شادي حاجي
بعد سنوات طويلة من الحرب والانقسام، تقف سوريا أمام لحظة مفصلية لإعادة تعريف شكل الدولة ونظامها السياسي. وبين أولويات الأمن وإعادة الإعمار واستعادة الاستقرار، يبرز سؤال لا يقل أهمية: ما هو شكل الحكم الذي يُراد لسوريا أن تتجه إليه؟ وهل يمكن الحديث عن بناء دولة ديمقراطية من دون حياة حزبية فعلية؟
صدر الإعلان الدستوري المؤقت بوصفه إطاراً للمرحلة الانتقالية، محدداً ملامح عامة لتنظيم السلطات والحقوق. لكنه، مثل كثير من النصوص الانتقالية، لا يجيب بشكل حاسم عن سؤال جوهري: كيف ستُترجم هذه المبادئ إلى نظام سياسي فعلي على الأرض؟ فالديمقراطية ليست نصوصاً مجردة، بل مؤسسات حية، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية التي تشكل الأداة الأساسية للمشاركة، والمنافسة، وتداول السلطة.
المشكلة لا تتعلق فقط بغياب قانون ينظم الأحزاب السياسية حتى الآن، بل بغياب رؤية سياسية واضحة لمستقبل التعددية السياسية نفسها. إذ إن عدم تنظيم الحياة الحزبية يترك المجال مفتوحاً أمام نمط حكم تهيمن فيه السلطة التنفيذية، بينما تُهمّش أدوات الرقابة والمنافسة السياسية، وهو ما يتعارض مع جوهر أي انتقال ديمقراطي حقيقي.
ويزداد هذا الغموض عندما نلاحظ أن مصطلح “الديمقراطية” لم يرد بشكل صريح في الإعلان الدستوري الانتقالي، كما لم يتبلور بوضوح في الخطاب الرسمي المعلن للقيادة الانتقالية. هذا الغياب لا يمكن اعتباره تفصيلاً لغوياً، بل مؤشر يستحق النقاش حول الاتجاه العام للنموذج السياسي الذي يجري تشكيله، خاصة في مرحلة تُرسم فيها قواعد الدولة لعقود قادمة.
في المقابل، لا يمكن بناء دولة مستقرة في مجتمع متعدد القوميات والثقافات مثل سوريا دون أطر سياسية تنظم هذا التنوع. فالأحزاب السياسية ليست ترفاً ديمقراطياً، بل ضرورة لتنظيم الاختلاف وتحويله من مصدر صراع إلى أداة مشاركة. وعندما تُغلق قنوات التمثيل السياسي، فإن البديل غالباً ما يكون الاحتقان أو التمثيل غير المؤسسي.
ومن الطبيعي أن تضم الساحة السياسية أحزاباً تعبر عن مختلف المكونات السورية، بما في ذلك المكونات القومية والثقافية، على أن تعمل جميعها ضمن إطار دستوري يحفظ وحدة الدولة ويضمن الحقوق المتساوية للمواطنة. فالمشكلة ليست في وجود التعدد، بل في غياب الأطر التي تنظم هذا التعدد بشكل سلمي ومؤسسي.
إن الأنظمة الديمقراطية لا تُقاس بمدى إعلانها عن الديمقراطية، بل بقدرتها على بناء أدواتها: انتخابات حرة، أحزاب سياسية فاعلة، وقضاء مستقل، وتداول سلمي للسلطة. ومن دون هذه الأدوات، تبقى الديمقراطية شعاراً أكثر منها نظام حكم.
ولا شك أن المرحلة الانتقالية قد تبرر إجراءات استثنائية، لكن الخطورة تكمن في تحول الاستثناء إلى قاعدة. فتعطيل الحياة الحزبية أو تأجيلها دون سقف زمني واضح لا يعني فقط تأجيل الديمقراطية، بل إعادة إنتاج مركزية سياسية يصعب تفكيكها لاحقاً.
في المحصلة، السؤال لم يعد نظرياً: هل تحتاج سوريا إلى أحزاب سياسية؟ بل أصبح أكثر دقة وإلحاحاً: هل يُراد لسوريا أن تكون دولة ديمقراطية فعلاً، أم دولة تُدار بدون منافسة سياسية منظمة؟