د. عدنان بوزان
منذ نهاية الحرب الباردة، احتلت مفاهيم مثل التعايش وأخوة الشعوب والتعددية والمواطنة المشتركة مكانة متقدمة في الخطابين السياسي والفكري، بوصفها مفاتيح لبناء مجتمعات أكثر استقراراً وعدالة. وقد جاءت هذه المفاهيم استجابةً لتجارب إنسانية قاسية أثبتت أن الصراعات القومية والعنصرية والدينية لا تخلف سوى الحروب والانقسامات وإضعاف الدول والمجتمعات. غير أن تحويل هذه المبادئ إلى واقع سياسي لا يتحقق بمجرد رفعها كشعارات، بل يتطلب معالجة القضايا الجوهرية المرتبطة بالهوية والحقوق والعدالة الدستورية. ومن أبرز هذه القضايا: هل يمكن أن تتحقق أخوة الشعوب من دون الاعتراف بالحقوق القومية لكل شعب؟
لا يتعلق هذا السؤال بمجرد نقاش فكري أو خلافٍ أيديولوجي، بل يمس جوهر بناء الدولة الحديثة وإدارة التنوع داخلها. فقد أثبت التاريخ السياسي أن معظم الأزمات التي شهدتها الدول متعددة القوميات لم تكن ناتجة عن وجود التنوع ذاته، وإنما عن الكيفية التي أُدير بها هذا التنوع. فالتعدد القومي والثقافي ليس مشكلة في حد ذاته، بل هو حقيقة تاريخية واجتماعية. أما المشكلة فتبدأ عندما ينظر إلى هذا التنوع باعتباره تهديداً لوحدة الدولة، أو عندما تفرض هوية واحدة بوصفها الهوية الوحيدة المشروعة، فيختزل الوطن في قومية واحدة، وتهمش الهويات الأخرى أو تنكر.
ومن هنا، فإن أخوة الشعوب لا تعني ذوبان الشعوب في هوية جامعة تلغي خصوصياتها، كما لا تعني التخلي عن الانتماءات القومية والثقافية واللغوية. فالأخوة، في معناها السياسي، لا تقوم على التشابه، بل على الاعتراف بالاختلاف وإدارته ضمن إطار من العدالة والمساواة. إن احترام التنوع لا يضعف وحدة الدولة، بل يمنحها شرعية أوسع، لأن الوحدة التي تقوم على الاعتراف المتبادل تكون أكثر رسوخاً من تلك التي تفرض بالقوة أو بالإقصاء.
لقد وقعت مشاريع سياسية عديدة خلال القرن العشرين في خطأ الاعتقاد بأن بناء الدولة يقتضي بناء هوية قومية واحدة، وأن تحقيق الوحدة الوطنية لا يكون إلا عبر صهر جميع المكونات في إطار قومي واحد. غير أن التجارب التاريخية أثبتت أن هذا النهج، بدلاً من أن يعزز الاستقرار، أدى في كثير من الأحيان إلى إنتاج أزمات بنيوية طويلة الأمد. فحين تتحول الدولة من إطار جامع لجميع مواطنيها إلى أداة لترجيح هوية قومية على غيرها، تتراجع الثقة بالمؤسسات، ويشعر جزء من المجتمع بأن انتماءه الوطني مشروط بالتخلي عن هويته الأصلية، وهو ما يضعف مفهوم المواطنة ويقوض أسس الشراكة الوطنية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين المواطنة والهوية القومية. فالمواطنة هي الإطار القانوني والسياسي الذي ينظم العلاقة بين الفرد والدولة، ويقوم على المساواة في الحقوق والواجبات. أما الهوية القومية، فهي تعبير عن الانتماء التاريخي والثقافي واللغوي، ولا تتعارض مع المواطنة، بل تتكامل معها داخل الدولة الديمقراطية. فالدولة التي تحترم مواطنيها لا تطلب منهم التخلي عن هوياتهم، بل تضمن لهم حق الحفاظ عليها والتعبير عنها في إطار الدستور وسيادة القانون.
ومن الخطأ أيضاً النظر إلى الحقوق القومية بوصفها امتيازات خاصة أو تهديداً للوحدة الوطنية. فالحقوق القومية، في جوهرها، جزء من منظومة الحقوق الجماعية التي تعترف بها النظم الديمقراطية الحديثة، وتشمل حماية اللغة والثقافة والهوية، وضمان المشاركة العادلة في الحياة السياسية والإدارية والثقافية. وهذه الحقوق لا تنتقص من حقوق الآخرين، بل تسهم في تحقيق مساواة فعلية بين جميع مكونات المجتمع، وتجعل الدولة إطاراً جامعاً لا أداة للهيمنة.
لقد أثبتت التجارب الدستورية في كثير من الدول متعددة القوميات أن الاستقرار المستدام لا يتحقق عبر إنكار التنوع، بل عبر الاعتراف به وتنظيمه ضمن مؤسسات دستورية تضمن المساواة وتحمي الحقوق. فالدولة التي يشعر جميع مواطنيها بأنهم شركاء متساوون في الحقوق والواجبات تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات، لأن وحدتها تستند إلى الثقة والرضا، لا إلى الإكراه أو اختلال موازين القوة.
ومن المهم أيضاً التمييز بين نقد نموذج الدولة القومية المركزية وبين إنكار وجود القوميات أو التقليل من أهمية حقوقها. فقد تتغير أشكال الدولة وأنماط الحكم، وقد تتطور النظم السياسية نحو صيغ أكثر لامركزية أو تشاركية، لكن ذلك لا يلغي حقيقة وجود الشعوب وهوياتها التاريخية. فالهوية القومية ليست مجرد نتاج لسلطة سياسية، بل هي حصيلة تاريخ طويل من اللغة والثقافة والذاكرة المشتركة، ولا يمكن تجاوزها بخطاب سياسي أو أيديولوجي، لأنها تمثل أحد المكونات الأساسية لشخصية المجتمعات.
وفي الحالة السورية، تكتسب هذه المسألة أهمية استثنائية، لأن سوريا كانت وما تزال وطناً لتعدد قومي وثقافي وديني غني. ومن ثم، فإن أي مشروع لبناء دولة ديمقراطية مستقرة ينبغي أن ينطلق من الاعتراف بهذا التنوع بوصفه حقيقة وطنية، وأن يؤسس لعقد اجتماعي جديد يقوم على المساواة الكاملة بين المواطنين، وعلى الاعتراف الدستوري بحقوق جميع المكونات، بعيداً عن سياسات الإنكار أو الإقصاء أو الامتيازات القومية.
إن أخوة الشعوب ليست شعاراً أخلاقياً مجرداً، بل مشروعاً سياسياً وحضارياً يقوم على العدالة، وسيادة القانون، والمشاركة المتكافئة، والاعتراف المتبادل. فحين يشعر كل مكون بأن لغته محترمة، وثقافته مصونة، وهويته معترف بها، وحقوقه مكفولة، يصبح التعاون بين الشعوب خياراً طبيعياً، وتتحول الشراكة الوطنية إلى قاعدة راسخة للاستقرار والتنمية.
وفي النهاية، فإن الطريق إلى أخوة الشعوب لا يبدأ بإلغاء الهويات، ولا بتذويب الخصوصيات القومية في شعارات عامة، بل يبدأ بالاعتراف المتبادل، والاحترام المتساوي، والعدالة الدستورية، والشراكة السياسية الحقيقية. فالسلام الدائم لا يبنى على إنكار الاختلاف، وإنما على إدارته في إطار دولة ديمقراطية تجعل من التنوع مصدر قوة، ومن المواطنة إطاراً جامعاً، ومن الحقوق القومية ركناً أساسياً في بناء وحدة وطنية تقوم على الإرادة الحرة والعدالة، لا على الهيمنة أو الإقصاء.