أزاد خليل *
قبل أن تختلف أو تتفق، اقرأ المقال كاملاً. لا تقتطع جملة من سياقه، ولا تحاكم فكرة قبل أن تكتمل. ثم اكتب رأيك، فالنقاش المسؤول هو ما يصنع الوعي السياسي.
كانت الإدارة الذاتية وقوات سوريا الديمقراطية تديران فعلياً مساحة جغرافية تعادل مساحة لبنان عدة مرات، وتضم ثلاث محافظات كاملة وأجزاء واسعة من ريف حلب الشرقي. وكانت هذه المنطقة تمثل الثقل الزراعي والغذائي والمائي في سوريا، وتحتضن حقول النفط والغاز، والمعابر الحدودية المهمة مثل اليعربية وسيمالكا، إضافة إلى المعابر مع مناطق النظام ومناطق النفوذ التركي. كما كانت تضم كتلة سكانية تتراوح بين أربعة وخمسة ملايين إنسان.
هذا ليس توصيفاً سياسياً، بل حقيقة يعرفها الجميع.
كنت، كما كثيرون غيري، من المدافعين عن هذه التجربة. دافعنا عنها بأقلامنا، وبحضورنا السياسي، وبحججنا في النقاشات واللقاءات والاجتماعات. لم نحمل السلاح يوماً، لكننا حملنا مسؤولية الدفاع عنها في وجه حملات التشويه والاستهداف.
وخلال تلك المرحلة، التقيت بالقائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، الجنرال مظلوم عبدي، وطرحت عليه رغبتي في العودة إلى روج آفا والعمل والمساهمة في تطوير مؤسساتها. كما اقترحت إنشاء وزارة للشباب تكون مهمتها ربط آلاف الشباب الكرد والسوريين المتعلمين في الخارج بمؤسسات الداخل، والاستفادة من خبراتهم العلمية والمهنية. وقد لقيت الفكرة اهتماماً واستحساناً خلال اللقاء.
وبناءً على طلبه، أرسلنا تصوراً متكاملاً للمشروع، كما قدمنا سلسلة من المقترحات المتعلقة بتطوير الأداء المؤسسي للإدارة الذاتية، وقمنا بجولات ميدانية ولقاءات سياسية مع عدد من المسؤولين في الإدارة قبل نحو عام من الأحداث الأخيرة.
لكن، للأسف، لم تتحول تلك الأفكار إلى خطوات عملية .
ثم جاءت التطورات العسكرية والسياسية المتسارعة، وما رافقها من أحداث مؤلمة في الشيخ مقصود والأشرفية، والتقدم العسكري، والانتهاكات التي رافقت بعض عمليات الانسحاب لقوات قسد وخروجها من المناطق المنسحبة وسقوط عدد كبير من الضحايا من أبناء الشعب الكوردي وارتكبت المجازر و الإنتهاكات بحق شعبنا .
عندها انطلقت التحركات السياسية والجماهيرية في مختلف دول العالم دفاعاً عن المناطق الكوردية، ومحاولة لمنع انهيار ما تبقى من التجربة السياسية والعسكرية، إلى أن وصلنا لاحقاً إلى اتفاق 29 كانون الثاني، وبدأ الحديث عن مرحلة جديدة عنوانها “الدمج”.
وهنا بدأت خيبة الأمل.
لم تكن خيبة شخصية، بل شعوراً واسعاً امتد داخل الشارع الكردي في الداخل والخارج. ارتفعت أصوات النقد، وكنت واحداً ممن كتبوا وانتقدوا بقسوة، ليس بدافع الخصومة، وإنما لأن حجم الخسارة كان أكبر من أن يُقابل بالصمت.
لقد كنا نتحدث، قبل سنوات قليلة، عن تجربة تمتلك مقومات كيان سياسي وإداري متكامل، بينما أصبحنا اليوم نناضل من أجل حقوق ثقافية ولغوية أساسية، كحق كتابة لافتة باللغة الكردية.
كان من الطبيعي، في مثل هذه اللحظات التاريخية، أن ينتظر الناس مراجعة نقدية شجاعة من القيادات، بدءاً من السيد مظلوم عبدي والسيدة إلهام أحمد، وصولاً إلى مختلف مستويات المسؤولية.
فالاعتراف بالأخطاء ليس ضعفاً، والاعتذار ليس إهانة، والاستقالة عند الحاجة ليست سقوطاً، بل قد تكون أعلى درجات احترام المسؤولية السياسية.
كما أن إفساح المجال أمام الكفاءات المستقلة والشباب للمشاركة في صناعة القرار هو أحد شروط تجديد أي تجربة سياسية.
لكن ما نراه، في كثير من الأحيان، هو خطاب دفاعي يرفض النقد، ويتعامل معه وكأنه استهداف، بل يصل أحياناً إلى التشكيك بالمستقلين أو التقليل من آرائهم، مع العودة إلى شعارات لم تعد تقنع الشارع الذي ينتظر حلولاً لا خطابات.
ومن الأمثلة التي أثارت كثيراً من الجدل، تنظيم فعاليات وشعارات سياسية لا تمس الأولويات اليومية للمواطن،
كخروج المظاهرات في مدننا الفقيرة المنهكة مطالبة بحرية السيد أوجلان في وقت يحتاج فيه الناس إلى خطاب يعالج ملفات الأمن والخدمات والاقتصاد والتعليم وإعادة بناء الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
كما يحق لأي مواطن أن يتساءل: كيف لمنطقة امتلكت كل تلك الموارد الاقتصادية، من نفط وغاز وزراعة ومياه ومعابر، أن تعجز عن تحقيق نقلة ملموسة في مستوى الخدمات والبنية التحتية في العديد من المدن والبلدات؟
وكيف صُرفت إمكانات هائلة على مشاريع عسكرية وتحصينات، وأنفاق كلفت المليارات وميزانيات دول بينما بقيت قطاعات أساسية، كالتنمية والخدمات، دون المستوى الذي كان ينتظره السكان؟
هذه أسئلة سياسية مشروعة، ولا ينبغي أن تُفسَّر باعتبارها موقفاً عدائياً من التجربة، بل باعتبارها جزءاً من مسؤولية أي مجتمع يريد حماية منجزاته ومنع تكرار أخطائه.
إن ما حدث أكبر من أن يُختزل في مبررات ظرفية أو يُفسَّر بعامل واحد. فالظروف الإقليمية والدولية كانت بلا شك معقدة، لكن ذلك لا يلغي وجود أخطاء في الإدارة، وفي آليات اتخاذ القرار، وفي إدارة الموارد، وفي العلاقة مع المجتمع.
وحتى اليوم، ما زال الرأي العام ينتظر مراجعة سياسية صريحة، تعترف بما تحقق، وبما أخفق، وتوضح أين كانت مواطن الخلل، وكيف يمكن تصحيح المسار.
فالتجارب السياسية لا تنهار بسبب النقد، بل تنهار عندما تعتبر نفسها فوق النقد.
وأؤمن أن أي مشروع كردي أو وطني يريد الاستمرار لا يحتاج إلى التصفيق بقدر حاجته إلى الشفافية، ولا إلى تقديس الأشخاص بقدر حاجته إلى بناء المؤسسات، ولا إلى إقصاء الأصوات المستقلة، بل إلى الاستفادة منها.
فالأوطان لا تُبنى بالعواطف وحدها، وإنما بالنقد المسؤول، والمراجعة الصادقة، والقدرة على التعلم من الأخطاء قبل أن تتحول إلى خسائر يصعب تعويضها.
*كاتب وباحث سياسي