شادي حاجي
يثور في كل مرحلة انتقالية في سوريا نقاش حول حجم التمثيل الكردي في مجلس الشعب، وكأن زيادة عدد النواب الكرد تمثل، بحد ذاتها، مدخلاً لحل القضية الكردية. غير أن هذا الطرح، من الناحية السياسية والدستورية، يبدو غير كافٍ لمعالجة قضية تتعلق ببنية الدولة ومستقبلها.
فالقضية الكردية ليست قضية خدمات أو مصالح محلية، وإنما قضية سياسية ودستورية تتصل بطبيعة الدولة السورية، وشكل نظامها السياسي، ومبدأ المواطنة، والحقوق والحريات، والاعتراف بالحقوق القومية والثقافية. ومثل هذه القضايا لا تُحسم داخل البرلمان بالأغلبية العددية وحدها، وإنما تُبنى أولاً على توافقات سياسية وطنية تُترجم لاحقاً إلى قواعد دستورية وتشريعية.
ومن هذا المنطلق، فإن أي معالجة جادة للقضية الكردية تستلزم التوصل إلى توافق سياسي بين السلطة الانتقالية في دمشق والحركة السياسية الكردية بمختلف الأحزاب والأطر السياسية، وفق الصيغة وآلية التمثيل التي يتوافق عليها ، وبما يضمن أن يكون هذا التمثيل معبراً عن الإرادة السياسية الحقيقية في أي عملية تفاوضية.
وفي ظل المرحلة الانتقالية، فإن من الطبيعي أن يُعرض هذا التوافق على مجلس الشعب لإقراره، بما يمنحه شرعية سياسية ومؤسساتية، ويجعله مرجعية وطنية ملزمة لمؤسسات الدولة خلال هذه المرحلة. غير أن دور مجلس الشعب هنا لا يتمثل في إنشاء الحقوق أو تقريرها من جديد، وإنما في تثبيت ما تم التوافق عليه سياسياً وإضفاء الصفة الرسمية عليه إلى حين إدراجه في الدستور الدائم.
وفي غياب مثل هذا التوافق، فإن زيادة عدد النواب الكرد في مجلس الشعب، سواء بلغت 15% أو 20% أو أكثر، لن تكون كافية لإحداث تغيير جوهري. فكل مشروع قانون أو قرار سيظل خاضعاً لموازين القوى والأغلبية العددية، وقد يُرفض أو يُعدَّل مهما كانت كفاءة النواب أو مكانتهم السياسية والوطنية.
وبعد إقرار التوافق سياسياً وبرلمانياً، تأتي المرحلة الدستورية، حيث تتولى اللجنة أو الهيئة الوطنية المختصة بصياغة الدستور الدائم إدراج ما تم الاتفاق عليه ضمن النصوص الدستورية، بما يحوله من تفاهم سياسي إلى قاعدة دستورية ملزمة. فالدستور هو الضمانة القانونية العليا لاستمرار الحقوق، وهو الذي يحميها من التغيير بتبدل الحكومات أو الأغلبية البرلمانية.
وعقب إقرار الدستور وفق الآلية التي يتم التوافق عليها، سواء عبر الاستفتاء الشعبي أو من خلال الجهة الدستورية المختصة، يأتي دور مجلس الشعب في صورته الدستورية الدائمة، ليترجم المبادئ الدستورية إلى قوانين نافذة وآليات تنفيذية تكفل التطبيق العملي للحقوق التي أقرها الدستور.
لذلك، فإن ترتيب الأولويات خلال المرحلة الانتقالية يبدو أكثر واقعية: توافق سياسي أولاً، ثم إقرار هذا التوافق في مجلس الشعب بما يمنحه الشرعية المؤسسية، ثم تثبيته في الدستور الدائم، وأخيراً سن التشريعات اللازمة لتنفيذه. أما الاعتقاد بأن التمثيل البرلماني وحده قادر على إنتاج حل لقضية ذات طبيعة سياسية ودستورية، فهو رهان لا ينسجم مع طبيعة التحولات الدستورية التي تمر بها الدول في المراحل الانتقالية ( الوضع السوري الحالي .. نموذجاً ).
إن نجاح أي تسوية تاريخية في سوريا لن يُقاس بعدد المقاعد التي يحصل عليها أي مكوّن داخل البرلمان، وإنما بمدى قدرة السوريين على إنتاج عقد وطني جديد يقوم على التوافق والشراكة والعدالة والمواطنة المتساوية، ويُترجم هذا العقد إلى نصوص دستورية ملزمة، لتصبح المؤسسات الدستورية، وفي مقدمتها مجلس الشعب، أداة لتنفيذ ما توافق عليه السوريون، لا ساحة لإعادة التفاوض على أصل تلك الحقوق.
ويبقى السؤال المطروح للنقاش:
هل يبدأ حل القضية الكردية من زيادة التمثيل داخل مجلس الشعب، أم من توافق سياسي وطني يُقره البرلمان في المرحلة الانتقالية، ثم يُكرَّس في الدستور الدائم ليصبح أساساً ملزماً لتنظيم العلاقة بين الدولة ومواطنيها؟