عبدالجابر حبيب
من حق الناس أن تتظاهر حين تجوع، ومن حقها أن ترفع صوتها حين تصبح الحياة أثقل من قدرتها على الاحتمال.
فالأسعار ترتفع باستمرار، والرواتب تتآكل، والخدمات تتراجع، والكهرباء تتحول إلى طيف عابر، فيما أصبح الوقود، الذي يفترض أنه أحد أهم موارد المنطقة وهماً لا وجوداً حقيقياً له في حياة المواطنين، وكان من الواجب أن يكون وسيلة أساسية لتخفيف معاناتهم.
لكن ما يثير الحيرة في المظاهرات الأخيرة التي شهدتها، ومازالت تشهدها مدن، وبلدات الجزيرة ليس المطالب نفسها، فهذه المطالب مشروعة تماماً، بل الجهة التي تُوجَّه إليها تلك المطالب، والتوقيت الذي خرجت فيه إلى الشارع.
فثمة فريق من المتظاهرين يوجّه خطابه إلى الحكومة السورية، وكأن مؤسسات الدولة هي التي كانت تدير المنطقة خلال السنوات الماضية. والحال أن معظم الدوائر الخدمية، والإدارية، والقضائية ما زالت خارج إطار العمل الطبيعي منذ أكثر من عقد، وأن السلطة الفعلية التي أدارت شؤون المنطقة طوال هذه السنوات كانت جهة أخرى معروفة للجميع.
وهنا يبرز سؤال منطقي: كيف يمكن تحميل مسؤولية التدهور الخدمي، والمعيشي لجهة لم تكن صاحبة القرار المباشر في إدارة الحياة اليومية للناس طوال هذه الفترة؟
وفي المقابل، هناك من يوجّه مطالبه إلى الإدارة القائمة في المنطقة، باعتبارها صاحبة السلطة التنفيذية الفعلية خلال السنوات الماضية، والمسؤولة عن إدارة الموارد والثروات والخدمات.
وهؤلاء يطرحون أسئلة يصعب تجاوزها: أين ذهبت عائدات النفط؟ لماذا لم تنعكس الثروات الموجودة في المنطقة على مستوى معيشة السكان؟ ولماذا بقيت البنية التحتية في حالة تراجع مستمر رغم مرور أكثر من عشر سنوات؟
الواقع الذي يراه المواطن بسيط وواضح؛ شوارع متهالكة، شبكة كهرباء شبه منهارة، خدمات متعثرة، ومشاريع تنموية تكاد تكون غائبة. وكأن الزمن توقف في هذه المنطقة عند لحظة معينة ولم يتحرك بعدها خطوة واحدة إلى الأمام.
أما التبرير السائد اليوم، والقائم على تحميل الدمج الإداري، أو الرسوم والضرائب المفروضة على المعابر كامل المسؤولية، فلا يبدو كافياً لتفسير أزمة تراكمت عبر سنوات طويلة، فالقرارات الأخيرة قد تكون ساهمت في تعقيد الوضع، لكنها لا تستطيع وحدها تفسير عقد كامل من التراجع الخدمي والاقتصادي.
الأكثر غرابة أن النقاش العام بات يدور بين من يريد تحميل الدولة السورية كامل المسؤولية، ومن يريد إعفاء الإدارة المحلية من أي مساءلة، بينما الحقيقة على الأرجح أكثر تعقيداً من هذا الاستقطاب الحاد.
الأزمات الكبرى لا تنشأ عادة من سبب واحد، كما أن المسؤولية لا تقع على طرف واحد فقط، لكنها أيضاً لا يمكن أن تُمحى عن الجهة التي كانت تدير المشهد طوال سنوات.
ويزداد المشهد التباساً حين نلاحظ ضعف المشاركة الشعبية قياساً بحجم المعاناة المعلنة. فلو كانت الأوضاع المعيشية وحدها هي المحرك الأساسي، لتوقع كثيرون خروجاً أوسع، وأكثر شمولاً يضم مختلف المكونات الاجتماعية التي تتقاسم المعاناة نفسها.
لذلك لا يبدو مستغرباً أن يطرح البعض تساؤلات حول الخلفيات السياسية لهذه التحركات، وحول الجهات المستفيدة من توجيه الغضب الشعبي نحو هذا الطرف أو ذاك في هذه اللحظة الحساسة.
ومع ذلك، يبقى الثابت الوحيد أن الناس تعاني فعلاً. فالفقر ليس وهماً، وارتفاع الأسعار ليس دعاية، وتراجع القدرة الشرائية حقيقة يومية يعيشها الجميع. المواطن الذي يتقاضى راتباً لا يكفيه لأيام معدودة لا تعنيه كثيراً السجالات السياسية، بقدر ما يعنيه أن يجد كهرباء وماءً ووقوداً وخبزاً وسعراً معقولاً للحياة.
لهذا فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا خرج الناس إلى الشارع، بل لماذا تأخروا كل هذا الوقت؟ أما السؤال الأهم فهو: هل ستتحول هذه الاحتجاجات إلى فرصة لمحاسبة جميع الجهات المسؤولة عن الواقع الحالي، أم أنها ستبقى مجرد ورقة جديدة في لعبة تبادل الاتهامات بين السلطات المختلفة؟
عندما تختلط المسؤوليات بالاتهامات، يصبح المواطن هو الخاسر الوحيد، وتتحول المظاهرات من وسيلة للضغط من أجل الإصلاح إلى ساحة صراع بين روايات سياسية متنافسة. وفي هذه الحالة يضيع جوهر القضية: الناس لا تطالب بالشعارات، بل بحياة يمكن احتمالها.