متى صار الكورد تُركًا وعربًا وفرسًا وصارت الساسانية فارسية؟ (1/3)

د. محمود عباس

تحريف قصيدة عدي بن زيد وتعويم الذاكرة الساسانية

لم يكن تحريف تاريخ الشعب الكوردي حادثة عابرة، ولا خطأً منفردًا في رواية هنا أو نسخة هناك، بل يبدو، كلما تعمقنا في النصوص القديمة، وكأنه مسار طويل من الإزاحة والمحو والتذويب. والغريب في هذه الظاهرة أنها لا تبدأ في الأزمنة الحديثة وحدها، ولا مع الدول القومية التي اقتسمت كوردستان لاحقًا، بل تمتد جذورها إلى ما بعد انهيار الإمبراطورية الساسانية، ثم تتصاعد بوضوح في العصور الإسلامية، ولا سيما بعد العصر العباسي، حيث أخذت كثير من الأسماء والهويات والشواهد تُعاد صياغتها داخل سرديات الغالبين.

من هنا جاء السؤال الذي دفعني إلى كتابة كتابي: هل كان للكورد أدباء وفلاسفة قبل الإسلام؟ لم يكن السؤال بحثًا عن أسماء ضائعة فحسب، بل عن آلية ضياعها أيضًا. كيف يمكن لأمة عريقة عاشت في قلب الحضارات الزاغروسية والميدية والساسانية، وشاركت في جيوش الإمبراطوريات، وفي طرق التجارة، وفي فضاءات الدين والفلسفة واللغة، أن تظهر في كتب الآخرين وكأنها بلا أدب، بلا فكر، بلا فلاسفة، وبلا ذاكرة مكتوبة؟ هل كان الغياب حقيقيًا، أم أن ما غاب هو نتيجة محو منهجي طويل؟

إن أخطر ما تعرض له التاريخ الكوردي لم يكن الحذف وحده، بل التعويم أيضًا. فكل ما اتصل بالإمبراطورية الساسانية جرى لاحقًا اختزاله تحت اسم «فارس»، وكأن الساسانية كانت كتلة فارسية خالصة، لا فضاءً واسعًا متعدد الشعوب واللغات والأقاليم. وكان الكورد، بما يمثلونه من امتداد ميدي–زاغروسي عميق، في قلب هذا المجال لا على هامشه، إلى جانب الفرثيين والديلم وسكان الجبال، فضلًا عن الفرس وغيرهم من مكونات العالم الإيراني القديم والوسيط. وبهذا التعميم، جرى تذويب الكورد داخل اسم أوسع، ثم جرى لاحقًا تذويب شواهدهم في أسماء أخرى: الأعاجم، الجبل، الموالي، الترك، والعرب.

والمثال الذي أتناوله هنا ليس إلا شاهدًا صغيرًا على كارثة كبيرة. إنه بيت شعري منسوب إلى عدي بن زيد العبادي، الشاعر الجاهلي، المولود نحو سنة 550م والمتوفى نحو سنة 600م، والمعروف بصلته بالحيرة والبلاط الساساني، وبمعرفته باللسان العربي وبالفضاء الفهلوي الساساني؛ لا بمعنى «الفارسية» القومية اللاحقة، بل بمعنى اللغة والثقافة الإدارية والفكرية التي كانت تتحرك داخل المجال الساساني الواسع.

وقد عاش عدي في زمن كانت فيه الإمبراطورية الساسانية واحدة من أعظم قوى العالم، وكان موقع الحيرة يضعه على تماس مباشر مع ذلك العالم، سياسيًا ولغويًا وثقافيًا. ومن هنا تأتي أهمية النص المنسوب إليه، لا بوصفه بيتًا شعريًا عابرًا، بل بوصفه أثرًا متصلًا ببيئته وزمنه.

لكن إشكالية هذا الشاهد لا تبدأ من عدي بن زيد نفسه، بل من الطريقة التي وصل بها إلينا لاحقًا، ولا سيما حين يظهر في رواية البحتري بعد ما يقارب ثلاثة قرون، بصيغة مختلفة بدّلت بعض مفاتيحه الدلالية، ونقلته من سياقه الأقرب إلى زمن الحدث إلى أفق عباسي متأخر، مشبع بتصورات أخرى عن الساسانيين والجيوش والشعوب.

فالبحتري، المولود سنة 821م والمتوفى سنة 897م، جاء بعد عدي بن زيد بما يقارب ثلاثة قرون. لذلك لا يجوز أن يُعامل بوصفه شاهدًا على النص في لحظته الأولى، ولا على الحدث الساساني، ولا على الجيش الذي تحرك في القرن السادس الميلادي. البحتري شاعر كبير، نعم، لكنه هنا ناقل ومتخيّر في حماسته، لا صاحب القصيدة ولا ابن ظرفها التاريخي.

ومن هنا يصبح الفرق بين الصيغتين ليس تفصيلًا لغويًا بريئًا، بل مدخلًا لفهم كيف يمكن للرواية المتأخرة أن تعيد تشكيل الذاكرة، وأن تستبدل أسماء الشعوب والجغرافيا بما ينسجم مع وعي عصرها، لا مع حقيقة النص الأولى.

وقد وردت المقطوعة في حماسة البحتري منسوبة إلى عدي بن زيد العبادي بهذه الصيغة، ونكتفي هنا بموضع الشاهد الذي تتصل به الإشكالية:

فَبِتُّ أُعَدِّي كَمْ أَسَافَتْ وَغَيَّرَتْ

وُقُوعُ المَنُونِ مِنْ مُسَوَّدٍ وَسَائِدِ

صَرَعْنَ قُبَاذًا رَبَّ فَارِسَ كُلِّهَا

وَحَشَّتْ بِأَيْدِيهَا بَوَارِقَ آمِدِ

عَصَفْنَ عَلَى الحَيْقَارِ وَسْطَ جُنُودِهِ

وَبَيَّتْنَ فِي لَذَّاتِهِ رَبَّ مَارِدِ

وَجِئْنَ بِتُرْكٍ مِنْ قَرَارِ بِلَادِهِمْ

يَسِيرُ بِجَمْعٍ كَالدَّبَا المُتَسَانِدِ

وهذه الرواية، كما وصلت في حماسة البحتري، تثير إشكالية مركبة لا يمكن المرور عليها بوصفها اختلافًا عابرًا في اللفظ. فهي تجمع بين تعويم المجال الساساني المركب داخل اسم «فارس»، حين تجعل قُباذ «ربّ فارس كلها»، وبين إزاحة اسم الكورد من موضعه المرجّح في سياق القصيدة لصالح قراءة «بترك»، وهي قراءة لا تنسجم، مع زمن الحدث ولا مع جغرافيته.

 

يبتع…

د. محمود عباس

الولايات المتحدة الأمريكية

8/6/2026 م

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أمين شيخ كلين ياسادة الافاضل : الرئيس البارزاني في دمشق ، بدعوة رسمية من الرئيس أحمد الشرع ، واستقبال رسمي في قصر الشعب السوري وحسب البروتوكول الرياسي المعتمد ، الملفت للانتباه هو رفع العلم الكردستاني لأول مرة في تاريخ سورية منذ نشأتها ، لان الحكومات السورية المتعاقبة ودون استثناء حاربت الأكراد وقضيتهم بكل الوسائل وبلاهوادة ومشروعي الإحصاء والحزام العربي ثم…

عبد الرحمن حبش ليس كل قائد يستطيع أن يحول حضوره إلى رسالة وليس كل زيارة تكتب في بروتوكولات السياسة فقط بل هناك زيارات تسجل في ذاكرة الشعوب. لقد جاءت زيارة فخامة الرئيس نيجيرفان بارزاني إلى دمشق ولقاؤه برئيس المرحلة الانتقالية أحمد الشرع لتؤكد أن القضية الكوردية حاضرة بقوة وأنها لا يمكن تجاوزها في أي معادلة تخص مستقبل سوريا والمنطقة….

د. محمود عباس لا يمكن وضع الولايات المتحدة وإيران في كفتي ميزان واحدة، ثم طرح السؤال ببساطة، من ربح الحرب؟ لأن هذا السؤال، بصيغته المباشرة، يفترض منذ البداية أن الطرفين قوتان من طبيعة واحدة، وأنهما تخوضان الحرب بالمفهوم نفسه، وتقيسان الربح والخسارة بالمعايير ذاتها. وهذا، في تقديري، هو موضع الخطأ الأول في معظم القراءات التي تناولت المواجهة بينهما. المسألة أعمق…

لأول مرة في تاريخ سوريا، يكتب الرئيس السوري أحمد الشرع تغريدة باللغة الكردية، بمناسبة زيارة رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني إلى دمشق. وتكتب اللغة الكردية في سوريا وتركيا بالحروف اللاتينية، وليس بالحروف العربية كما هو الحال في اقليم كردستان العراق، حيث تستخدم السورانية المكتوبة بالأبجدية العربية المعدلة. وفيما يلي نص تغريدة الرئيس السوري أحمد الشرع: أحمد الشرع…