أمل حسن
بهذه الكلمات العميقة عبّر الرئيس مسعود بارزاني عن ذاته حين تحدّث عن شقيقه الراحل إدريس بارزاني، مؤكدًا أنهما لم يكونا شقيقين فقط، بل كانا جسدًا واحدًا في قيادة الحركة الكردية. هذه العبارة، بما تحمله من دلالات، تعكس حقيقة أوسع تتجاوز العلاقة الشخصية، لتعبّر عن وحدة كوردستان في وجدان شعبها رغم كل ما فُرض عليها من انقسامات.
إنّ كوردستان، التي قُسّمت قسرًا إلى أربعة أجزاء، بقيت وطنًا واحدًا في الوعي الجمعي، وروحًا لا تقبل التجزئة. فالحدود التي رُسمت لم تستطع أن تفصل بين أبناء هذا الشعب، ولم تنجح في كسر الروابط العميقة التي تجمعهم، خاصة بين غرب كوردستان وجنوبها.
لقد كانت العلاقة بين هذين الجزأين علاقة تلاحم حقيقي، حيث شكّلا معًا صورة متكاملة من المعاناة والنضال. فحين كان جنوب كوردستان يواجه الاستبداد ويقاوم دفاعًا عن الكرامة، كان أبناء الغرب يعيشون تلك اللحظات بكل تفاصيلها، وكأنهم جزء من المشهد ذاته. لم تكن أصوات القصف والدبابات أخبارًا عابرة، بل كانت وجعًا حيًا يصل إلى القلوب، ودعاءً صادقًا يرتفع إلى السماء نصرةً لإخوةٍ يجمعهم مصير واحد.
ورغم الحدود المشددة، والأسلاك، وحقول الألغام، ظلّ هذا الترابط قائمًا. بل إن القرب الجغرافي نفسه لم يعد عاملًا ثانويًا فقط، بل تحوّل إلى عنصر استراتيجي حيّ، يتمثل في معبر سيمالكا (بيشابور)، الذي أصبح اليوم الشريان الرئيسي الذي يربط غرب كوردستان بجنوبها.
ومن خلاله، يتجسد الترابط بين الجزأين بشكل عملي يومي، حيث تنتقل عبره الحياة بكل أشكالها: الناس، والاحتياجات، والآمال. كما أنه يعكس حقيقة لا يمكن تجاهلها، وهي أن العلاقة بين غرب كوردستان وجنوبها لم تعد شعورًا وجدانيًا فقط، بل أصبحت ضرورة واقعية واستراتيجية.
ومع ذلك، يبقى هذا المعبر، رغم أهميته، رمزًا أعمق من وظيفته المادية؛ فحين يتألم أحد الطرفين، يصل صدى الألم إلى الآخر دون تأخير، وكأن هذا المعبر ليس طريقًا ماديًا فقط، بل شريانًا نابضًا يربط جسدًا واحدًا.
ومن بين أكثر الصور رسوخًا في الذاكرة، تلك اللحظات التي كان فيها الآباء يرفعون أيديهم بالدعاء، مرددين كلماتٍ لم نكن ندرك معناها في طفولتنا: “اللهم انصر الجمادانية الحمراء”. ومع مرور الزمن، تبيّن أن الجمادانية الحمراء (Şaşka Sor) لم تكن رمزًا تقليديًا، بل كانت اختصارًا لهوية كاملة، ولنهجٍ قائم على الكرامة والصمود.
بهذا المعنى، أصبحت رمزًا روحيًا وقوميًا، نشأت عليه الأجيال في غرب كوردستان، وربطها وجدانيًا بنضال جنوب كوردستان. لم تكن شيئًا ماديًا، بل كانت فكرة حيّة، وإيمانًا متجذرًا، ونهجًا يستمر عبر الزمن.
لقد كبر هذا الحب في وجدان أبناء الغرب، وتحول إلى جزء من هويتهم. فجنوب كوردستان لم يكن بالنسبة لهم مكانًا بعيدًا، بل امتدادًا طبيعيًا للذات، وشريكًا في الحلم والنضال. ومع كل ذكرى، كانت صور المقاومة تعود لتغذي الإرادة، وتوسّع الأمل، وتشهد الجبال على تاريخ لا يمكن إنكاره.
إنّ العلاقة بين غرب كوردستان وجنوبها لم تكن يومًا علاقة جغرافيا، بل علاقة روح ودم، تتجسد في الإحساس المشترك، وفي استجابة الألم، وفي تلاحم المصير.
واليوم، وفي ظل التحديات السياسية التي تواجه القضية الكردية، تبرز الحاجة إلى الحفاظ على هذه الروح، والتمسك بالنهج الذي جمع القلوب، وتعزيز كل ما يقوي هذا الترابط. فالقضية ليست قضية جزء دون آخر، بل قضية شعب يسعى إلى الكرامة والوجود.
وكما أكّد الرئيس مسعود بارزاني، فإن كرامة الشعب الكردي ووجوده تبقى فوق كل اعتبار، وهي مسؤولية تتطلب وحدة الصف، والإرادة الصادقة، والاستعداد الدائم للدفاع عن هذه القيم.
إنّ ما نحتاجه اليوم هو تحويل هذا الترابط — من الذاكرة، إلى الواقع، إلى السياسة — إلى قوة فاعلة، تحافظ على وحدة الروح، وتمنع محاولات التفريق، وتُبقي غرب كوردستان وجنوبها روحين في جسد واحد كما كانت دائمًا.
فالوحدة التي صمدت أمام القصف، وتحملت النزوح، وواجهت التهجير، قادرة على أن تكون أساسًا لمستقبل أكثر تماسكًا، إذا ما حُفظت بإرادة واعية، وإيمان راسخ بأن كوردستان، بكل أجزائها، ستبقى وطنًا واحدًا لشعب واحد.