ماهين شيخاني
في تاريخ الشعوب محطات سوداء تبقى شاهدة على ظلمٍ عابر، وهناك محطات أخرى تتحول إلى أدلة إدانة دائمة ضد أنظمة حاولت إعادة تشكيل الجغرافيا والإنسان بالقوة. ومن بين أكثر الصفحات قتامة في تاريخ سوريا الحديث، يبرز مشروع الحزام العربي بوصفه واحداً من أخطر مشاريع التغيير الديموغرافي المنهجي التي استهدفت الشعب الكوردي في القرن العشرين.
لم يكن الأمر مجرد نزاع على الأرض، ولا مجرد قرار إداري اتخذته سلطة مركزية. بل كان مشروعاً سياسياً متكاملاً استهدف اقتلاع شعب من جذوره، وفصل الإنسان عن أرضه، وقطع الجغرافيا الكوردية عن امتدادها التاريخي، في محاولة لإعادة رسم الخريطة بما يتوافق مع رؤية قومية إقصائية لا تعترف بالتعدد ولا تقبل بالشراكة.
وبعد أكثر من نصف قرن على تلك السياسات، لا يزال السؤال قائماً: هل كان الحزام العربي مجرد خطأ سياسي، أم جريمة تاريخية ما زالت آثارها مستمرة حتى اليوم؟
حين تحولت العنصرية إلى برنامج عمل
تعود الجذور الفكرية لمشروع الحزام العربي إلى الدراسة التي أعدها الضابط محمد طلب هلال عام 1963 تحت عنوان:
“دراسة عن محافظة الجزيرة من النواحي القومية والاجتماعية والسياسية”.
لم تكن تلك الدراسة مجرد تقرير أمني عابر، بل تضمنت رؤية متكاملة لمعالجة ما وصفه صاحبها بـ”المشكلة الكوردية”، عبر سلسلة إجراءات تهدف إلى إضعاف الوجود الكوردي في الجزيرة السورية وعزله عن امتداده الطبيعي.
اقترحت الدراسة مجموعة من السياسات التي يمكن تلخيصها في ثلاثة أهداف رئيسية:
تفكيك الكثافة السكانية الكوردية على الشريط الحدودي.
قطع التواصل الجغرافي بين الكورد في سوريا والكورد في تركيا والعراق.
خلق واقع ديموغرافي جديد يجعل الوجود الكوردي أقل تأثيراً في المستقبل.
ومع وصول حزب البعث إلى السلطة ثم ترسيخ حكم حافظ الأسد، لم تبق هذه الأفكار حبراً على ورق، بل تحولت تدريجياً إلى سياسة رسمية للدولة.
القرار 521: إعلان الحرب على الجغرافيا
في 24 حزيران 1974 صدر القرار رقم 521 الذي وضع مشروع الحزام العربي موضع التنفيذ.
امتد المشروع على طول يقارب 275 كيلومتراً بمحاذاة الحدود السورية التركية، وبعمق يتراوح بين 10 و15 كيلومتراً، من ديرك شرقاً حتى سري كانيه غرباً.
في إطار هذا المشروع:
صودرت ملايين الدونمات من الأراضي الزراعية الخصبة.
هُجّر عشرات الآلاف من المواطنين الكورد من قراهم وأراضيهم.
أُسكنت عائلات عربية في مستوطنات أنشئت خصيصاً داخل الشريط المستهدف.
جرى تغيير أسماء القرى والمواقع الجغرافية الكوردية واستبدالها بأسماء عربية.
فُرض واقع سكاني جديد هدفه إعادة تشكيل هوية المنطقة.
لقد كان الهدف واضحاً: تغيير الإنسان والجغرافيا معاً.
فالأرض التي عاشت عليها عائلات كوردية لأجيال طويلة لم تعد تُعامل باعتبارها موطناً لأصحابها التاريخيين، بل تحولت إلى مادة في مشروع هندسة سكانية تديره الدولة.
الإحصاء الاستثنائي: تمهيد للجريمة
لم يبدأ استهداف الكورد مع الحزام العربي، بل سبقه الإحصاء الاستثنائي عام 1962 الذي جُرد بموجبه أكثر من 120 ألف كوردي من الجنسية السورية.
وبمرور الزمن، تضاعف عدد المتضررين ليصل إلى مئات الآلاف من الأبناء والأحفاد الذين عاشوا بلا جنسية، محرومين من أبسط الحقوق المدنية.
إذا كان الإحصاء الاستثنائي قد استهدف الإنسان الكوردي قانونياً، فإن الحزام العربي استهدفه جغرافياً.
الأول سلبه حق المواطنة.
والثاني سلبه الأرض.
وبين الاثنين تشكلت واحدة من أكثر السياسات التمييزية قسوة في تاريخ سوريا المعاصر.
فشل المشروع ونجاح الذاكرة
قد تنجح الأنظمة في تغيير الخرائط، لكنها تفشل دائماً في محو الذاكرة.
ورغم عقود من القمع والتعريب والتهميش، لم تختفِ الهوية الكوردية كما أراد مهندسو المشروع.
بقيت اللغة حية في البيوت.
وبقيت الأسماء الأصلية متداولة بين الناس.
وبقيت الذاكرة الجماعية تنقل للأجيال الجديدة قصة الأرض التي صودرت والقرى التي غُيّرت أسماؤها والحقوق التي انتُزعت بالقوة.
لقد راهنت السلطة على الزمن، معتقدة أن مرور السنوات كفيل بطمس الحقيقة.
لكن ما حدث كان العكس تماماً.
فالجرح الذي يُترك بلا عدالة لا يندمل، بل يتحول إلى ذاكرة وطنية مقاومة.
لا مصالحة بلا عدالة
اليوم، وبعد سقوط كثير من المسلمات التي حكمت سوريا لعقود، لا يمكن الحديث عن دولة جديدة أو عقد اجتماعي جديد من دون مواجهة هذه الصفحة السوداء بشجاعة ومسؤولية.
فالمصالحة الوطنية الحقيقية لا تُبنى على النسيان، بل على الاعتراف.
ولا يمكن بناء دولة المواطنة بينما تبقى آثار سياسات التمييز والتغيير الديموغرافي قائمة.
إن أي مشروع وطني جاد يجب أن يتضمن:
الاعتراف الرسمي بظلم الحزام العربي وسياسات التعريب.
إعادة الحقوق لأصحابها وفق آليات قانونية عادلة.
حماية التنوع القومي والثقافي دستورياً.
الاعتراف باللغة الكوردية وتراثها بوصفهما جزءاً أصيلاً من الهوية السورية.
ضمان عدم تكرار سياسات الإقصاء والتمييز مستقبلاً.
فالاستقرار لا يتحقق بالقوة، بل بالعدالة.
خاتمة: الجغرافيا قد تُصادر… لكن التاريخ لا يُصادر
لم يكن الحزام العربي مجرد مشروع زراعي أو خطة تنموية كما حاولت السلطة تصويره، بل كان محاولة منظمة لإعادة هندسة هوية منطقة كاملة عبر القوة والقانون والإكراه.
ورغم مرور أكثر من خمسين عاماً، ما زالت تلك السياسة تمثل جرحاً مفتوحاً في الذاكرة الكوردية والسورية معاً.
لقد أراد أصحاب المشروع أن يقتلعوا كوردستان من الخريطة، لكنهم اكتشفوا متأخرين أن الأوطان لا تعيش على الورق فقط، بل في ذاكرة شعوبها.
ولهذا بقيت القرى في الوجدان حتى عندما غُيّرت أسماؤها، وبقيت الأرض تعرف أصحابها حتى عندما صودرت، وبقيت الهوية حية رغم كل محاولات الإنكار.
فالتاريخ قد يتأخر في إنصاف المظلومين، لكنه لا يبرئ الظالمين.
والجرائم التي تستهدف الإنسان والأرض والهوية لا تسقط بالتقادم، لأنها لا تُرتكب ضد جيل واحد، بل ضد ذاكرة شعب بأكمله.