حين تتحرك الدولة… يولد الأمل

د. حـمـدي سـنـجـاري

 

في كل دولة تسعى إلى النهوض، تأتي لحظات مفصلية تُختبر فيها جدية مؤسساتها في تطبيق القانون ومواجهة الفساد. وما نشهده اليوم من تحرك حكومي جاد لملاحقة الفاسدين واسترداد هيبة الدولة يمثل رسالة واضحة مفادها أن القانون يعلو على الجميع، وأن النفوذ والانتماء لا يمنحان أحداً حصانة من العدالة.

عانى العراق سنوات مديدة من الفساد الإداري والمالي، حتى بات أحد أعتى التحديات التي أعاقت مسيرة التنمية وأثقلت كاهل المواطن البسيط. لذا، فإن أي حملة جادة لمكافحة الفساد لا يجوز النظر إليها باعتبارها إجراءً مؤقتاً أو ردَّ فعل ظرفياً، بل ينبغي أن تُقرأ بوصفها بداية لمسار إصلاحي طويل يستلزم الاستمرار والثبات والإصرار.

وقد قال العرب قديماً: «العدل أساس الملك»، وهي حكمة لم يُنقض صحتها الزمن؛ إذ لا تقوم دولة راسخة، ولا يزدهر اقتصاد، ولا يستقر مجتمع، ما دام المواطن يرى أن الفاسد يفلت من المحاسبة ويمشي في الأسواق مرفوع الرأس. وتُعمّق هذه الحقيقة مقولة أخرى لا تزال ماثلة في الوجدان الشعبي: «من أمن العقاب أساء الأدب»، وهي تختصر في عبارة واحدة ما تؤكده علوم الاجتماع والحوكمة من أن غياب الرادع يُفضي حتماً إلى استشراء الانتهاك.

ما يحتاجه العراق اليوم ليس تحركات متفرقة أو حملات موسمية تنتهي بانتهاء الحدث الذي استدعاها، بل مشروع وطني متكامل يرتكز على ركائز واضحة: سيادة القانون على الجميع دون استثناء، ومكافحة الفساد في كل مفاصل الدولة من قمتها إلى قاعدتها، وتسريع الإجراءات القضائية والإدارية في مواجهة من تثبت إدانتهم، وتعزيز المؤسسات الرقابية وتحصينها من التدخل السياسي، وصون المال العام بوصفه أمانة في أعناق الجميع.

ولن ينجح هذا المشروع الوطني من دون مساندة عريضة تتجاوز أروقة الحكومة. فالأحزاب السياسية، إن كانت صادقة في انتمائها للعراق، مطالبة بدعم كل إجراء قانوني يستهدف الفساد بعيداً عن الحسابات الضيقة ومنطق المحاصصة. والعشائر العراقية، التي أدّت على مر التاريخ دوراً محورياً في صون السلم الاجتماعي، يمكنها اليوم أن تُسهم في ترسيخ ثقافة رفض الفساد ورفض توفير أي غطاء اجتماعي لمن يخالف القانون. فالشرف القبلي الحقيقي لا يكون في الدفاع عن المخطئ، بل في صون الحق.

وللتاريخ في هذا الشأن شواهد لا تُكذَّب؛ فقد تمكنت سنغافورة، التي كانت تُصنَّف في خمسينيات القرن الماضي دولةً تعصف بها الرشوة ويأكل فيها الفساد مؤسسات الدولة من الداخل، من أن تنهض لتصبح اليوم في مصاف أنظف دول العالم، لا بالشعارات بل بقرار سياسي حازم اقترن بمؤسسات رقابية مستقلة وتطبيق متساوٍ للقانون على الصغير والكبير. وليس العراق دون سنغافورة في موارده وكفاءاته البشرية، غير أن النهوض يستلزم إرادة لا تتهاون ومؤسسات لا تُساوَم.

ويبقى المبدأ الذهبي صادقاً في كل زمان: «خير الأعمال أدومها وإن قلّ»؛ فالاستمرارية هي التي تصنع الفارق الحقيقي. الفساد لا ينتظر، وكل يوم تأخير يعني استنزافاً جديداً للمال العام وتعطيلاً لمشاريع الإعمار وضياعاً لفرص العمل التي ينتظرها الشباب العراقي بفارغ الصبر.

إن العراق يستحق مستقبلاً تكون فيه الكفاءة المعيار، والقانون المرجع، والمساءلة السياق الطبيعي لممارسة السلطة. ويبقى الأمل معقوداً على أن تتواصل الجهود بوتيرة ثابتة وبصيرة واعية، وأن تتكاتف مؤسسات الدولة والقوى السياسية والعشائر والمجتمع المدني لدعم كل خطوة ترسّخ هيبة الدولة وتصون المال العام. فالدول لا تُبنى بالشعارات، وإنما بالعدالة والشفافية والمحاسبة، وبإرادة لا تلين أمام الفساد مهما علا شأن الفاسد وامتد نفوذه.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د. عدنان بوزان منذ نهاية الحرب الباردة، احتلت مفاهيم مثل التعايش وأخوة الشعوب والتعددية والمواطنة المشتركة مكانة متقدمة في الخطابين السياسي والفكري، بوصفها مفاتيح لبناء مجتمعات أكثر استقراراً وعدالة. وقد جاءت هذه المفاهيم استجابةً لتجارب إنسانية قاسية أثبتت أن الصراعات القومية والعنصرية والدينية لا تخلف سوى الحروب والانقسامات وإضعاف الدول والمجتمعات. غير أن تحويل هذه المبادئ إلى واقع سياسي…

ماهين شيخاني في زمن تتغير فيه الخرائط، هل يبقى الكورد متفرجين؟ ليس هناك ما هو أشد إيلاماً من أن يمتلك شعبٌ كلَّ مقومات البقاء، فيفقدها بسبب انقساماته الداخلية. هذا هو جوهر المأساة الكوردية اليوم. فبينما تُعاد رسم خرائط الشرق الأوسط تحت وطأة المتغيرات الجيوسياسية، وبينما تسقط الأنظمة وتنهض أخرى، وبينما تتهاوى التحالفات وتُبنى غيرها، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً يطرق أبواب…

عبدالرحيم حسن من السهل تحميل الاحزاب الكوردية في روآڤايي كوردستان مسؤولية الاخطاء وماآلت اليه الاوضاع كما انه من السهل اتهام الشارع الكوردي بالتقاعس واللامبالاة ولكن في الحقيقة الازمة التي تعصف بالمجتمع اكثر تعقيداً فهي نتيجة تراكمات واخطاء مشتركة بين الاحزاب السياسية والنخب الاجتماعية والثقافية والمجتمع نفسه.   لاشك ان الاحزاب الكوردية تعاني من ضعف واضح من حيث التاثير والحضور الشعبي….

إبراهيم اليوسف ها قد دخلت الاحتجاجات يومها السابع، واستطاع المحتجون المشغولون بأهلهم من المواطنين، من دون تفريق، أو بحث عن: وجاهة أو جاه، خلال أسبوع كامل أن يثبتوا أن المطالبة بحق المواطن في الرغيف حين تخرج إلى الشارع فهي أبعد من أن تكون صدى لمجرد جوع، لأنها تعكس أسئلتها الكبرى. أسئلة الكرامة، إنها نتاج تاريخ كامل من…