الحزام العربي مشروع سوري أم انعكاس لرؤية إقليمية تجاه القضية الكردية؟

 عزالدين ملا

ظل مشروع الحزام العربي لعقود طويلة يُقدَّم في الأدبيات الرسمية السورية بوصفه جزءاً من سياسات الإصلاح الزراعي والتنمية الريفية التي انتهجتها الدولة خلال ستينيات وسبعينيات القرن العشرين. وفي المقابل، نظرت إليه الذاكرة السياسية الكردية باعتباره أحد أخطر مشاريع التغيير الديموغرافي التي استهدفت الوجود الكردي في سوريا. وبين هاتين الروايتين، يبرز سؤال أكثر عمقاً، هل كان الحزام العربي مجرد سياسة داخلية سورية أم أنه جاء ضمن سياق إقليمي أوسع فرضته التحولات التي شهدتها القضية الكردية في الشرق الأوسط؟

إن قراءة المشروع خارج سياقه الإقليمي تؤدّي إلى فهم ناقص لطبيعته. فالدول التي تقاسمت كوردستان بعد الحرب العالمية الأولى لم تكن تنظر إلى المناطق الكردية باعتبارها مجرد أطراف جغرافية تقع داخل حدودها وإنما باعتبارها مساحة أمنية حساسة ترتبط مباشرة باستقرار الدولة القومية التي تأسست بعد انهيار الدولة العثمانية.  

شهدت خمسينيات وستينيات القرن الماضي تحولات عميقة في المنطقة. ففي الوقت الذي كانت فيه الأنظمة العربية ترفع شعارات الوحدة العربية والقومية، كانت الحركة القومية الكردية تدخل مرحلة جديدة من التنظيم السياسي والوعي القومي. ولم يعد النشاط الكردي يقتصر على الجمعيات الثقافية أو المبادرات الاجتماعية، بل بدأ يتخذ شكلاً سياسياً منظماً يحمل برنامجاً قومياً واضحاً.

وجاء تأسيس الحزب الديمقراطي الكوردستاني- سوريا عام 1957 ليشكّل نقطة تحول مفصلية. فلم يكن الحزب مجرد إطار سياسي محلي يدافع عن حقوق الكرد داخل سوريا بل تبنى خطاباً يرى الشعب الكردي شعباً واحداً قُسمت أرضه بين عدة دول، وأن قضيته لا يمكن اختزالها ضمن الحدود التي رسمتها اتفاقيات ما بعد الحرب العالمية الأولى. وكان من بين أهدافه المعلنة تحرير وتوحيد كوردستان في بدايات تأسيسه، وهو ما منح نشاطه بعداً يتجاوز الإطار السوري.

وهنا تحديداً بدأت المخاوف الأمنية للدول المعنية تتبلور بصورة أوضح. فبالنسبة للكرد، كان هذا الخطاب تعبيراً عن هوية قومية وحقوق تاريخية، أما بالنسبة لأنقرة ودمشق وبغداد وطهران، فقد بدا مشروعاً سياسياً عابراً للحدود يهدد التصور الذي قامت عليه الدولة القومية الحديثة. فلم تكن المشكلة بالنسبة لهذه الحكومات وجود أقلية قومية داخل حدودها فحسب وإنما احتمال تشكل فضاء سياسي كردي يمتد من جبال زاغروس حتى البحر المتوسط، وتحافظ مكوناته المختلفة على روابطها الاجتماعية والثقافية والسياسية رغم الحدود الدولية.

ومن هذه الزاوية يصبح الحزام العربي أكثر من مجرد مشروع زراعي. فقد جاء في منطقة تمثل العقدة الجغرافية الأهم للتواصل بين الكرد في سوريا وتركيا وبالقرب من الامتداد الطبيعي نحو العراق. ولم يكن اختيار هذه المنطقة أمراً عشوائياً، لأن الجغرافيا هنا كانت تؤدي دوراً سياسياً بقدر ما كانت تؤدي دوراً سكانياً.  

إن إنشاء شريط سكاني جديد يفصل بين هذه الامتدادات لا يمكن قراءته فقط باعتباره إعادة توزيع للأراضي أو إسكاناً لعائلات متضررة من غمر سد الفرات، بل باعتباره محاولة لإعادة تشكيل المجال البشري في واحدة من أكثر المناطق حساسية في الشرق الأوسط. فالهدف الظاهر قد يكون تنموياً، لكن النتائج السياسية للمشروع كانت تتجاوز بكثير الإطار الاقتصادي.

كما أن توقيت المشروع يحمل دلالات سياسية مهمة. فلو كان الهدف معالجة قضايا زراعية أو سكانية بحتة، لكان من الممكن أن يظهر في مراحل سابقة شهدت الدولة فيها إصلاحات اقتصادية واسعة. إلا أن بروزه تزامن مع تصاعد النشاط السياسي الكردي واتساع حضوره الشعبي، الأمر الذي يدفع إلى النظر إليه بوصفه استجابة سياسية لتحدٍ سياسي أكثر من كونه استجابة لمشكلة اقتصادية.

ولا يمكن إغفال أن هذه المرحلة شهدت تقارباً واضحاً في سياسات الدول التي تضم أكبر التجمعات الكردية وهي تركيا والعراق وسوريا وإيران رغم ما كان بينها من خلافات حادة في ملفات أخرى. فقد اختلفت هذه الدول في توجهاتها الإيديولوجية وتحالفاتها الدولية، لكنها التقت على هدف أساسي يتمثل في منع تحول الحركة القومية الكردية إلى مشروع عابر للحدود. ومن هنا برز تشابه ملحوظ في الإجراءات التي اتخذتها، سواء عبر التشديد الأمني على المناطق الحدودية أو الحد من النشاط السياسي الكردي أو إعادة هندسة بعض المناطق الحساسة ديموغرافياً، لذلك كانت كل دولة ترى أن أي نجاح تحققه الحركة الكردية في دولة مجاورة سيترك أثراً مباشراً على أوضاعها الداخلية وهو ما جعل السياسات تتقارب حتى في غياب التنسيق العلني.

وتؤكد الإجراءات الأمنية التي رافقت مشروع الحزام العربي هذه القراءة. فقد لم يقتصر الأمر على تنفيذ قرارات إدارية تتعلق بالأراضي بل تزامن مع تضييق واسع على الأحزاب الكردية واعتقالات طالت قياداتها وكوادرها وتشديد الرقابة على المناطق الحدودية وتعزيز حضور الأجهزة الأمنية في المناطق الكردية. ولو كان المشروع مجرد برنامج إصلاحي لما استدعى كل هذا البعد الأمني.

كما أن طبيعة رد فعل الحركة السياسية الكردية تكشف بدورها إدراكاً مبكراً لخطورة المشروع. فقد تعاملت معه بوصفه قضية وجودية تمس هوية المنطقة ومستقبلها لا باعتباره خلافاً حول ملكية الأراضي أو أساليب التنمية. ولذلك جاء رفضها نابعاً من اعتقادها بأن تغيير البنية السكانية سيؤدي على المدى البعيد إلى إضعاف الحضور الكردي في منطقة تمثل قلب التواصل الجغرافي بين أجزاء كوردستان.

ومن منظور علم السياسة، لا يُقاس أثر المشاريع الديموغرافية فقط بعدد القرى التي تشملها أو المساحات التي تعيد توزيعها وإنما بالوظيفة السياسية التي تؤديها. فإعادة تشكيل السكان في المناطق الحدودية تُعد إحدى الأدوات التي استخدمتها دول عديدة لإعادة إنتاج السيطرة على الأقاليم المتنازع عليها أو ذات الحساسية القومية.  

إن جوهر النقاش لا يكمن في الجدل حول الخلفيات القانونية أو الإدارية للمشروع، بل في السؤال السياسي الأكبر، هل كان المقصود إعادة توزيع السكان لتحقيق أهداف تنموية، أم إعادة تشكيل البيئة الجيوسياسية للمناطق الكردية بما يحد من إمكان تشكل فضاء قومي متصل عبر الحدود؟

إن وضع الحزام العربي ضمن سياقه التاريخي والإقليمي يقود إلى استنتاج مهم، وهو أن المشروع لم يكن معزولاً عن التحولات التي شهدتها القضية الكردية في تلك المرحلة. فقد جاء في زمن تصاعد فيه الوعي القومي الكردي، وتزايدت فيه مخاوف دول المنطقة من انتقال هذا الوعي عبر الحدود. ولذلك يصعب فهمه باعتباره مجرد سياسة زراعية أو إدارية، كما يصعب في الوقت نفسه الجزم بأنه كان ثمرة تنسيق إقليمي مباشر من دون أدلة أرشيفية قاطعة. والأقرب إلى القراءة التاريخية المتوازنة هو اعتباره نتاجاً لتقاطع المصالح الأمنية بين الدول المعنية ولرؤية استراتيجية مشتركة رأت في التواصل الجغرافي والسياسي بين الكرد تحدياً طويل الأمد، فسعت إلى الحد منه عبر أدوات ديموغرافية وأمنية وسياسية متداخلة.

لذلك، يبقى الحزام العربي في الذاكرة السياسية الكردية أكثر من مجرد مشروع استيطاني أو قرار إداري؛ إنه يمثل رمزاً لمرحلة تاريخية شهدت مواجهة بين تصورين متناقضين للدولة والهوية، تصورٌ يركّز على ترسيخ الدولة القومية وحدودها باعتبارها أولوية أمنية عليا، وتصورٍ آخر ينطلق من فكرة الانتماء القومي الكردي العابر للحدود وما يرتبط به من مطالب سياسية وثقافية وتاريخية. ومن هذا التداخل بين الأمن والديموغرافيا والسياسة، اكتسب المشروع مكانته بوصفه أحد أكثر الملفات إثارة في تاريخ القضية الكردية المعاصر.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

محمدالشرف الحسيني تمهيد: عندما يصبح الخطر من داخل البيت ليست كل هزيمة قومية نتيجة تفوق الخصم، وليست كل خسارة سببها قوة العدو. أحيانًا يكون الخطر الأخطر أن تتحول أدوات النضال نفسها إلى أدوات لاستنزاف القضية من الداخل؛ وأن تُرفع الشعارات القومية في الواجهة، بينما تتحرك في العمق حسابات سياسية أو تنظيمية مختلفة.او امور اخرى. ولعل الأحداث التي شهدها الحدث الكوردي…

إعداد: سليمان علي Suleiman Ali يسعى هذا التحليل الفكري المبسط بصبغة نقدية لتسليط الضوء على مجريات الاحداث المتسلسلة إلى قراءة سريعة لمسار تجربة الإدارة الذاتية المستهجنة لشمال وشرق سوريا (روجآڤا-Rojava) وذراعها العسكري (قسد-SDF) من الفترة الممتدة بين بداية 2011 وغروب شمس الحرية في أواخر هذا العام 2026….

مسألة اللغة القومية والاعتراف بها لا تختزل في اعتبارها لغة محادثة ولغة تعليم يا جهلة، يا قطيع الدوغما، فمجرد السماح بذلك لايعني الاعتراف بهويتك القومية، ولا اعتراف بك كمواطن كامل الحقوق ومتساو مع المواطنين المعترف بلغتهم كلغة رسمية، الاعتراف باللغة لها علاقة من جهة أولى بمساواتك ومشاركتك على المستوى السيادي في صناعة القرار السياسي، ومن جهة ثانية هذا الاعتراف باللغة…

علمنا في الهيئات والمنظمات والمراكز الحقوقية الموقعة أدناه من السيد رياض والد القاصر حسن سمو تولد الدرباسية عام 2011، أن ما تعرف بـ«الشبيبة الثورية/جوانن شورشكر»، قامت منذ حوالي شهرين ونصف من الآن، باختطاف ولده القاصر حسن من محله الذي كان يتدرب فيه على مهنة الميكانيك، ومن ثم اقتياده إلى مكان غير معلوم، علماً أنه سبق عملية الاختطاف، تهديده بها أكثر…