجاعة القرار لا تبدأ عند لحظة اتخاذه، بل تبدأ أولاً من شجاعة الموقف، لأن الأمم لا تتذكر من أحسن الصمت، بل من تحمّل مسؤولية الكلمة في الوقت المناسب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الافاضل : الرئيس البارزاني في دمشق ، بدعوة رسمية من الرئيس أحمد الشرع ، واستقبال رسمي في قصر الشعب السوري وحسب البروتوكول الرياسي المعتمد ، الملفت للانتباه هو رفع العلم الكردستاني لأول مرة في تاريخ سورية منذ نشأتها ، لان الحكومات السورية المتعاقبة ودون استثناء حاربت الأكراد وقضيتهم بكل الوسائل وبلاهوادة ومشروعي الإحصاء والحزام العربي ثم…

عبد الرحمن حبش ليس كل قائد يستطيع أن يحول حضوره إلى رسالة وليس كل زيارة تكتب في بروتوكولات السياسة فقط بل هناك زيارات تسجل في ذاكرة الشعوب. لقد جاءت زيارة فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ولقاؤه برئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع لتؤكد أن القضية الكوردية حاضرة بقوة وأنها لا يمكن تجاوزها في أي معادلة تخص مستقبل سوريا والمنطقة….

د. محمود عباس لا يمكن وضع الولايات المتحدة وإيران في كفتي ميزان واحدة، ثم طرح السؤال ببساطة، من ربح الحرب؟ لأن هذا السؤال، بصيغته المباشرة، يفترض منذ البداية أن الطرفين قوتان من طبيعة واحدة، وأنهما تخوضان الحرب بالمفهوم نفسه، وتقيسان الربح والخسارة بالمعايير ذاتها. وهذا، في تقديري، هو موضع الخطأ الأول في معظم القراءات التي تناولت المواجهة بينهما. المسألة أعمق…

لأول مرة في تاريخ سوريا، يكتب الرئيس السوري أحمد الشرع تغريدة باللغة الكردية، بمناسبة زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق. وتكتب اللغة الكردية في سوريا وتركيا بالحروف اللاتينية، وليس بالحروف العربية كما هو الحال في اقليم كردستان العراق، حيث تستخدم السورانية المكتوبة بالأبجدية العربية المعدلة. وفيما يلي نص تغريدة الرئيس السوري أحمد الشرع: أحمد الشرع…