عندما يشتد لهيبها، الحرائق لا تعرف الحدود

فرهاد دريعي / المانيا 

في الأعوام الماضية القريبة والى اليوم يتحول موسم الحصاد في الجزيرة السورية والمناطق الكوردية من لحظة فرح وبناء اقتصادي إلى كابوس سنوي مرعب، حيث تلتهم النيران آلاف الهكتارات من حقول القمح والشعير في هذه المنطقة التي كانت تُعرف تاريخياً بـ سلة غذاء سوريا.  

إذ لم يعد الحريق مجرد حادث بيئي ناتج عن ارتفاع درجات الحرارة بل أداة من أدوات الصراع الجيوسياسي فتحول إلى سلاح اقتصادي فتاك يُستخدم في تصفية الحسابات والضغط على مختلف الحواضن الشعبية.

سأحاول في هذا ​ التحليل أن أوضح أبعاد هذه الأزمة الشائكة وأستشرف مآلاتها في ظل التجاذبات الإقليمية والمحلية المعقدة اعتمادا على استنتاجاتي وقراءاتي للمقالات والاخبار ذات الصلة وكذلك من انطباعاتي وقناعاتي باعتباري ابن منطقة الحرائق، وكذلك استعانتي بالذكاء الاصطناعي في تحليل بعض الجوانب من هذا الملف الشائك .

​دعونا نتساءل في ظل خارطة المصالح والتجاذبات: من يشعل عود الثقاب؟

ليعلم الذي لا يعلم ​إن منطقة شرق الفرات تتميز بتعدد القوى المسيطرة والمؤثرة، مما يجعل جغرافيا النار ممتدة ومتعددة الأسباب وإن لتنظيم داعش (الخلايا النائمة) دور في إشعال متعمد للحرائق بعبوات متخصصة، ويتبنى ذلك  عن طريق إعلام رسمي ثأراً من المجتمعات المحلية التي ساهمت في دحره بقيادة كوردية ، لأجل تقويض استقرار نموذج الإدارة الذاتية. 

هناك عامل آخر أيضا وهو التنافس الاقتصادي على شكل حرب باردة بين دمشق وقامشلو وحرب الأسعار، والقيود على حركة الشحن، والاتهامات المتبادلة، وصراع السيطرة على السيادة الغذائية وتأمين القمح لدعم مخزون الطحين وتفادي أزمات الخبز. وكل هذا له دور كبير في زيادة لهيب هذه الحرائق. 

ثم هناك العامل الاهم وهو الجانب التركي وفصائل المعارضة التابعة له والعاملة تحت أمرته وتنفيذ أجنداته، حيث تقوم بقصف مدفعي حدودي حينا وبوسائل أخرى عن طريق عملائه وأذرعه داخل الوطن أحيانا، باستهداف مباشر للحقول القريبة من خطوط التماس للضغط العسكري والاقتصادي على مناطق نفوذ قوات سوريا الديمقراطية، وتفريغ الشريط الحدودي ديموغرافياً.

وبطبيعة الحال كل هذا لا ينفي العوامل البيئية والبنيوية وشرارات الحصادات والاليات الأخرى، وغياب فرق الإطفاء المتطورة، والتغير المناخي كلها تفاقم النيران المفتعلة وتحولها إلى حرائق عابرة للحدود والقرى بسبب ضعف الإمكانيات.

إن التحليل الجيوسياسي لسلاح الإحراق

وقراءة المشهد في الجزيرة والمناطق الكوردية تكشف عن ثلاثة مستويات من المكايد السياسية:

​1- حرب الأسعار والابتزاز الاقتصادي حيث ​تخوض الحكومة السورية المؤقتة في دمشق ضد الإدارة الذاتية في شمال وشرق سوريا  سباقاً محموماً كل عام لاستقطاب محصول القمح من الفلاحين  فالقمح هنا ليس مجرد مادة غذائية فحسب بل هو عملة سياسية صلبة تمنح من يمتلكها شرعية داخلية وقدرة على إطعام ملايين السكان دون الارتهان للاستيراد الخارجي وفي هذا السياق تُستغل الحرائق أحياناً لترهيب المزارعين أو إجبارهم على بيع محاصيلهم لجهة دون أخرى خوفاً من خسارتها بالكامل، أو كعقوبة اقتصادية متبادلة لمنع وصول القمح إلى مراكز الشراء التابعة للخصم.

​2- استراتيجية الأرض المحروقة لتنظيم داعش

ف​بعد انحسار سيطرته الجغرافية، انتقل تنظيم داعش إلى نمط حرب العصابات الاقتصادية، ويعتبر التنظيم أن حرق حقول المزارعين الكرد والعرب أيضاً في الجزيرة هو عقوبة مباشرة لهم على تعاونهم مع التحالف الدولي وقوات سوريا الديمقراطية. فهي استراتيجية تهدف إلى ضرب الاستقرار المعيشي وإحداث فوضى اجتماعية تتيح لخلاياه التحرك مجدداً وسط بيئة يسودها الفقر والإحباط.

​3- الضغط التركي عبر خطوط التماس

​تعد حقول القمح الممتدة على طول الشريط الحدودي وشمال الحسكة مثل مناطق ديرك، جل اغا ،قامشلو، عامودا، الدرباسية، وصولاً إلى ريف سري كانيه وتل تمر نقاط تماس عسكرية ساخنة ويتكرر فيها سيناريو اندلاع الحرائق نتيجة القصف أو الاستهداف العمد من الحرس الحدود التركي، حيث يسعى الجانب التركي لفرض منطقة عازلة غير معلنة عبر حرمان السكان من استغلال أراضيهم زراعياً، مما يدفعهم تدريجياً نحو النزوح الداخلي والهجرة أيضاً.

هنا يتبين لنا​خطورة الأزمة فهي لا تكمن في تفحم السنابل بقدر ما تكمن في تفحم الثقة المحلية بين مختلف شرائح الشعب وطوائفهم وانتماءاتهم.

حيث ​تتجاوز الخسائر الجانب المالي الذي يُقدر بملايين الدولارات سنوياً لتضرب العصب الاجتماعي للمنطقة وتوقعه في ​فخ الديون القاتل فيلجأ مزارعو الجزيرة إلى الاستدانة لتأمين البذار والسماد والمحروقات بالدولار الأمريكي، على أمل السداد بعد الحصاد. واحتراق المحصول يعني دخول الفلاح في دوامة ديون لا تنتهي مما يدفعه لبيع أرضه أو هجرها.

هنا سأشير إلى اختبار كفاءة الإدارة الذاتية، فالحرائق المتكررة تضع الإدارة الذاتية في موقف حرج أمام حاضنتها الشعبية، حيث تظهر عاجزة عن حماية أرزاق الناس أو تقديم تعويضات عادلة، مما يغذي الاحتجاجات العشائرية والمحلية ويزيد من فجوة الثقة.

وبه يحدث ما يُخاف منه ، من تغيير ديموغرافي صامت. فعندما تصبح الزراعة في الجزيرة مهنة عالية المخاطر وغير مجدية، يتسارع قطار الهجرة للشباب الكورد والعرب على حد سواء نحو الخارج، مما يفرغ المنطقة من قواها الإنتاجية ويغير توازنها الديموغرافي التاريخي.

​إذن، إلى أين؟

​بالنظر إلى المعطيات الميدانية والسياسية المعقدة، يتجه ملف أمن القمح في الجزيرة وعموم المناطق الكوردية  نحو ثلاثة مسارات محتملة:

​السيناريو الأول هو استمرار حرب الإستنزاف الرمادية والأرجح ​أن تبقى هذه الحرائق أداة موسمية يتم توظيفها سياسياً بـجرعات مسيطر عليها، ويستمر التراشق الإعلامي بين الأطراف، مع عجز ميداني عن ضبط الخلايا النائمة أو منع التوترات الحدودية، مما يعني بقاء المزارع هو الضحية الوحيدة التي تدفع الثمن، وتحول الزراعة الاستراتيجية إلى زراعة معاشية محدودة.

و​السيناريو الثاني هو بروتوكول الضرورة وتفاهمات الخبز

ف​تحت وطأة التغيرات المناخية القاسية والانهيار الاقتصادي العام في سوريا، قد تندفع القوى المحلية (دمشق وقامشلو) وبرعاية روسية أو دولية إلى تنسيق أمني وزراعي لإنقاذ ما يمكن إنقاذه. وقد يشمل هذا السيناريو تسهيل حركة الإطفاء، وتوحيد أسعار الشراء لتجنب الصدام، واعتبار الأمن الغذائي منطقة تحييد إنساني، ومع ذلك تظل الشكوك السياسية العميقة عائقاً أمام استدامة هذا المسار.

أما​السيناريو الثالث فهو الانهيار الهيكلي والهجرة الشاملة

ف​إذا تصاعدت المكايد الإقليمية ودخلت المنطقة في أتون جولة عسكرية واسعة النطاق بالتزامن مع كل موسم حصاد فقد نشهد انهياراً كاملاً للقطاع الزراعي في شرق الفرات. وهذا السيناريو سيقود إلى مجاعة حقيقية تضرب كافة الجغرافيات السورية لأن دمشق تعتمد أيضاً على قمح الجزيرة بشكل كبير جدا عبر التجارة والتهريب، مما يفجر موجات نزوح ولجوء جديدة غير مسبوقة.

​هنا يظهر جلياً إن النيران التي تأكل قمح الجزيرة ماهي إلا انعكاس للنار السياسية المشتعلة في الملف السوري ككل، ولن تتوقف هذه السنابل عن الاحتراق إلا إذا أدركت القوى المتصارعة أن تجويع السوريين وضرب أمنهم الغذائي هو خط أحمر سينعكس وبالاً على الجميع دون استثناء، فالحرائق لا تعترف بالحدود السياسية ولا بخرائط السيطرة العسكرية عندما يشتد لهيبها.

 

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

حسن قاسم ما تشهده المناطق الكوردية في سوريا من اعتصامات ومظاهرات ليس حدثاً عابراً، ولا يمكن اختزاله في رد فعل آني على أزمة معيشية طارئة. ما يجري هو تعبير متراكم عن غضب شعبي ناتج عن سنوات طويلة من سوء الإدارة، وغياب الشفافية، وانعدام المساءلة، رغم أن هذه المناطق تُعد من أغنى مناطق سوريا بالموارد الطبيعية والزراعية. السؤال الذي يطرحه الناس…

يقول زعيم العمال الكردستاني عبدالله أوجلان: إن من أهم المخاطر المهددة لتركيا هي الكيان القائم في شمال العراق بشكل خاص تحت تسمية “الكيان الكردي” ففي الصفحة 173 من كتابه (( دفاعي منعطف على مسار الحل الديمقراطي)) يشير قائلا ً: بقدر ما نسعى إلى إبعاد تركيا وإنقاذها من المخاطر الكبيرة المنتظرة، فإننا أيضاً نود عودة تركيا إلى القوة والعظمة التي كانت…

ماهين شيخاني في تاريخ الشعوب محطات سوداء تبقى شاهدة على ظلمٍ عابر، وهناك محطات أخرى تتحول إلى أدلة إدانة دائمة ضد أنظمة حاولت إعادة تشكيل الجغرافيا والإنسان بالقوة. ومن بين أكثر الصفحات قتامة في تاريخ سوريا الحديث، يبرز مشروع الحزام العربي بوصفه واحداً من أخطر مشاريع التغيير الديموغرافي المنهجي التي استهدفت الشعب الكوردي في القرن العشرين. لم يكن الأمر مجرد…

عبدالكريم محمد في بقعةٍ من هذه الجغرافيا الممزقة يعيش شعبٌ بلا وطنٍ مكتمل، وبلا إرادةٍ حرة، وبلا قيادةٍ تشعر بمعاناته. شعبٌ يُطلب منه أن يحتفل بأعيادٍ ومناسباتٍ وشعاراتٍ لا يصدقها حتى أصحابها، بينما يدرك الجميع أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى ستارٍ لإخفاء الفساد والفشل وسوء الإدارة. هل يُعقل أن تعاني الحسكة من انقطاع المياه والكهرباء وغياب المحروقات والمولدات،…