مجلس الشعب السوري المعيّن (2/2)

د. محمود عباس

هل تحولت سوريا إلى دولة تابعة بواجهة انتقالية؟

وهنا تتضح وظيفة السلطة الجديدة في دمشق. فهي ليست سلطة انتقالية بالمعنى الوطني، بل سلطة ضبط. تضبط الداخل السوري لمصلحة الترتيبات التركية، وتمنع بروز مشروع ديمقراطي لا مركزي، وتقطع الطريق على أي حل فيدرالي، وتحوّل مجلس الشعب إلى أداة لشرعنة المركزية الجديدة. أما القوى الديمقراطية السورية، التي كانت تطالب ببناء دولة مواطنة ولامركزية، فقد وجدت نفسها محاصرة بين الخوف من الفوضى، وإغراء المناصب، وضغط الخارج، وصراع المكونات على البقاء.

وفي قلب هذا المشهد يقف الحراك الكوردي أمام معضلة قاسية. فالمشاركة في مجلس الشعب بهذه النسبة الهزيلة، وضمن تمثيل قُزّمت فيه الديمغرافية الكوردية، قد تُستخدم ضد القضية القومية نفسها. ستقول السلطة للعالم: الكورد ممثلون في المجلس. وستقول تركيا: لم يعد هناك ملف كوردي خارج المؤسسات السورية. وستقول بعض العواصم الغربية: شاركوا من الداخل وطالبوا بحقوقكم عبر الآليات الدستورية. لكن أي آليات هذه إذا كانت المؤسسة نفسها مصنوعة لحماية المركزية وإغلاق باب الفيدرالية؟

وفي المقابل، فإن عدم المشاركة قد يفتح أبوابًا أخرى من الخطر: اتهامات بالانفصال، والخيانة، ورفض الوطنية، وتعطيل الانتقال، والارتهان للخارج. وهذه ليست تهمًا عابرة؛ لقد اشتغلت تركيا طوال سنوات على نشر هذه القاموس داخل سوريا، حتى صار كل مطلب كوردي باللامركزية أو الفيدرالية يُقرأ عند كثيرين بوصفه مشروع تقسيم. وهكذا يجد الحراك الكوردي نفسه بين فخين: المشاركة التي قد تُشرعن التصفية الناعمة لمطالبه، والمقاطعة التي قد تُستخدم لتجريمه سياسيًا وإعلاميًا.

هذه هي المأساة الحقيقية: أن يُدفع شعب كامل إلى الاختيار بين فتاتٍ يُضعف قضيته، ورفضٍ قد يُستخدم لعزله. وفي الحالتين، لا يوجد ضمان دولي واضح، ولا دعم أمريكي حاسم، ولا موقف غربي يرقى إلى مستوى حماية الحقوق القومية والديمقراطية. لذلك يصبح الخطر على مستقبل الشعب الكوردي مضاعفًا: خطر من السلطة المركزية الجديدة، وخطر من تركيا، وخطر من صمت العالم، وخطر من التسرع الداخلي في قبول صيغ تمثيل لا تحمي جوهر القضية.

إن ما يجري في سوريا ليس انتقالًا سياسيًا، بل إعادة بناء سلطة مركزية بغطاء انتقالي. وليس مجلس الشعب سوى إحدى أدوات هذه العملية. أما من يراهن على أن المؤسسات الشكلية ستنتج دولة ديمقراطية، فهو يتجاهل أن المؤسسات لا تكون ديمقراطية بمجرد تسميتها، بل بمصدر شرعيتها، واستقلالها، وقدرتها على مراقبة السلطة، وضمان حقوق المكونات، ومنع هيمنة الأيديولوجيا والسلاح والخارج.

ولهذا يجب ألا ينخدع السوريون، ولا الكورد خصوصًا، بلغة “الاختيار الأنسب” و“التمثيل” و“المرحلة الانتقالية”. فحين يكون الاختيار مصممًا مسبقًا، والتمثيل مضبوطًا، والمرحلة الانتقالية محكومة بإرادة خارجية، فإن ما يُبنى ليس دولة، بل نظام تبعية. وحين يصبح البرلمان أداة في يد السلطة، والسلطة أداة في يد الخارج، فإن السيادة تصبح خطابًا، لا حقيقة.

إن سوريا اليوم أمام احتلال جديد بصيغة جديدة: لا يرفع علمه فوق كل مؤسسة، لكنه يحدد من يدخلها؛ لا يعلن حكمه المباشر، لكنه يرسم حدود القرار؛ لا يلغي اسم الدولة، لكنه يعيد تشكيلها من الداخل. وهذه هي أخطر أشكال السيطرة، لأنها تجعل الشعب يظن أنه يشارك في بناء مستقبله، بينما يُطلب منه فقط أن يصفق للمستقبل الذي صُمم له.

أما الحراك الكوردي، فعليه أن يدرك أن المشاركة أو المقاطعة ليستا هدفًا بذاتهما. الهدف هو حماية جوهر القضية: الاعتراف الدستوري بالشعب الكوردي، تثبيت اللامركزية السياسية، ضمان الحقوق القومية، حماية غربي كوردستان من التذويب، ورفض أي دستور مركزي أو ديني أو أيديولوجي يعيد إنتاج الاستبداد. ومن دون هذه الضمانات، فإن أي مقعد في مجلس الشعب قد يتحول من مكسب رمزي إلى شاهد زور على دفن قضية كاملة.

إن الخطر الأكبر ليس في أن تُعيّن تركيا مجلسًا لسوريا، بل في أن يقبل السوريون، والكورد منهم خصوصًا، بهذا المجلس بوصفه قدرًا سياسيًا. فالشعوب لا تُهزم فقط حين تُقهر، بل تُهزم حين تُدفع إلى الاعتراف بأدوات قهرها كأنها مؤسسات شرعية. وهنا تبدأ المعركة الحقيقية: معركة كشف البنية، لا الاكتفاء بنقد الوجوه؛ ومعركة الدفاع عن الدولة الديمقراطية اللامركزية، لا التنافس على مقاعد داخل دولة تُصاغ ضد مستقبلها.

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

4/7/2026 م.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبد الجابر حبيب لم يكن الانفجار الذي دوّى في دمشق مجرّدَ صوتٍ عابرٍ في مدينةٍ أنهكتها أصواتُ الحرب؛ فقد جاء في لحظةٍ شديدةِ الرمزية، بينما كانت العاصمة تستقبل ضيفاً دولياً يحمل معه صورةً مختلفةً عن سوريا التي تحاول أن تخرج من ظلال السنوات الثقيلة. في السياسة، لا تكفي قراءة ما يحدث في المكان، بل يجب الإصغاء إلى توقيت الحدث أيضاً….

خالد حسو ليست الفيدرالية شعارًا يُرفع في لحظة غضب، ولا مشروعًا يُفرض على مجتمعٍ أنهكته الأزمات، بل هي إحدى الصيغ الدستورية والإدارية التي تلجأ إليها بعض الدول لتنظيم توزيع السلطات وتحقيق مشاركة أوسع في إدارة الشأن العام. ويظل اختيار أي نموذج للحكم مسألةً سيادية ترتبط بإرادة المواطنين والتوافق الوطني، وبما ينسجم مع الدستور وسيادة الدولة ووحدتها. لم تكن سوريا يومًا…

محمود أوسو   استفاقت فجأة بعض القوى السياسية من سباتها الطويل، لتكتشف أن إقليم كردستان يتهاوى. وأن لا منقذ له إلا بتحالف جديد تاريخي. تحالف يضم: الاتحاد الوطني الكردستاني، وحركة الجيل الجديد بقيادة شاسوار عبد الواحد، وكتلة بابليون، وحركة التغيير.   والهدف النبيل المعلن: بناء إقليم كردستان وحمايته. نعم، بناء الإقليم. الإقليم الذي لم يبنوه. أي بناء هذا الذي…

خالد علوكة حضر يوم الجمعة 3-7-2026 السيد نيجيرفان بارزاني رئيس حكومة اقليم كوردستان العراق بدعوة من الحكومة الايرانية مع مسؤولين عراقيين اخرين حضرمراسيم تشييع المرشد الايراني علي خامئني وقال البارزاني :- (أن توجيهاته الحكيمة في التطورات التي شهدتها إيران والمنطقة ستبقى محفورة في ذاكرة التاريخ – واعرب عن تعاطفه العميق وتعاطف شعب اقليم كوردستان العراق مع الامة الايرانية ). وجهة…