شادي حاجي
بالرغم من الحديث عن مرحلة سياسية جديدة في سوريا بعد سقوط نظام الطاغية بشار الأسد، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن بناء دولة حديثة لا يتم عبر التعيين، بل عبر انتخابات حرة تعبّر عن إرادة السوريين.
أي مجلس يُشكَّل خارج صندوق الاقتراع يظل فاقداً لأهم عناصر الشرعية السياسية، مهما قُدِّم له من تبريرات. فالتعيين لا ينتج تمثيلاً حقيقياً، بل يخلق واجهة سياسية محدودة التأثير، لا تعكس وزن المجتمع ولا تنقل صوته الفعلي.
وفي هذا السياق، فإن اختزال تمثيل المكوّنات السورية، بما فيها الشعب الكردي وغيره، في مقاعد معدودة ضمن آلية التعيين، لا يحقق الشراكة الوطنية، بل يكرّس تمثيلاً رمزياً لا يملك أدوات التأثير الحقيقي في القرار.
وتزداد إشكالية هذا النموذج تعقيداً في ظل ما يُطرح حول منح الرئيس السوري الانتقالي، أحمد الشرع، صلاحيات واسعة في تشكيل المجلس، بما في ذلك اختيار ما يُوصف بـ“الثلث المعطل أو الثلث الضامن” (نحو سبعين عضواً يتم تعيينهم مباشرة)، بهدف ضبط توازنات التصويت ومنع تمرير سياسات قد تتعارض مع توجهات السلطة الانتقالية في دمشق وخاصة في ما يتعلق بحقوق المكونات القومية والدينية والطائفية، مقابل انتخاب نحو مئة وأربعين عضواً عبر “هيئات ناخبة” غير منتخبة شعبياً بشكل مباشر. هذه الصيغة، حتى مع تبريراتها السياسية، تبقى محل جدل واسع لأنها تقوم على انتخاب غير مباشر وتعيين مؤثر، ما يضعف مبدأ الاقتراع العام الحر.
والأخطر من ذلك أن أي مقترحات أو مشاريع قوانين تتعلق بالقضية الكردية أو غيرها من القضايا الجوهرية، ستظل خاضعة لمنطق التصويت العددي داخل مجلس غير منتخب انتخاباً مباشراً. وهذا يعني ببساطة أن أي طرح إصلاحي—مهما كان جوهرياً—يمكن أن يُرفض أو يُفرغ من مضمونه بسهولة عبر الأغلبية، دون وجود توازن انتخابي حقيقي يضمن العدالة في القرار.
بمعنى آخر، من الصعب جداً—إن لم يكن من المستحيل عملياً—أن يحقق ممثلو الكرد أو أي مكوّن آخر إنجازات سياسية حاسمة داخل هذا الإطار، لأن أدوات القرار ليست بيد التمثيل الشعبي المباشر، بل بيد آلية تصويت لا تعكس بالضرورة توازن المجتمع الحقيقي.
وفي هذا السياق، تبرز نقطة أكثر عمقاً تتعلق بطبيعة القضية الكردية نفسها في سوريا. فهذه القضية ليست ملفاً خدمياً أو سياسياً عابراً يمكن حسمه داخل برلمان تقليدي أو عبر تصويت عددي، بل هي قضية وطنية ودستورية مرتبطة بمفهوم الشراكة في الدولة والاعتراف المتبادل بين مكونات المجتمع السوري.
إن تحويل الحقوق القومية المشروعة للشعب الكردي في سوريا إلى مادة خاضعة للأكثرية العددية يحمل مخاطر سياسية وقانونية، لأنه يضع مصير قضية تاريخية تحت “سيف التصويت وضغط استخدام الثلث المعطل”، الذي قد يتأثر بالاصطفافات السياسية أو الحسابات المرحلية أو حتى الضغوط الإقليمية، بدل أن يُبنى على أسس دستورية مستقرة.
من هنا، فإن دور الممثلين الكرد في أي مسار سياسي مستقبلي لا ينبغي أن يقتصر على خوض معارك رقمية داخل قاعة البرلمان، بل يجب أن يتجه نحو نقل القضية إلى مستوى التفاهمات الوطنية العليا مع مراكز القرار السياسي في الدولة السورية. فالقضايا المرتبطة بالهوية والحقوق الدستورية والثقافية لا تُحسم عادة بمنطق الأغلبية والأقلية، بل عبر تسويات سياسية كبرى تؤسس لاستقرار طويل الأمد.
إن الوصول إلى تفاهمات استراتيجية خارج الإطار التشريعي لا يعني تجاوز المؤسسات أو إضعافها، بل يهدف إلى حماية هذه القضايا من أن تتحول إلى رهينة للتصويت المتقلب. فعندما يتم الاتفاق على المبادئ الأساسية مسبقاً، يصبح دور المجلس لاحقاً أقرب إلى تثبيت التوافق الوطني وإضفاء الشرعية الدستورية عليه، بدل تحويله إلى ساحة صراع قد تفرغ الحقوق من مضمونها.
وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة، وارتفاع معدلات البطالة والفقر، وضعف المؤسسات، ستزداد الضغوط على أي مجلس من هذا النوع، وقد يتحول أعضاؤه إلى هدف مباشر للانتقادات الشعبية، رغم محدودية صلاحياتهم الفعلية وعدم قدرتهم على إحداث تغييرات جذرية سريعة.
كما أن غياب الانتخابات العامة المباشرة سيبقي باب التشكيك مفتوحاً حول شرعية التمثيل، ويضعف الثقة بين الشارع والمؤسسات، ويزيد من حدة الاحتقان تجاه أي إخفاق في ملفات الإصلاح وإعادة الإعمار.
إن جوهر الأزمة ليس في الأشخاص، بل في البنية السياسية نفسها: لا تمثيل بلا انتخابات، ولا شرعية بلا صندوق اقتراع، ولا استقرار يمكن أن يُبنى على التعيين بدل الإرادة الشعبية.
الدولة التي يُراد لها الاستمرار، لا تُدار بالتمثيل الشكلي… بل بالمشاركة الحقيقية والتوافق الوطني المستند إلى إرادة السوريين كافة.