حق تقرير المصير في عالم المصالح والقوة

د. عدنان بوزان

لم يعد السؤال المتعلق بحق الشعوب في تقرير مصيرها مجرد نقاش قانوني يدور بين فقهاء القانون الدولي، ولا مجرد مبدأ سياسي تستحضره المنظمات الدولية في مواثيقها وبياناتها، بل أصبح واحداً من أكثر الأسئلة السياسية والفكرية إلحاحاً في عالم تتسع فيه الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات الفعلية. فالنظام الدولي، الذي أقر منذ منتصف القرن العشرين بأن الشعوب هي مصدر الشرعية السياسية، وأن لكل شعب الحق في اختيار مستقبله بحرية، يبدو اليوم أكثر ميلاً إلى إخضاع هذا الحق لحسابات النفوذ والتوازنات الجيوسياسية منه إلى الالتزام بروحه القانونية والأخلاقية. ومن هنا، لم يعد السؤال الحقيقي يتمثل في ما إذا كان حق تقرير المصير لا يزال مكرساً في القانون الدولي، بل في ما إذا كان هذا الحق ما يزال قابلاً للتطبيق في نظام عالمي تتقدم فيه المصالح على المبادئ، وتغلب فيه اعتبارات القوة على مقتضيات العدالة.

لقد ارتبط مفهوم تقرير المصير، تاريخياً، بفكرة التحرر من الهيمنة الخارجية، وبنضال الشعوب التي رفضت أن تكون موضوعاً لإرادة الآخرين أو ساحةً لتقاسم النفوذ بين الإمبراطوريات. ولم يكن هذا المفهوم، في بداياته، مجرد صياغة قانونية، بل كان تعبيراً عن تحولات عميقة في الفكر السياسي الحديث، الذي أعاد تعريف العلاقة بين السلطة والشعب، وبين الدولة والشرعية. فقد تبلورت الفكرة تدريجياً مع الثورات الأوروبية، ثم اكتسبت حضوراً أوسع مع صعود الحركات القومية في القرن التاسع عشر، قبل أن تتحول، عقب الحربين العالميتين، إلى أحد المبادئ المؤسسة للنظام الدولي المعاصر.

غير أن التجربة التاريخية كشفت أن الاعتراف بهذا الحق لم يكن، في أي مرحلة، اعترافاً مطلقاً أو متساوياً. فالشعوب لم تحصل جميعها على الفرصة نفسها لممارسة هذا الحق، كما أن المجتمع الدولي لم يتعامل مع مختلف القضايا بمعيار واحد. فقد حظيت بعض الحركات الوطنية بدعم سياسي ودبلوماسي واسع، بينما جرى تجاهل قضايا أخرى، أو تأجيلها، أو التعامل معها بوصفها شأناً داخلياً، أو تهديداً للاستقرار الإقليمي، أو مساساً بمصالح القوى المؤثرة. وهكذا اتسعت الفجوة بين عالم المبادئ الذي تصوغه النصوص القانونية، وعالم السياسة الذي تحكمه اعتبارات القوة والمصلحة.

ولا يعكس هذا التناقض خللاً في النصوص القانونية بقدر ما يعكس طبيعة النظام الدولي نفسه. فالقانون الدولي لا يعمل في فراغ، وإنما يتحرك ضمن بيئة سياسية تتشابك فيها مصالح الدول، والتحالفات العسكرية، والاعتبارات الاقتصادية، والهواجس الأمنية. ولذلك، كثيراً ما يصبح تطبيق المبادئ القانونية رهناً بمدى توافقها مع توازنات القوة، لا بمدى عدالتها أو مشروعيتها. وعندما تتعارض الحقوق مع المصالح، تميل السياسة إلى إعادة تفسير القانون بما ينسجم مع موازين النفوذ، فتتحول المبادئ إلى أدوات مرنة قابلة للتأويل، بدلاً من أن تبقى قواعد عامة ومجردة تطبق على الجميع دون تمييز.

ومن ثم، فإن حق تقرير المصير لم يعد يواجه تحدياً قانونياً بقدر ما يواجه تحدياً سياسياً. فالإشكالية الأساسية لا تكمن في وجود الاعتراف الدولي بهذا الحق، وإنما في حدود الإرادة السياسية لتطبيقه. وهذا ما يفسر التباين الواضح في التعامل مع القضايا القومية حول العالم، حيث تختلف المواقف الدولية من حالة إلى أخرى، ليس تبعاً لطبيعة الحقوق المطروحة، بل تبعاً لموقعها في شبكة المصالح الإقليمية والدولية.

لقد أدى هذا الواقع إلى تكريس حالة من الانتقائية في فهم حق تقرير المصير وتطبيقه. ففي بعض الحالات يقدم بوصفه حقاً أصيلاً للشعوب، بينما ينظر إليه، في حالات أخرى، باعتباره تهديداً لوحدة الدول أو للاستقرار الإقليمي. وبين هذين الموقفين تضيع الحدود الفاصلة بين القانون والسياسة، ويغدو تحديد شرعية المطالب خاضعاً لموازين القوى أكثر من خضوعه للمبادئ القانونية. وبهذا المعنى، لم يعد السؤال يدور حول شرعية الحق في ذاته، وإنما حول الجهة التي تمتلك سلطة الاعتراف بهذه الشرعية أو حجبها.

ولا يقتصر هذا التناقض على العلاقات الدولية، بل يمتد إلى مفهوم الدولة ذاته. فالدولة الحديثة لم تعد تستطيع أن تستند إلى القوة وحدها في بناء شرعيتها، كما لم يعد ممكناً اختزال مفهوم السيادة في احتكار السلطة أو السيطرة على الإقليم. فالشرعية السياسية في القرن الحادي والعشرين أصبحت ترتبط، بصورة متزايدة، بقدرة الدولة على تمثيل جميع مكوناتها، واحترام تنوعها، وضمان مشاركة مواطنيها في صنع القرار، وصون حقوقهم الفردية والجماعية ضمن إطار دستوري عادل. ومن ثم، فإن حق تقرير المصير لم يعد يعني بالضرورة إنشاء دولة مستقلة، بل أصبح يشمل أيضاً حق المجتمعات في المشاركة الفعلية في إدارة شؤونها، وصون هوياتها الثقافية واللغوية، والمساهمة في رسم السياسات التي تؤثر في حاضرها ومستقبلها.

وقد أسهمت التحولات الفكرية والسياسية خلال العقود الأخيرة في توسيع مفهوم تقرير المصير، فلم يعد يختزل في الاستقلال السياسي، بل أصبح يشمل أشكالاً متعددة من التنظيم الدستوري والإداري، كالحكم الذاتي، واللامركزية، والفيدرالية، وغيرها من الصيغ التي تسعى إلى التوفيق بين وحدة الدولة واحترام تنوعها الداخلي. ويعكس هذا التطور إدراكاً متزايداً بأن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق بفرض نموذج سياسي واحد على جميع المجتمعات، وإنما ببناء مؤسسات قادرة على استيعاب اختلافاتها ضمن إطار دستوري وقانوني جامع.

ومع ذلك، فإن هذا التطور المفاهيمي لم ينعكس دائماً على الممارسة السياسية. فما زالت دول كثيرة تنظر إلى أي نقاش حول تقرير المصير بوصفه مقدمة حتمية للانفصال، في حين تشير التجارب المقارنة إلى أن تجاهل المطالب المشروعة أو قمعها غالباً ما يؤدي إلى تعميق الأزمات، بينما يسهم الاعتراف بالتعددية، وإيجاد صيغ دستورية عادلة، في تعزيز وحدة الدولة واستقرارها. فالوحدة التي تقوم على الرضا والاعتراف المتبادل أكثر رسوخاً من تلك التي تقوم على الإكراه أو الخوف، لأن الدولة لا تكتسب شرعيتها من قدرتها على فرض السلطة فحسب، بل من قدرتها على ترسيخ شعور مشترك بالمواطنة والانتماء.

وتبدو هذه الإشكالية أكثر تعقيداً في منطقة الشرق الأوسط، حيث تداخلت الحدود السياسية مع الإرث الاستعماري، وتشابكت الهويات القومية والدينية والثقافية، وتعرضت الدولة الوطنية لاختبارات متكررة نتيجة الصراعات الداخلية والتدخلات الخارجية. ولذلك، فإن النقاش حول تقرير المصير في هذه المنطقة لا ينفصل عن أسئلة أعمق تتعلق بطبيعة الدولة، ومفهوم المواطنة، والعلاقة بين المركز والأطراف، وحدود السلطة، وآليات المشاركة السياسية. ومن ثم، فإن أي معالجة جادة لهذا الموضوع لا يمكن أن تقتصر على البعد القانوني وحده، بل ينبغي أن تنطلق من فهم تاريخي وسياسي شامل للبنية التي تشكلت في ظلها دول المنطقة.

ولعل القضية الكوردية تعد من أبرز النماذج التي تكشف التعقيد الذي يحيط بهذا المفهوم. فهي تبرز كيف يمكن أن يتحول حق معترف به من حيث المبدأ إلى قضية مؤجلة من حيث التطبيق، ليس بسبب غياب الأساس القانوني، وإنما نتيجة تعقيدات البيئة الإقليمية وتشابك المصالح الدولية والإقليمية. ولا يجعل ذلك القضية استثناءً بقدر ما يجعلها مثالاً واضحاً على التوتر المستمر بين منطق العدالة ومنطق القوة، وبين ما تنص عليه المواثيق الدولية وما تسمح به الحسابات السياسية.

ويقف العالم المعاصر اليوم أمام مفارقة عميقة؛ فهو يرفع شعارات الديمقراطية، وحقوق الإنسان، وحق الشعوب في اختيار مستقبلها، لكنه يتردد في الاعتراف بهذه المبادئ عندما تتعارض مع مصالح القوى النافذة أو مع خرائط النفوذ القائمة. ومن هنا، فإن أزمة حق تقرير المصير ليست أزمة قانون، بقدر ما هي أزمة إرادة سياسية، وأزمة نظام دولي لم ينجح بعد في تحقيق التوازن بين مقتضيات الاستقرار ومتطلبات العدالة.

إن الدفاع عن حق تقرير المصير لا ينبغي أن يفهم بوصفه دعوة إلى تفكيك الدول أو إعادة رسم الحدود كلما ظهرت أزمة سياسية، كما لا ينبغي اختزاله في مشاريع الانفصال أو الاستقلال. فجوهـر هذا الحق يتمثل في الاعتراف بأن الشعوب ليست مجرد موضوع للحكم، بل هي شريك أصيل في صناعة القرار، وأن الاستقرار المستدام لا يتحقق بإنكار التنوع، وإنما بإدارته على أساس العدالة، والمساواة، وسيادة القانون. فعندما يشعر المواطن بأن هويته محترمة، وحقوقه مصانة، وصوته مؤثر في مستقبل دولته، يصبح أكثر تمسكاً بوطنه، وأكثر استعداداً للإسهام في استقراره والدفاع عنه.

وفي الختام، لم يعد السؤال المتعلق بحق تقرير المصير يخص شعباً بعينه أو منطقة بعينها، بل أصبح سؤالاً يمس مستقبل النظام الدولي ذاته. فإذا أراد هذا النظام أن يحافظ على شرعيته القانونية والأخلاقية، فلا بد من تضييق الفجوة بين المبادئ التي يعلنها والسياسات التي يمارسها. أما إذا استمرت المصالح في تحديد قيمة الحقوق، واستمرت القوة في رسم حدود العدالة، فإن حق تقرير المصير سيبقى مبدأً حاضراً في النصوص، محدود الأثر في الواقع. وعندئذٍ لن يكون التحدي الحقيقي هو إثبات وجود هذا الحق، بل استعادة الثقة في نظام دولي يطبق مبادئه بمعايير واحدة، ويعترف بأن الشعوب ليست أوراقاً على موائد التفاوض، ولا أدوات في صراعات القوى، وإنما هي صاحبة الحق الأصيل في المشاركة الحرة في صياغة حاضرها، وصنع مستقبلها، وتحديد مصيرها في إطار من العدالة، والكرامة، والسلام المستدام.

 

شارك المقال :

5 1 vote
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي بالرغم من الحديث عن مرحلة سياسية جديدة في سوريا بعد سقوط نظام الطاغية بشار الأسد، إلا أن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن بناء دولة حديثة لا يتم عبر التعيين، بل عبر انتخابات حرة تعبّر عن إرادة السوريين. أي مجلس يُشكَّل خارج صندوق الاقتراع يظل فاقداً لأهم عناصر الشرعية السياسية، مهما قُدِّم له من تبريرات. فالتعيين…

د . مرشد اليوسف تُظهر التجربة التاريخية للكرد في سوريا (روجافا) . أن المجتمع الكردي لم يكن يومًا كتلة جغرافية واحدة متصلة. فمنذ العهد الايوبي والعثماني ثم خلال فترة الانتداب الفرنسي، توزعت التجمعات الكردية بين مناطق الجزيرة وكوباني وعفرين من جهة، وبين المدن السورية الكبرى من جهة أخرى. وقد أدت عوامل تاريخية وجغرافية واقتصادية وسياسية عديدة إلى إقامة مئات…

إبراهيم اليوسف التوقيع الذي لم يفلح في الترقيع صدر اليوم، بتوقيع الرئيس المؤقت السيد أحمد الشرع، ما سمي بالثلث المكمِّل لمن سمُّوا بأعضاء مجلس الشعب المنتخبين، إذ جاء هذا الثلث بالتعيين، في قرار قراقوشي لم يُسمع له مثيل في العالم، وسط تصفيق بعض المصفقين لأيِّ “سيادة رئيس”، شأن ذلك العضو* الذي خاطب الطاغية بشار الأسد قائلاً: “سوريا قليلة عليك، سيادة…

فيصل اسماعيل حين تتحول القضايا القومية إلى وسيلة للهروب من المحاسبة، يصبح التحريض بديلاً عن الإصلاح، ويغدو الفساد المستفيد الأكبر من الانقسام. منذ عام 2003، كان العراقيون يتطلعون إلى بناء دولة تقوم على الدستور والشراكة والعدالة. غير أن هذا المشروع اصطدم بانتشار الفساد، وضعف مؤسسات الدولة، وتغليب المصالح الحزبية والفئوية على المصلحة الوطنية. ومع كل أزمة سياسية أو اقتصادية، برز…