جمال الدين حمي
إن الصراعات الحزبية والسياسية ، بين الأحزاب والحركات السياسية الكوردية المختلفة ، وفي جميع أجزاء كوردستان قاطبةً ، ولا سيما في جنوب كوردستان ، التي تسمى اليوم إقليم كوردستان ، وإن بدت لكثير من الناس في ظاهرها ، أنها صراعات حزبية وسياسية ، تدور رحاها حول المناصب والمكاسب السياسية والمادية ، إلا أن هذه نظرة سطحية ، ولا تعكس حقيقة وجوهر هذه الصراعات ، وما يراه الناس وما يتداوله الإعلام ، إنما هو قمة جبل الجليد ليس إلا ، وهو ما يجعل الصورة العامة في كثير من الأحيان ، بعيدة عن العمق الحقيقي لطبيعة هذه الصراعات السياسية .
في الواقع : إن المهتم بالشأن السياسي الكوردي العام ، والمطَّلع على أحوال الأحزاب السياسية الكوردية ، ومنذ عقود طويلة وإلى اليوم ، والناظر إليها بعين الرقيب والفاحص ، يدرك تمامًا أن الصراعات الحزبية الحاصلة في عموم كوردستان ، بين الأحزاب والحركات السياسية الكوردية ، هي في جوهرها صراعات بين مشاريع ، أما المناصب والمكاسب والمناكفات الحزبية ، فهي التي تطفو على السطح ويضخمها الإعلام ، فيراها الناس كما لو أنها هي جوهر الصراع وأساس المشكلة ، وهذا الاستنتاج غير دقيق ، ولا يعبر عن جوهر وحقيقة الصراع ، خاصة إذا ما أُخذنا بعين الاعتبار التحولات التاريخية التي مرت بها الحركة السياسية الكوردية ، وتعدد مساراتها الفكرية والتنظيمية .
فأعتقد ومن خلال وجهة نظري ، أن الصراعات في عموم كوردستان ، ولا سيما في الإقليم ، هي بين مشروعين اثنين لا ثالث لهما ، وأن فهم هذا التقسيم ، سيساعد كثيرًا على قراءة أدق للمشهد السياسي الكوردي المعقد والمتداخل .
المشروع الأول : هو مشروع وطني بامتياز ، وخرج من رحم حركات التحرر الكوردية الوطنية ، ويهدف إلى استكمال مسيرة حركات التحرر الوطنية الكوردية التي قادها قادة وزعماء كورد ، من أجل تمكين الكورد من تقرير مصيرهم ، وتحرير وطنهم ، وإقامة دولتهم على أرضهم التاريخية ، أسوةً بشعوب المنطقة والعالم ، وكان آخرها حركة المقاومة الشعبية التي قادها الملا مصطفى بارزاني رحمه الله ، وهي تجربة شكلت منعطفًا مهمًا في الوعي السياسي الكوردي الحديث ، وأثرت بشكل عميق في مسار الحركة الوطنية لاحقًا .
وهذا المشروع ، هو مشروع يحظى بتأييد كبير بين أفراد الشعب الكوردي ، ويستمد شرعيته من عمق التجربة التاريخية للحركة الكوردية ، ويقوم على رؤية تعتبر أن استمرار النهج التحرري ، يتطلب قدرًا عاليًا من التماسك السياسي والتنظيمي ، وتمويله وإدارته وتخطيطه في الغالب كوردي ، ويقوده البارزانيون بقيادة الرئيس مسعود بارزاني ، نجل الملا مصطفى بارزاني ، وتدور في فلك هذا المشروع أحزاب وحركات سياسية كثيرة ، موجودة في جميع أجزاء كوردستان ، وتتبنى النهج البارزاني التحرري وتؤيده ، وتقف خلف قائد هذا المشروع ، إضافة إلى رئيس الإقليم نيجيرفان بارزاني ، ورئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني ، باعتبار أن وحدة القيادة والرؤية تمثل عاملاً أساسياً في الحفاظ على استمرارية هذا النهج السياسي ، كما أن التاريخ النضالي العريق لهذه العائلة ، يجعلها موضع ثقة واحترام كبيرين عند غالبية الشعب الكوردي .
أما المشروع الثاني : فهو مشروع معادٍ لأصحاب المشروع الأول ، ويهدف إلى محاربة أصحاب المشروع الأول وبكل الوسائل والسبل المتاحة ، وذلك لإفشال مساعيهم في تمكين الكورد من التحرر وإقامة دولتهم ، كما يسعى هذا المشروع إلى محاربة كل أصحاب الفكر القومي الكوردي التحرري وتشويه صورتهم وسمعتهم ، ويهدف إلى تفكيك القضية الكوردية وإضعافها وتشتيت جهودها ، وهو ما يجعل من الصراع السياسي في ظاهره صراعًا سياسيًا داخليًا ، بينما يحمل في عمقه أبعادًا تتجاوز الإطار المحلي ، إلى صراع إرادات ورؤى متناقضة حول مستقبل القضية الكوردية .
وهذا المشروع ، خرج من رحم أقبية مخابرات معادية للكورد ، وتمويله وتخطيطه يأتي من أطراف لا تتوافق مصالحها مع تطلعات الشعب الكوردي ، ورأس الحربة فيه ، قوى وحركات سياسية ( كوردية ) تم توظيفها سياسيًا لتأدية هذا الدور ، بهدف إحداث الانقسام الداخلي ، وإضعاف الصف الكوردي من الداخل ، وإدخال الكورد في أتون الصراعات البينية ، حتى تبدو الصورة أمام المراقب الخارجي ، وكأنها مجرد خلافات سياسية كوردية داخلية لا أكثر ، وليس لأعداء الكورد دخل فيها .
والمنخرطون في هذا المشروع ، هم حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني ، الذي أسسه الراحل جلال طالباني ، ويقوده اليوم نجله بافل طالباني ، وأحزاب وحركات سياسية أخرى في الإقليم ، وكذلك حزب العمال الكوردستاني PKK وامتداداته السياسية في أجزاء كوردستان المختلفة ، مثل حزب الاتحاد الديمقراطي PYD وPJAK وغيرهم من القوى السياسية التي تدور في فلك هذا التوجه ، وكلها تشكل تيارًا سياسيًا موازيًا في مواجهة المشروع الأول ، وبينها تعاون وتنسيق مستمر ، بما يعكس حجم التباين والتناقض والصراع بين هذين المشروعين ، المتصارعين على حلبة كوردستان .
وما يجري اليوم في إقليم كوردستان بين بافل طالباني زعيم حزب الإتحاد الوطني الكوردستاني وساشوار عبد الواحد ، الذي يتزعم مايسمى بحراك الجيل الجديد ، من توحيد الصف بينهما ضد التيار الوطني ، بقيادة الحزب الديموقراطي الكوردستاني ، الذي يقوده البارزانيون ، إنما يصب في مصلحة أعداء الكورد ، لأن البارزانيون يشكلون عقبة كبيرة في وجه مخططات أعداء الكورد ، والاطاحة بالبارزانيين يعني هدم المشروع الأول ، أي المشروع الوطني الكوردي التحرري وتدميره ، وهذا ما يسعى إليه أعداء الكورد منذ عقود ، وهذا ما تعمل عليه القوى الوظيفية في كوردستان ، وعلى رأسها جوقة الخيانة وتحالف الخونة في حزب الاتحاد الوطني الكوردستاني ، بزعامة بافل طالباني وشريكه الجديد ساشوار عبد الواحد ومن لف لفهم .
في الختام ، يتضح من خلال ما عرضناه من معطيات ، أن الصراعات السياسية في كوردستان ، لا يمكن اختزالها في كونها خلافات حزبية سطحية ، بل يجب أن تُقدَّم باعتبارها تعبيرًا عن تباين بين رؤيتين ومشروعين سياسيين مختلفين ومتناقضين لمستقبل القضية الكوردية ، فبين مشروع وطني كوردي تحرري ، يرتبط بالحزب الديمقراطي الكوردستاني وقيادته ومن يلتف حوله من قوى سياسية ، وبين مشروع آخر تُنسب إليه أطراف سياسية متعددة مثل الاتحاد الوطني الكوردستاني وحزب العمال الكوردستاني وامتداداته السياسية كحزب الاتحاد الديمقراطي وحزب الحياة الحرة الكوردستاني ، وماتزال المؤامرات على الشعب الكوردي مستمرة وتنفذ بآيادٍ ( كوردية ) وبكل أسف ، بقي على الشعب الكوردي أن يدرك حجم المؤامرة على إقليم كوردستان ، و أن يعلم أن الإقليم هو آخر قلاع وحصون الكورد ، وإذا سقط الإقليم لا قدر الله ، سيسقط الكورد جميعهم ، ولن تقوم لهم قائمة بعدها إلى ما شاء الله ، ومن سلم كركوك للإيراني ، فليس من المستبعد أن يسلم له الإقليم كله ، هذا إذا قُدِّر له حكم الإقليم وإدارته ، وإزاء مايجري وما يحاك من مؤامرات ضد البارزانيين ، لايسعنا إلا أن نقف جميعنا صفًا واحدًا خلف البارزانيين ضد المتآمرين وأذناب الإستعمار في الداخل الكوردي ، وهذا واجب على كل كوردي عنده كرامة وغيره على وطنه كوردستان .