عبد الجابر حبيب
“الظلمُ مؤذنٌ بخرابِ العمران”
ابن خلدون
لم تكن هذه العبارةُ حكمةً تاريخيةً فحسب، وإنما قانوناً من قوانين الحياة. فكلُّ ظلمٍ، وكلُّ إهانةٍ، وكلُّ استهانةٍ بكرامة الإنسان، لا تقف آثارها عند فردٍ واحد، وإنما تمتدُّ لتفتح ثغرةً في جدار الوطن. حتى إذا كثرت تلك الثغرات، انهار العمران، وضاع الجميع.
وهذا ما يُحزُّ في النفس اليوم. فبعد كل ما دفعته سورية من أثمانٍ باهظة، ما زال هناك من يصرُّ على جرِّها إلى مستنقع الفتنة، وكأنَّ بعض الجهلاء والطائشين والزعران أصبحوا وقوداً لمشاريع لا تريد لهذا البلد أن ينهض، مشاريع تريد أن يبقى أبناؤه أسرى الكراهية وردود الأفعال.
إنَّ أخطر ما يواجه المجتمعات ليس اختلاف أبنائها، وإنما تحويل هذا الاختلاف إلى عداوة. وما نشهده بين الحين والآخر من الاعتداء على الرموز الاجتماعية والقومية ليس سوى محاولةٍ لتمزيق ما بقي من النسيج السوري.
فحين يُقدم شخصٌ على إنزال علمٍ يعتزُّ به الكرد، فإنه لا يستفز فرداً، أو مجموعةً فحسب، بل يجرح شعور شريحةٍ واسعةٍ من السوريين ترى في ذلك العلم جزءاً من هويتها، وانتمائها القومي وتاريخها.
وهنا لا بدَّ من توضيح أمرٍ يصرُّ البعض على تجاهله، وهو الخلط بين العلم الوطني، والعلم القومي. فالكردي لا يرى تناقضاً بين اعتزازه بالعلم الوطني السوري بوصفه مواطناً سورياً، واعتزازه بعلمه القومي بوصفه رمزاً لهويته وتاريخه وانتمائه الثقافي. فالهوية القومية لا تُلغي الانتماء الوطني، كما أنَّ الانتماء الوطني لا يمحو الخصوصية الثقافية. ولو كان مجرد رفع علمٍ قومي يُعدُّ خروجاً على الدولة، لما رأينا في كثيرٍ من دول العالم شعوباً ترفع أعلامها القومية، أو الإقليمية إلى جانب علم الدولة دون أن يُشكك أحدٌ في وطنيتها. المشكلة ليست في الراية، وإنما في العقل الذي يحاول تحويلها إلى أداةٍ للتحريض وإثارة الأحقاد.
وفي المقابل، حين يردُّ شابٌّ كرديٌّ بدهس العقال “العگال” و الشماغ، اللذين يُعدَّان من الرموز الاجتماعية التي يعتز بها كثيرٌ من العرب، فإنه لا ينتصر لقضيته، هو يفتح باباً جديداً للكراهية.
إنَّ العقال والشماغ ليسا قطعةَ قماشٍ فحسب، كما أنَّ العلم ليس مجرد لونٍ ورسم، فكلُّ رمزٍ يحمل في داخله تاريخاً ووجداناً وذاكرةً جماعية.
ولعلَّ ما يغيب عن ذهن ذلك الشاب أنَّ العقال والشماغ لم يكونا، في يومٍ من الأيام، حكراً على العرب وحدهم. فقد ارتداهما كثيرٌ من شيوخ ووجهاء القبائل الكردية، وما يزال عددٌ كبيرٌ من الكرد، ولا سيما في الجزيرة السورية، يعتزون بهما ويرتدونهما بوصفهما جزءاً من الموروث الاجتماعي المشترك. ولذلك، فإنَّ من داس العقال والشماغ لم يُهن الرجل العربي وحده، بل أساء أيضاً إلى رجالٍ من قومه، وإلى تاريخٍ طويلٍ من التعايش الذي جمع العرب والكرد تحت عاداتٍ وتقاليد متقاربة.
ومن يفعل ذلك يشبه رجلاً نثر المسامير في طريقٍ عام، ظناً منه أنه سيؤذي خصمه وحده، ناسياً أنه سيعبر الطريق ذاته يوماً، وأنَّ أبناءه وإخوته وجيرانه سيعبرونه أيضاً. فالفتنة لا تعرف صاحباً، والنار إذا اشتعلت لا تختار بيتاً دون آخر.
ولقد عاش العرب والكرد، ومعهم السريان والآشوريون والأرمن والتركمان والشركس وسائر مكونات المجتمع السوري، قروناً طويلةً في هذه الأرض، يتقاسمون الخبز والماء والأفراح والأحزان. وما يحاول البعض زرعه اليوم من كراهية لا يمتُّ إلى تاريخ السوريين بصلة، بل يخدم كلَّ من يريد لهذا البلد أن يبقى ساحةً للصراع.
وما يزيد الألم أنَّ بعض التجاوزات لا تقف عند حدود الإساءة إلى الرموز، بل تمتد إلى الاعتداء على الإنسان نفسه. فقد تداولت صفحات التواصل الاجتماعي أنباءً عن تعرض سيدةٍ كرديةٍ في منطقة تل عران وتل حاصل لاعتداءٍ جسدي، وفق ما نُشر. ولا أملك الصورة الكاملة عن ملابسات الحادثة، لكن إن صحَّ ذلك، فإنَّ الاعتداء على امرأةٍ مرفوضٌ أخلاقياً وإنسانياً وقانونياً، ويستوجب تحقيقاً شفافاً ومحاسبةً عادلةً لكل من تثبت مسؤوليته.
ومن اعتدى على تلك السيدة لا يقلُّ إساءةً عمَّن أسقط علماً بقصد الاستفزاز، أو داس العقال والشماغ بقصد الإهانة. فالصورتان تُحطمان مشاعر السوريين، لأنهما تحملان الرسالة نفسها: إهانة الآخر وإشعال نار الفتنة.
الجنة تحت أقدام الأمهات، وليس من شيم الشرفاء ولا من أخلاق الرجال الاعتداء على النساء أو إذلالهن. فلا دينٌ يبيح ذلك، ولا عرفٌ كريمٌ يقبله، ولا قانونٌ يحترمه. ومن مسؤولية الدولة أن تُحاسب كلَّ من يتجاوز القانون، أو يمتهن كرامة المواطنين، لأنَّ هيبة الدولة تُبنى على العدالة، لا على الخوف، وعلى احترام الإنسان، لا على إهانته.
وفي المقابل، فإنَّ من مسؤولية جميع السوريين أيضاً ألا ينساقوا وراء الاستفزازات، وألا يجعلوا من ردود أفعالهم وقوداً لمشاريع الفتنة. فالذي يعتدي على رمزٍ عربي، والذي يعتدي على رمزٍ كردي، كلاهما يؤدي الدور نفسه، وإن اختلف الشعار الذي يرفعه.
لقد قال المهاتما غاندي “العين بالعين تجعل العالم كله أعمى” ولو أردنا أن نُسقط هذه الحكمة على واقعنا لقلنا: إنَّ إنزال رايةٍ لن يُعيد كرامةً، وإنَّ دهس عقالٍ لن يصنع عدالةً، وإنَّ ضرب امرأةٍ لن يحفظ هيبة دولة. فالاستفزاز لا يولِّد إلا استفزازاً، والكراهية لا تُنتج إلا كراهيةً.
سورية اليوم بحاجةٍ إلى العقلاء، لا إلى المتهورين. بحاجةٍ إلى من يطفئ النار، لا إلى من ينفخ فيها. بحاجةٍ إلى أن يرتفع صوت الحكمة فوق ضجيج الغوغاء، وأن يكون القانون فوق الجميع، وأن تبقى كرامة كلِّ سوري خطاً أحمر، لأنَّ الوطن لا يُبنى بإهانة الرموز، ولا بكسر الكرامات، وإنما يُبنى حين يشعر كلُّ مواطنٍ أنَّ كرامته مصونة، وأنَّ اختلافه لا يجعله عدواً، بل شريكاً في وطنٍ يتسع للجميع.