حيدر عمر
الصّراع على السّلطة واجتماع سّقيفة بني ساعدة
لا تخلو الأمم والشعوب من الصراع على السلطة، وهو صراع يؤول فيه الولاء إلى تنظيمات سياسة، ولا يلبث ضمن هذه التنظيمات أن يؤول إلى فرد من أفرادها. والإسلام الذي بدا منذ البدايات كمشروع سياسي أنه يسعى إلى التوسُّع وبناء دولة عربية إسلامية، ليس استثناءً. وقد ظهر هذا الصراع بين النبي وقريش التي رفضت دعوته، رغم أنه ينتمي إليها، لأنها رأت في دعوته تقوِّضاً لمكانتها في مكة وبين القبائل، فهي المشرفة على الكعبة، وفي يدها السدانة التي تعني الاعتناء بالكعبة، والسقاية، أي تأمين المياه للحجيج، والرفادة لتأمين بعض الأموال في موسم الحج لإعداد الطعام لفقراء الحجيج باعتبارهم ضيوف الكعبة. وجميع هذه الأمور تمنح القائمين عليها مكانة ذات شأن بين القبائل العربية.
وبعد هجرة الرسول إلى يثرب، واتساع رقعة انتشار الدين الإسلامي في جزيرة العرب، وظهور بوادر إقامة دولة عربية إسلامية، دغدغ حب السلطة نفوس بعض الناس، فظهر الأسود العبسي في اليمن مدَّعياً النبوَّة، ومسيلمة الكذاب في اليمامة، و قد بعث إلى النبي رسالة طالباً فيها أن يكون نصف الأرض له والنصف الآخر للنبي. وطليحة بن خويلد الأسدي في بني أسد، وسجاح بنت الحارث التي تبعتها بعض قبائل تميم.
وفي يثرب التي صار اسمها “المدينة” بعد هجرة النبي إليها، وصار سكانها يُعرَفون ب”الأنصار” إلى جانب “المهاجرين”، الذين تمركزت السلطة في أيديهم ، واحتكروا مواقع القيادة سواء في الإدارة أم في قيادة السرايا والغزوات، بينما أُقصي الأنصار تدريجياً من مراكز صنع القرار الفعلي. وظهرت معارضة الأنصار بقيادة عبد الله بن أُبيّ بن سلول الخزرجي، الذي كان سيُتوَّج ملكاً على يثرب قبل الهجرة بوقت قصير. وإذا كانت هذه المعارضة الأنصارية لم تكن قادرة على أن تشق صفوف الأنصار، فلم يعلُ صوتها، ولا أحدثت تأثيراً فيهم، فإن وفاة الرسول أظهرت ليس المعارضة الأنصارية، التي لم تخفِ طموحها نحو السلطة فحسب، بل أظهرت معارضات أخرى.
بعد رحيل القادة، وخاصة في الأنظمة الشمولية، تتطلَّع الشخصيات المتنفِّذة والتي تشغل الصفوف الأمامية في التنظيمات السياسية والعسكرية والاجتماعية وشخصيات من النُّخَب الثقافية أو الاقتصادية، إلى ملء الفراغ الذي أحدثته وفاة القائد، وكل منهم يطمح إلى أن يكون هو من يملأ هذا الفراغ. وهذا ما جرى حتى قبل وفاة نبي الإسلام، الذي رحل في السنة الحادية عشرة هجرية، الموافقة للسنة (632 م)([1])، و”لم يستخلف أحداً”.([2]) فقد تبيَّن، علاوة على المتنبئين، أن الهاشميين وخاصة بني عبد المطلب كانوا يرغبون في أن تكون الخلافة فيهم، ولهذا “أرسل العباس بن عبد المطلب إلى بني عبد المطلب، فجمعهم عنده، وكان عليّ ( ابن أبي طالب) عنده بمنزلة لم يكن أحدٌ بها، فقال العباس: يا ابن أخي إني قد رأيت رأياً لم أحب أن أقطع فيه شيئاً حتى أستشيرك، فقال عليّ: وما هو؟ قال: ندخل على النبي صلى الله عليه وسلم، فنسأله إلى مَن هذا الأمر من بعده، فإن كان فينا لم نُسَلِّمه والله ما بقي منا في الأرض طارف، وإن كان في غيرنا لم نطلبها بعده أبداً! فقال عليّ: يا عمّ وهل هذا الأمر إلَّا إليك؟ وهل من أحدٍ ينازعكم في هذا الأمر؟ فتفرقوا ولم يدخلوا على النبي صلى الله عليه وسلم”. وفي رواية أخرى مما ينقله ابن سعد “جاء العباس على النبي صلى الله عليه وسلم، في وجعه الذي توفي فيه، فقال عليّ بن أبي طالب: ما تريد؟ فقال العباس: أريد أن أسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم، أن يستخلف منّا خليفة، فقال علي: لا تفعل! قال: ولِمَ؟ قال: أخشى أن يقول لا، فإذا ابتغينا ذلك من الناس، قالوا أليس قد أبى رسول الله صلى الله عليه وسلم؟”([3])
ما يُفهم من الروايتين أن آل عبد المطلب، وخاصة عليّ بن أبي طالب وعمه العباس، كانوا يتطلَّعون إلى خلافة الرسول (ص) لأنه منهم، وكان عليّ معتقداً أن الخلافة ستكون في آل عبد المطلب، ويكون عمه العباس خليفة، وكان العباس يرى أن آل عبد المطلب أحقَّ المسلمين بها، ما يعني أن الخلافة في نظرهم يجب أن تكون وراثية، وتنحصر في قريش في آل هاشم وتحديداً في بني عبد المطلب، ولهذا انحاز العباس إلى مبايعة ابن أخيه علي بن أبي طالب قائلاً له : “ابسط يدك أبايعك”([4]).
لم يكن وفاة النبي أمراً سهلاً عند المسلمين، بل كانت صدمة قوية، ولا شك في ذلك، فهو نبي الله و وليُّه ورسوله إليهم وإلى الناس أجمعين جاء إليهم بدين جديد غيَّر حياتهم وهو مرشدهم إلى الخير ، ورمز وحدتهم، فلم يكن تقبُّلهم موتَه سهلاً. فهذا عمر بن الخطاب لم يصدق خبر وفاته، فقال، كما ورد في السيرة لابن هشام “إن رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله (ص) قد توفي، وإن رسول الله (ص) والله ما مات، ولكنه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فغاب عن قومه أربعين ليلة ثم رجع إليهم بعد أن قيل مات. والله ليرجعنَّ رسول الله (ص) كما رجع موسى فليقطعنَّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أن رسول الله (ص) مات.”([5])
يدل هذا الموقف الانفعالي الذي أبداه عمر بن الخطاب على أن غياب الرسول (ص) لم يكن سهلاً ولم يكن متوقعاً، ولكن أبا بكر تدخَّل فذكَّر المسلمين بقوله تعالى”وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قُتِل انقلبتم على أعقابكم ومن ينقلب على عقبيْه فلن يضرَّ الله شيئاً وسيجزي الله الشاكرين” (سورة آل عمران، الآية 144). ثم قال “من كان يعبد محمداً فإن محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حيٌّ لا يموت.([6]).
لم يقف الأمر عند مطامح بني هاشم بن عبد المطلب في خلافة الرسول، بل صار بعد انتشار خبر وفاته (ص) بين أيدي المسلمين جميعاً في المدينة، وحين تأكَّد عمر بن الخطاب من وفاة الرسول، قال: “هذا أبو بكر صاحب رسول الله (ص) في الغار، وثاني اثنين، فبايِعوه. فحينئذٍ بايَعوه”. هذا ما أورده الذهبي([7])، وبهذا الموقف من ابن الخطاب ظهر فريق آخر في الصراع على الخلافة، مما يعني أن اقتراح عمر لم يلقَ آذاناً صاغية من الجميع. وبالرغم من أن الفقهاء والمفسرين أكَّدوا على إجماع الصحابة على انعقاد هذه البيعة، غير أن ثمة آخرين من المؤرخين والفقهاء أشاروا إلى غير ذلك. مما حدا بالأنصار إلى الاجتماع في “سقيفة بني ساعدة”([8])، يتداولون في خلافة نبي الإسلام.
وحين سمع المهاجرون باجتماع الأنصار في السقيفة ومداولتهم أمر الخلافة، أسرع أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجرَّاح ومعهم آخرون إلى السقيفة. هناك ظهرت الرغبة في الاستيلاء على الخلافة لدى الأنصار ولو بالقوة، حين ألقى سعد بن عبادة خطبة رغم مرضه ذكَّرهم فيها بفضل الأنصار وسابقتهم في الدين، إذ قال ” يا معشر الأنصار إن لكم سابقة في الدين وفضيلة في الإسلام ليست لقبيلة من العرب، فشدّوا أيديكم بهذا الأمر ، فإنّكم أحقّ النّاس وأولاهم به.”([9])
وحين وصل أبو بكر وعمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح إلى السقيفة اختلف الأمر إلى حد ما، وتغيَّرت المداولات، إذ قال أبوبكر:” يا معاشر الأنصار! منا رسول الله، فنحن أحق به”، واقترح الحباب بن المنذر، وهو أنصاري، أن تكون الخلافة فيهم تارة وفي المهاجرين تارة أخرى في الأنصار،”([10]) “منا أمير ومنكم (من قريش) أمير”. ولم يتنازل أبو بكر للأنصار، ولم يلق اقتراحهم قبولاً لديه، إذ قال: ” منا الأمراء ومنكم الوزراء”. غير أن عمر بن الخطاب رفض ذلك إذ قال موجِّهاً كلامه إلى الأنصار “هيهات، لا يجتمع سيفان في غمد واحد ، إنّه والله لا يرضى العرب أن تؤمركم ونبيّها من غيركم، ولكنّ العرب لا ينبغي أن تولي هذا الأمر إلاّ من كانت النّبوّة فيهم.” فردَّ عليه الحُباب بن منذر الأنصاري ردَّاَ شديد اللهجة كان نذيراً بخطورة الوضع، إذ قال “يا معشر الأنصار: املكوا عليّ أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه، فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر، فإن أبوا عليكم ما سألتم فأجلوهم عن بلادكم وتولّوا هذا الأمر عليهم ، فأنتم والله أولى بهذا الأمر منهم، فإنّه دان لهذا الأمر ما لم يكن يدين له بأسيافنا ، أمّا والله، إن شئتم لنعيدنّــها جذعة، والله لا يرد عليّ أحد ما أقــول إلاّ حطّمت أنفــه بالسّيف.”([11])
كاد اختلاف الآراء والمواقف لدى المهاجرين والأنصار من خلافة النبي (ص) أن يؤدي إلى قتال بين الطرفين،غير أن الرأي استقر بعد تصدُّع جبهة الأنصار على مبايعة أبي بكر في الخلافة، ربما كان ذلك لقول النبي في مرضه، وعدم قدرته أن يصلي بالمسلمين فقال” مروا أبا بكر فليصلِّ بالناس”، ونسوا تماماً وصية النبي لعلي بن أبي طالب خلال غزوة تبوك، إذ قال “اخلفني في أهلي”. ولكن بعض المصادر تذهب إلى أن مبايعة أبي بكر لم تكن كاملة. إذ غاب بنو هاشم عن اجتماع السقيفة، ما يعني أنهم لم يشاركوا في مبايعة أبي بكر، بل كانوا معارضين لها. إذ ثمة رواية تذهب إلى أن عليَ بن أبي طالب ذهب إلى أبي بكر، وقال له “أنا عبد الله وأخو رسوله. فقيل له، بايع أبا بكر، فقال أنا أحقّ بهذا الأمر منكم، لا أبايعكم وأنتم أولى بالبيعة لي، أخذتم هذا الأمر من الأنصار واحتججتم عليه بالقرابة من النبيّ (ص) وتأخذونه منّا أهل البيت غصباً؟ ألستم زعمتم للأنصار أنّكم أولى بهذا الأمر منهم لِما كان محمد منكم فأعطوكم المقادة، وسلّموا إليكم الإمارة، وأنا أحتجّ عليكم بمثل ما احتججتم به على الأنصار ، نحن أولى برسول الله حيّا وميّتا فانصفونا إن كنتم تؤمنون وإلاّ فبوؤا بالظلم وأنتم تعلمون”. ([12])
يدل موقف علي بن أبي طالب على أن الخلاف في خلافة الرسول (ص) لم يكن محصوراً بين المهاجرين والأنصار فحسب، بل كان هناك بنو هاشم من المهاجرين أيضاً طرف ثالث، وآخرون منهم ومن الأنصار تخلَّفوا عن مبا يعة أبي، وثمة بعض القبائل العربية الأخرى اعترضت على بيعة أبي بكر، لأنها لم تشارك في اختياره، لذلك رفضت أن تدفع الزكاة، وأعلنت عصيانها وخروجها على السلطة الجديدة، ورداً على ذلك قام أبوبكر بإرسال الحملات العسكرية للقضاء على تمردها؛ إذ أنه رأى في ذلك ردة سياسية علاوة على أنه ارتداد عن أحد أركان الدين، يستوجب العقاب، لإرجاعها وإخضاعها لسلطة الدولة.
إن هذه المواقف المتعددة من المهاجرين والأنصار (الأوس والخزرج) وبني هاشم لتدل على أن التأثير القبلي كان مازال طاغياً، وأن الإسلام إلى حينه لم يكن قد أزال آثار الفكر القبلي،وأن القبيلة كانت مازالت محتفظة بمكانتها وتأثيرها في نفوس الناس وفي ممارساتهم وعاداتهم وتقاليدهم، “فالنظام الجديد القائم على مفهوم الأخوة في الدين لم يستطع أن يقلِّص من تأثيرها”. يروي البلاذري في كتابه “أنساب الأشراف” أن شخصاً اسمه “قرمان” كان قد أبلى في قتال المشركين في غزوة أُحُد، فلما بشَّروه بالجنة قال: أيّ جنّة والله ما قاتلت إلاّ حمية لقومي”.([13])
حينذاك، أي عقب انتشار خبر وفاة الرسول (ص) بين القبائل ارتدت كثير منها عن الدين الجديد، إلى أصنامها، وقد مرَّ سابقاً أن بعض الرجال من تلك القبائل ادَّعوا النبوة، ولوضع حد لهؤلاء جميعاً وإعادتهم إلى الدين وإلى ما يجمعهم من وحدة سياسية، وكان القوم مازالوا في السقيفة، نهض معن بن عدي الأنصاري، وقال ما قال، ومنه قوله: “قد بلغني رجوع مَن رجع منكم عن دينه بعد أن أقرَّ بالإسلام، وعمل بشرائعه ….. فقد وجَّهت إليكم خالد بن الوليد في جيش من المهاجرين والأنصار، وأمرته أن لا يقاتل أحداً حتى يدعوه إلى الله عزَّ وجلَّ ويعذر إليه وينذر، فمن دخل في الطاعة وسارع إلى الجماعة ورجع عن المعصية إلى ما كان يعرف من دين الله ثم تاب إلى الله وعمل صالحاً، قَبِل الله منه ذلك وأعانه عليه، ومن أبى أن يرجع إلى الإسلام بعد أن يدعوه خالد بن الوليد ويعذر إليه، فقد أنذرته وأمرته أن يقاتله أشد القتال بنفسه وبمن معه من أنصار دين الله وأعوانه، ثم لم يترك أحداً قدر عليه إلا أحرقه بالنار حرقاً، ويسبي الذراري والنساء، ويأخذ الأموال، وقد أعذر من أنذر. ثم طوى أبو بكر الكتاب وختمه ودفعه إلى خالد بن الوليد وأمره أن يعمل بما فيه”.
تفيد هذه الرواية أن معن بن عدي الأنصاري كان ذا نفوذ كبير، ومكانة عالية بين المهاجرين والأنصار، لأنه هو الذي قرأ الكتاب على الحاضرين، ولأنه كان في موقع يجعله قادراً على إصدار أمر بتوجيه خالد بن الوليد إلى دعوة المرتدين للعودة إلى الدين وقتال من يرفض العودة، وإحراقهم بالنار ، كما تؤكِّد هذه الرواية أن بعض القبائل كانت قد ارتدت عن الإسلام بمجرَّد سماعهم بمرض الرسول، وتفيد أيضاً أن معن بن عدي الأنصاري كان قد اتفق مع أبي بكر وبعض الآخرين على تعيين / بيعة أبي بكر خليفة للرسول (ص)،إلَّا أن ذلك لم يضع حداّ للنقاش بل احتدم الخلاف بين المجتمعين في “سقيفة بني ساعدة” حول خلافة الرسول، وتباينت الآراء، ولم تتم مبايعة أبي بكر بالإجماع، إذ كان بعض الصحابة غير حاضرين، ولعل هذا ما أسرع بمعن ابن عُدي الأنصاري إلى قراءة أمر تكليف خالد بن الوليد بقتال المرتدين.
بعد انصرافهم من السقيفة توجَّه أبو بكر إلى العباس عمِّ الرسول، باقتراح من عمر بن الخطاب وأبي عبيدة بن الجراح والمغيرة بن شعبة، وقال له: “لقد جئناك ونحن نريد أن لك في هذا الأمر نصيباً يكون لك، ويكون لمن بعدك من عقبك (أي من نسلك) إذ كنت عمَّ رسول الله”، فأجابه العباس: “إن كان حقاً للمسلمين، فليس لك أن تحكم فيه، وإن كان لنا فلم نرض ببعضه دون بعض”، ووصل الأمر بهم إلى الاحتكام إلى السيف، وخاصة بين عمر بن الخطاب وعلي ابن أبي طالب، الذي كان حينها في منزل فاطمة بنت رسول الله، ولم يبايع عليٌّ أبا بكر إلا بعد ستة أشهر وقيل بعد أربعين يوماً”.([14]) ما يعني أن أبا بكر الذي، بويع في سقيفة بني ساعدة، وكانت بيعة ناقصة بسبب الحضور الناقص، أراد أن تكون الخلافة شراكة بينه وبين العباس بن عبد المطلب، وأن يرثها العباس من شاء من نسله. بمعنى أنه أرادها وراثية تنحصر في أبناء العباس، ولكنه رفض ذلك لأنه لم يرض بالمناصفة في الخلافة التي يراها من حق بني عبد المطلب.
انتهى اجتماع سقيفة بني ساعدة ببيعة أبي بكر خليفة للمسلمين، سواء كانت بيعة كاملة أو ناقصة. هل أنهت هذه البيعة الصراع على السلطة؟ لا أعتقد ذلك. لم يكد القوم ينصرفون من سقيفة بني ساعدة حتى كان أغلب القبائل في جزيرة العرب قد ارتدت عن الدين الإسلامي، بمعنى خرجت القبائل على السلطة الدينية والسياسية، وعادت إلى أصنامها، فأعادتها هذه السلطة إلى حظيرة الإسلام عبر حرب دموية كانت الكلمة فيها للسيف والحرق والنهب والسبي.
ولكن الصراع لم ينته، رغم أن القيادة الدينية والساسية وجَّهت القبائل إلى خارج جزيرة العرب لإلهائها بحرب خارجية لنشر الدين بين أقوام أخرى ظاهراً، ونهبها والاستيلاء على أراضيها واقعاً، ولم يلبث أن اغتيل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب سنة 644م 23هجرية، ثم حدث تمرُّد مسلح ضد الخليفة الثالث عثمان بن عفان، أدى إلى مقتله، وسُمِّي في الأدبيات الإسلامية بالفتنة الكبرى التي قسَّمت المسلمين إلى طائفتين، قادت عائشة زوج النبي وطلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام إحداهما وطالبت بالقصاص من قتلة عثمان قبل كل شييء، والأخرى بقيادة علي بن أبي طالب، كانت ترى تأجيل القصاص إلى ما بعد استتباب الوضع السياسي، ولما لم يقتصّ علي بن أبي طالب من القتلة رغم مضي أربعة أشهر على توليه الخلافة، خرج الثلاثة المذكورون عليه في موقعة حفظها التاريخ باسم “موقعة الجمل” سنة 36 هجرية. ثم كانت معركة “صفين” سنة 657 م / 37 هجرية بين جيش الخليفة علي بن أبي طالب المكوَّن من أهل العراق وجيش والي دمشق معاوية بن أبي سفيان المكوَّن من أهل الشام، وقد انتهت المعركة بالتحكيم لصالح معاوية، وأدَّى قبول التحكيم إلى خروج قسم من جيش علي بن أبي طالب عليه “الخوارج” وقتال جيشه وجيش معاوية و إلى خلافتين إحداهما لعلي بن أبي طالب في العراق والأخرى لمعاوية بن أبي سفيان في دمشق (الخلافة الأموية)، وما زال هذا الصراع مستمراً مروراً بمعركة “كربلاء” سنة 680م/ 61 هجرية ومقتل الحسين بن علي بين أتباع علي الذين عُرِفوا ب(شيعة علي) من جهة و أهل السُّنة من جهة أخرى. أما الخلاف التاريخي بين الطائفتين، فهو أن السُّنة يرَوْن أن الأمة، أمة المسلمين تختار قائدها أو زعيمها بالشورى، ولذلك بايعوا أبا بكر كأول خليفة للمسلمين، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان، فعلي بن أبي طالب، بينما يرى الشيعة أن القيادة الدينية والسياسية بعد النبي حقٌّ إلهي لأهل البيت (بيت النبي)، وأن علي بن أبي طالب هوالخليفة الأول الشرعي، وأن الخلافة يجب أن تكون بالنص الإلهي في أئمة من نسله.
==================
المراجع.
1.ابن هشام، السيرة النبوية، ج 4، ص
- ابن سعد، الطبقات الكبرى، ج 2، ص 240 – 246.
- الذهبي، تاريخ الإسلام، ص 820.
- الذهبي، سيِر أعلام النبلاء.
- ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، ج1، ص 9.
- البلاذري، أنساب الأشراف، ج1، ص 281. .
7.ابن أعثم الكوفي، الفتوح، ج1، ص 6 – 9.
- اليعقوبي، تاريخ اليعقوبي، ج2، ص 7 – 11.
- ابن كثير، البداية والنهاية، ج 6،ص 319.
- ابن خلدون، تاريخ ابن خلدون، ج 2، ص 487، 488.
- انظر: الدكتور حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ج 1، ص 168، 169. ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون 2/487، 488. .
([1]) أُختُلِف في سنوات حياته ما بين الستين والخمس والستين. انظر: الذهبي: تاريخ الإسلام، ص 825، 826. المقريزي: السلوك لمعرفة دول الملوك، تحقيق محمد عبد القادر عطا، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت 1997، 1/ 107. .
([2]) ابن هشام: السيرة النبوية، ج 4، ص 304.
([3]) ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج 2، ص 240 – 246.
([4]). ابن قتيبة: الإمامة والسياسة، مطبعة الفتوح الأدبية بمصر، تاريخ الطبع غير مذكور، ص 5، 6.
([5]) ابن هشام: السيرة النبوية، ج 4، بيروت 2001، ص 237. ابن سعد طبقات ابن سعد، ج 2، تحقيق الدكتور علي محمد عمر، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ص 233.
([6]) . ابن سعد، طبقات ابن سعد، ج 2، تحقيق الدكتور علي محمد عمر، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ص 234.
([7]). الذهبي: تاريخ الإسلام، مصدر سابق، ص 820.
([8]) بالمدينة وهي ظلَّة كانوا يجلسون تحتها، فيها بويع أبو بكر الصديق رضي الله عنه، والسقيفة الصُفَّة، ومنه سقيفة بني ساعدة. والسقيفة كلُّ بناء سُقَّف به صُفَّةٌ أو شبه صُفَّة مما يكون بارزاً. أما بنو ساعدة الذين أُضيفَت إليهم السقيفة فهم حيٌّ من الأنصار، ومنهم سعُد بن عُبادة، الذي قال يوم السقيفة: منا أمير ومنكم أمير، ولم يبايع أبا بكراً ولا أحداً. انظر: ياقوت الحموي: معجم البلدان، ج 3، ص 228، 229.
([9]). ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، دار الكتب العلميّة، ط2، 2006، ج 1، ص 6، 7.
([10]) . المصدر نفسه والصفحة نفسها.
([11]) . المصدر نفسه والصفحة نفسها.
([13]) . البلاذري، أنساب الأشراف، تحقيق سهيل زكّار ورياض الزركلي، دار الفكر، ط1، 1996، ج1، ص281.
([14]) انظر تفاصيل سقيفة بن ساعدة في: ابن أعثم الكوفي: الفتوح، ج 1، دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع، الطبعة الأولى بيروت 1991، ص 6 ، 9. اليعقوبي: تاريخ اليعقوبي، ج 2، شركة الأعلمي للمطبوعات، الطبعة الأولى بيروت 2010، ص 7 ـ 11. ابن كثير: البداية والنهاية، ج 6، ص 319. ابن الأثير: الكامل في التاريخ، ج 2، ص 189 ـ 195. . ابن هشام: السيرة النبوية، ج 4، ص 308 ـ 312. ابن سعد: الطبقات الكبرى، ج 2، ص 240، 246. الذهبي: تاريخ الإسلام، ج 3. تحقيق الدكتور عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، ص 5 ـ 14. الذهبي: سير أعلام النبلاء، ص 315 ـ 317. ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، دار الكتب العلميّة، ط2، 2006، ج 1، ص 6 – 14. بعض المؤرخين المحدثين لا يشيرون ـ في حديثهم عن سقيفة بني ساعدة ـ إلى مداخلة معن بن عدي الأنصاري. انظر: الدكتور حسن إبراهيم حسن: تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، ج 1، ص 168، 169. ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون 2/487، 488.