انسحاب ثلاثة من أعضاء الهيئة القيادية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا بعد استنفاد فرص الإصلاح

ولاتي مه – خاص: أعلن ثلاثة من أعضاء الهيئة القيادية لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا انسحابهم من الحزب وإنهاء مهامهم التنظيمية، وذلك في بيان مشترك صدر اليوم الاثنين 29 حزيران/يونيو 2026، بعد ما وصفوه بـ”استنفاد جميع فرص الإصلاح الممكنة داخل الأطر التنظيمية القائمة”.

ووقع البيان كل من الأستاذ مسلم شيخ حسن، والمهندس أحمد زيبار، والمهندس رزكار عارف حسو، الذين أكدوا أن قرارهم جاء بعد سلسلة طويلة من المحاولات والمبادرات الهادفة إلى إصلاح أوضاع الحزب وتعزيز العمل المؤسساتي واستعادة دوره السياسي والتنظيمي.

وأشار الموقعون إلى أن المؤتمر الثامن للحزب، الذي انعقد بعد سنوات من التحديات السياسية والتنظيمية، كان يُعوَّل عليه لإطلاق عملية مراجعة وإصلاح شاملة، إلا أنهم اعتبروا أن التطلعات المرجوة لم تتحقق، وأن المشكلات التنظيمية والسياسية داخل الحزب ازدادت تعقيداً خلال الفترة التي أعقبت انعقاد المؤتمر.

وانتقد البيان ما وصفه بـ”تكريس نهج التفرد بالقرار وإضعاف دور المؤسسات الحزبية”، معتبراً أن آليات العمل الديمقراطي داخل الحزب أصبحت “شكلية ولا تعكس الإرادة الحقيقية للقواعد الحزبية”، الأمر الذي حال دون تحقيق أي مسار جدي للإصلاح والتغيير.

وأوضح الأعضاء المنسحبون أن اجتماع الهيئة القيادية المنعقد بتاريخ 25 حزيران/يونيو 2026 شكل “المحاولة الأخيرة” لإنجاح مسار الإصلاح والتوصل إلى حلول تعيد للحزب فاعليته ودوره السياسي، إلا أن تلك الجهود، بحسب البيان، لم تسفر عن نتائج، ما دفعهم إلى مقاطعة الاجتماع ومغادرته قبل استكمال أعماله.

وأكد البيان تمسك الموقعين بمبدأ استقلالية القرار السياسي الكردي في سوريا، والدعوة إلى صياغة رؤية سياسية تنطلق من مصالح أبناء الشعب الكردي ضمن إطار وطني سوري جامع، مع التشديد على أهمية وحدة المناطق الكردية في سوريا ورفض السياسات التي تؤدي إلى الانقسام أو إضعاف الموقف الكردي.

وفي الوقت نفسه، قدم الأعضاء المنسحبون اعتذاراً إلى أبناء الشعب الكردي وإلى رفاقهم عن أي أخطاء أو سياسات سلبية حدثت خلال المرحلة الماضية، مؤكدين أن تحمل المسؤولية والاعتراف بالأخطاء يشكلان جزءاً أساسياً من أخلاقيات العمل السياسي.

وشدد الموقعون على أن انسحابهم من الحزب لا يعني انسحابهم من العمل الوطني والقومي، مؤكدين استمرارهم في خدمة قضية الشعب الكردي والدفاع عن حقوقه المشروعة، والعمل من أجل تطوير حياة سياسية ديمقراطية ومستقلة تعبّر عن تطلعات الجماهير.

كما أكد البيان رفضهم لحالة الانشقاقات وتكاثر الأحزاب السياسية الكردية، داعين إلى خطاب وطني جامع يضع المصلحة العامة فوق الاعتبارات الحزبية والشخصية.

واختتم البيان بالتساؤل حول قدرة الحركة السياسية الكردية على تجاوز الفردية والمصالح الضيقة والارتقاء إلى مستوى المسؤولية القومية بما ينسجم مع تطلعات الشعب الكردي وحقوقه المشروعة.

 

وفيما يلي نص البيان:

 

إلى أبناء شعبنا الكردي
إلى الرفيقات والرفاق في مختلف الهيئات الحزبية
في مرحلة دقيقة تمر بها قضيتنا القومية في سوريا، في ظل التحولات والتحديات التي تشهدها البلاد عموماً، وبعد انعقاد المؤتمر الثامن لحزب الوحدة الديمقراطي الكردي في سوريا، الذي جاء بعد سنوات طويلة من التحديات والاستحقاقات السياسية والتنظيمية، كنا نأمل أن يشكل هذا المؤتمر محطةً حقيقية للمراجعة والتقييم ومعالجة الأخطاء والاختلالات التي رافقت مسيرة الحزب خلال سنوات الأزمة السورية، وأن يؤسس لمرحلة جديدة قوامها الإصلاح والتجديد وتعزيز الحياة الديمقراطية الداخلية. إلا أنه، وبعد مرور ما يقارب عاماً كاملاً على انعقاده، لم تتحقق التطلعات المرجوة، بل ازدادت المشكلات التنظيمية والسياسية عمقاً وتعقيداً.
لقد كانت تطلعات قطاع واسع من الرفاق والقواعد الحزبية تتجه نحو استعادة القرار الحزبي المستقل وترسيخ نهج كردي سوري يعبر عن مصالح شعبنا وتطلعاته، بعيداً عن سياسات المحاور والاستقطابات التي أضرت بالحركة السياسية الكردية، وعمّقت الانقسامات وأضعفت الثقة الشعبية بالأحزاب والتنظيمات السياسية. كما انعكست هذه السياسات سلباً على الحزب نفسه، فأفقدته جانباً مهماً من دوره ومكانته التاريخية، وأدت إلى تراجع حضوره وتأثيره السياسي وخسارته الكثير من كوادره ورفاقه، بعد أن كان من أبرز الأحزاب الكردية وأكثرها فاعلية، ليقترب في مستوى تأثيره وحضوره السياسي من أحزاب أصغر حجماً وحديثة النشأة تشكل معظمها بعد عام 2011 م.
وانطلاقاً من قناعتنا الراسخة بأن القرار السياسي للكرد في سوريا يجب أن ينبع من إرادة أبناء شعبنا ومصالحهم الوطنية والقومية، وأن يُصاغ في قامشلو وكوباني وعفرين ضمن رؤية وطنية سورية جامعة، فإننا نؤكد تمسكنا بمبدأ الاستقلالية السياسية والوقوف على مسافة واحدة من مختلف المحاور الكردستانية، مع كامل الاحترام والتقدير لنضالات أشقائنا الكرد في سائر أجزاء كردستان، والتضامن معهم في سبيل نيل حقوقهم المشروعة، دون أي تدخل في الشؤون الداخلية لأي طرف – كما نؤكد إيماننا بوحدة المناطق الكردية في سوريا باعتبارها وحدة إدارية وسياسية متكاملة ضمن إطار الدولة السوري، ورفضنا القاطع لكل المشاريع أو السياسات التي من شأنها تكريس الانقسام أو إضعاف وحدة الموقف الكردي السوري.
لقد سعينا خلال المرحلة الماضية، وحتى اللحظة الأخيرة من وجودنا في الحزب (مثالاً تجربة ما سمي بانتخابات مجلس الشعب في كوباني) ومن مواقعنا التنظيمية المختلفة، إلى الدفع باتجاه الإصلاح الداخلي وتعزيز العمل المؤسساتي ومعالجة مكامن الخلل التي تفاقمت داخله. ووضعنا نصب أعيننا تعزيز مكانة الحزب ودوره القومي والوطني، وصون تاريخه النضالي وإرثه السياسي، انطلاقاً من مسؤوليتنا تجاه الرفاق والجماهير التي منحت الحزب ثقتها على مدى عقود.
وكان اجتماعنا الأخير المنعقد بتاريخ 25/06/2026 بمثابة المحاولة الأخيرة التي استنفدنا فيها كل طاقاتنا وإمكاناتنا السياسية والتنظيمية من أجل إنجاح مسار الإصلاح والتوصل إلى حلول تضمن استعادة فاعلية الحزب ودوره القومي والسياسي وإعادة الاعتبار لمؤسساته. غير أن هذه الجهود اصطدمت بإصرار متزايد على تكريس نهج التفرد بالقرار وإضعاف دور المؤسسات الحزبية، وتحويل آليات العمل الديمقراطي إلى أطر شكلية لا تعكس الإرادة الحقيقية للقواعد الحزبية. وقد عزز هذا النهج قبول بعض القياديين عملياً بوضع السكرتير فوق النظام والمؤسسات وخارج نطاق المساءلة والمحاسبة، مدفوعين في كثير من الأحيان بحسابات الحفاظ على مواقعهم القيادية ومصالحهم التنظيمية، الأمر الذي أدى إلى تعطيل أي مسار جدي للإصلاح والتغيير والتغاضي عن الأخطاء والتجاوزات التي أضرت بالحزب ومكانته السياسية وهذا ما دفعنا، بعد نقاش حاد من جانبنا اتسم بالمسؤولية والحرص على مصلحة الحزب، إلى مقاطعة الاجتماع ومغادرته قبل استكمال أعماله.
إن عقلية التفرد بالقرار، مهما حاول البعض تبريرها، تشكل خطراً حقيقياً على أي تجربة سياسية ديمقراطية، وقد كانت على الدوام سبباً في إضعاف الحركة الكردية وتشتيت طاقاتها وإبعادها عن هموم الشارع الكردي وقضاياه الفعلية. كما أن استمرار هذه الممارسات يؤدي إلى تعميق أزمة الثقة بين الجماهير والقوى السياسية، وهي أزمة باتت من أخطر التحديات أمام نضال شعبنا من أجل الحرية والكرامة والحقوق القومية المشروعة.
وبعد سلسلة طويلة من المحاولات والمبادرات الرامية إلى الإصلاح والاستجابة للمطالب المشروعة التي رفعتها القواعد الحزبية في مختلف مناطق العمل الحزبي، وبعد أن تبين لنا استحالة إحداث التغيير المطلوب ضمن الظروف القائمة، وجدنا أنفسنا أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الاستمرار في مسار لم يعد يعبر عن قناعاتنا السياسية والتنظيمية، تُهمَّش فيه المؤسسات الحزبية ويُختزل القرار في إطار ضيق، وإما اتخاذ موقف واضح وصريح أمام جماهير شعبنا ورفاقنا. وقد اخترنا أن نكون أمناء مع أنفسنا ومع شعبنا.
وعليه، نعلن انسحابنا من الحزب وإنهاء مهامنا ومسؤولياتنا في الهيئة القيادية، انسجاماً مع قناعاتنا السياسية ومسؤوليتنا القومية والأخلاقية، ووفاءً للمبادئ التي التحقنا من أجلها بالحركة الوطنية الكردية، وبعد استنفاد جميع فرص الإصلاح الممكنة ضمن الأطر التنظيمية القائمة، وحتى لا نكون شركاء بالصمت أو مسؤولين أمام التاريخ عما آل إليه الحزب من ترهل وضعف، وما يشهده من حالات ترك واستقالات متزايدة في صفوف الرفاق.
وفي الوقت ذاته، نتوجه إلى أبناء شعبنا وإلى رفيقاتنا ورفاقنا باعتذار صادق عن أي أخطاء أو هفوات أو سياسات سلبية ارتكبت خلال المرحلة الماضية، سواء بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو في إطار المسؤوليات التنظيمية التي تحملناها خلال مرحلة اتسمت بتراجع العمل المؤسساتي وتضاؤل المشاركة في صناعة القرار، مؤكدين أن تحمل المسؤولية والاعتراف بالأخطاء يشكلان جزءاً أساسياً من أخلاق العمل السياسي والنضالي.
إن انسحابنا من الحزب لا يعني الانسحاب من ساحة النضال الوطني والقومي، ولا التخلي عن مسؤولياتنا تجاه قضية شعبنا الكردي في كردستان سوريا، بل سنواصل العمل إلى جانب أبناء شعبنا ومن أي موقع يخدم قضيته العادلة، دفاعاً عن حقوقه المشروعة، وإسهاماً في تطوير عمل سياسي ديمقراطي مستقل يعبر عن إرادته الحرة وتطلعاته الحقيقية.
كما نؤكد، انسجاماً مع المزاج الشعبي الكردي الرافض والمنبذ لحالة الانشقاقات وتكاثر الأحزاب، هذه الحالة التي أثقلت كاهل الحركة السياسية وأفقدتها ثقة الجماهير، بعدما تحول كثير من تلك الأحزاب إلى عبء على شعبنا وقضيته، في وقت تتطلع فيه جماهيرنا إلى خطاب وطني جامع ومسؤول يضع المصلحة العامة فوق المصالح الحزبية والشخصية الضيقة.
ويبقى السؤال الأهم: هل نستطيع تجاوز الفردية وحب الذات والمصالح الضيقة، والارتقاء إلى مستوى المسؤولية القومية، بما يليق بتضحيات شعبنا الكردي وحقه المشروع في الحرية والكرامة والعيش الكريم ؟
المجد والخلود للراحلين في سبيل قضيتنا
الوفاء والثبات للأوفياء الذين ما زالوا على العهد
الرفاق أعضاء الهيئة القيادية للحزب :
– الأستاذ مسلم شيخ حسن
– المهندس أحمد زيبار
– م. المهندس رزكار عارف حسو
29 حزيران/يونيو 2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف أثارت حادثة قيام أحد الأشخاص برمي العِقال على الأرض ردود فعل غاضبة لدى الكثيرين من العرب والكرد ، وهو أمر مفهوم بالنظر إلى المكانة الرمزية التي يحتلها العِقال في الوجدان الاجتماعي والثقافي لدى قطاعات واسعة من العرب والكرد معا . فالرموز ليست مجرد أشياء مادية، بل تحمل في طياتها معاني الانتماء والذاكرة والكرامة والتاريخ. غير…

فراس حج محمد| فلسطين في واحد من المراسلات بيني وبين الدكتور أحمد نسيم البرقاوي على إثر مقال نقديّ أعجب به، يرسل لي هذه الرسالة: “صديقي فراس العزيز: قرأت بمتعة كبيرة مقالتك الرائعة جداً، ونقدك العميق، وعندي بأن مصطلحك: التفخيم النقدي مصطلح يجب أن يدخل التداول في النقد، لأن التفخيم النقدي ليس سوى نوع من الكتابة هدفها التبرج بمنقود ذي شهرة،…

صلاح بدرالدين من الطبيعي تخليد العظماء لدى أي شعب ، واطلاق أسمائهم على مؤسسات سيادية ، وصروح علمية ، وتاريخية ، واجتماعية ، اما أن يصل الامر الى استخدام تلك الأسماء في مواقع ذات رمزية دينية في مجتمعات متعددة الأديان والمذاهب ولاتخلو من الحساسيات ، فمسألة فيها نظر ، ومن هذا المنظور علينا تناول الموضوع الذي بين أيدينا حول قيام…

د. حـمـدي سـنـجـاري   في كل دولة تسعى إلى النهوض، تأتي لحظات مفصلية تُختبر فيها جدية مؤسساتها في تطبيق القانون ومواجهة الفساد. وما نشهده اليوم من تحرك حكومي جاد لملاحقة الفاسدين واسترداد هيبة الدولة يمثل رسالة واضحة مفادها أن القانون يعلو على الجميع، وأن النفوذ والانتماء لا يمنحان أحداً حصانة من العدالة. عانى العراق سنوات مديدة من الفساد الإداري والمالي،…