اتفاق أفضل من اتفاق 2015؟ ترامب بين شروط الحرب وضغط الانتخابات

عدنان بدرالدين

حين انسحب دونالد ترامب من الاتفاق النووي مع إيران عام 2018، قدّم قراره بوصفه تصحيحًا لاتفاق سيئ، مؤقت، وناقص. كان اعتراضه الأساسي أن الاتفاق قيّد أجزاء من البرنامج النووي الإيراني، لكنه لم يعالج برنامج الصواريخ، ولم يوقف نفوذ طهران الإقليمي، ولم يفرض قيودًا دائمة تمنعها من الاقتراب مجددًا من العتبة النووية.

وبعد ثماني سنوات، يجد ترامب نفسه أمام السؤال الذي حاول تجاوزه: هل استطاع فعلًا الحصول على اتفاق أفضل، أم أنه عاد، بعد حرب مكلفة، إلى الفكرة الأساسية نفسها التي قام عليها اتفاق 2015: قيود نووية مقابل تخفيف العقوبات، لكن في سياق أوسع اضطرابًا وأعلى كلفة؟

النص المتداول لمذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية يجعل السؤال أكثر تعقيدًا. فهو لا يشبه اتفاق 2015 من حيث النطاق. لم يعد الملف النووي وحده في المركز. هناك وقف الحرب، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري، وإعفاءات النفط، والأموال المجمدة، وخطة إعادة إعمار وتنمية، ولبنان، ومفاوضات لاحقة حول الاتفاق النهائي خلال ستين يومًا.

هذا يجعل المذكرة أوسع من اتفاق 2015. لكنه لا يجعلها بالضرورة أفضل منه.

فاتفاق 2015 كان محدودًا في موضوعه، لكنه كان أكثر تفصيلًا في المجال الذي صُمم من أجله: التخصيب، المخزون، أجهزة الطرد المركزي، المنشآت، والتفتيش. أما المذكرة المتداولة فتتحدث عن مبادئ عامة وإطار انتقالي، وتؤجل التفاصيل النووية الحاسمة إلى مفاوضات لاحقة.

وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل الأفضل هو الاتفاق الأوسع، أم الاتفاق الأدق؟ وهل يستطيع ترامب تحويل مذكرة توقف الحرب إلى اتفاق نووي وسياسي أكثر صلابة من الاتفاق الذي انسحب منه؟

ماذا يعني «اتفاق أفضل»؟

كلمة «أفضل» تبدو واضحة في الخطاب السياسي، لكنها تفقد وضوحها عند الانتقال إلى التفاصيل.

هل يكون الاتفاق أفضل إذا فرض على إيران قيودًا أشد على التخصيب؟

أم إذا استمر مدة أطول؟

أم إذا شمل الصواريخ والنفوذ الإقليمي؟

أم إذا أعاد فتح الممرات البحرية وخفّض أسعار الطاقة؟

أم إذا حصل على قبول إسرائيل ودول الخليج؟

أم إذا كان قادرًا على الصمود بعد انتهاء ولاية ترامب؟

كل معيار من هذه المعايير قد يقود إلى حكم مختلف.

يمكن لاتفاق جديد أن يكون أوسع سياسيًا من اتفاق 2015 لأنه يعالج الحرب والملاحة والحصار والعقوبات وبعض القضايا الإقليمية، لكنه يكون أقل دقة في المجال النووي. ويمكن أن يكون أكثر تشددًا في لغته، لكنه أقل قابلية للتنفيذ. كما يمكن أن يحقق مكاسب عاجلة، مثل وقف الحرب وفتح هرمز، من دون أن يقدم حلًا طويل الأمد للمشكلة النووية.

لذلك لا يكفي أن يصف ترامب الاتفاق بأنه أفضل. ينبغي معرفة: أفضل في أي مجال، ولمن، وإلى متى؟

اتفاق 2015: قوته في حدوده

لم يمنع اتفاق 2015 إيران من امتلاك المعرفة النووية، ولم ينهِ برنامجها الصاروخي، ولم يوقف تدخلها الإقليمي. كما أن عددًا من قيوده كان مرتبطًا بمدد زمنية تنتهي تدريجيًا، وهو ما أثار مخاوف حقيقية لدى إسرائيل ودول أخرى.

لكنه فرض، في المقابل، قيودًا محددة على البرنامج النووي. خفض مستوى تخصيب اليورانيوم، وقلص المخزون المسموح به، وحدّ من عدد أجهزة الطرد المركزي، وأعاد تصميم مفاعل أراك، وفتح المنشآت أمام نظام رقابة واسع للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

كانت الفكرة بسيطة في جوهرها: إطالة الزمن الذي تحتاج إليه إيران لإنتاج مادة كافية لسلاح نووي، مقابل رفع العقوبات المرتبطة بالملف النووي.

لم يكن اتفاق سلام، ولم يكن عقدًا لإعادة ترتيب الشرق الأوسط. كان اتفاقًا وظيفيًا على ملف واحد.

وهنا يكمن مصدر قوته وضعفه معًا. فقد كان واضحًا في ما تناوله، لكنه ترك خارج نصه معظم أسباب العداء بين إيران والولايات المتحدة وإسرائيل.

عندما انسحب ترامب منه، لم يقدّم اتفاقًا بديلًا. أعاد العقوبات، ووسّع سياسة الضغط الأقصى، ثم بدأت إيران تدريجيًا في تجاوز القيود التي كانت قد التزمت بها. وبذلك انتهى الأمر إلى برنامج نووي أكثر تقدمًا، ورقابة أضعف، وتوتر أكبر، ثم إلى الحرب.

هذه النتيجة لا تثبت أن اتفاق 2015 كان مثاليًا، لكنها تضع معيارًا قاسيًا أمام مذكرة التفاهم الجديدة: ينبغي ألا تكون أفضل في الخطاب فقط، بل أفضل من حيث النتائج القابلة للتحقق.

مذكرة التفاهم: أوسع ولكن أقل حسمًا

النص المتداول لمذكرة التفاهم يبدو، في مرحلته الحالية، أقرب إلى اتفاق سياسي لوقف الاستنزاف منه إلى اتفاق نووي مكتمل.

فهو يبدأ من وقف العمليات العسكرية، وفتح مضيق هرمز، ورفع الحصار البحري تدريجيًا، وضمان حركة السفن، ومنح إعفاءات لتصدير النفط الإيراني، وإتاحة الأموال والأصول المجمدة، والبحث في خطة إعادة إعمار وتنمية لا تقل عن 300 مليار دولار مع شركاء إقليميين.

هذه بنود واسعة، بل أوسع بكثير من اتفاق 2015. لكنها ليست كلها بنودًا نووية. إنها بنود حرب، وملاحة، وطاقة، واقتصاد، وإعادة بناء، وتهدئة إقليمية.

في المقابل، حين يصل النص المتداول إلى المسألة النووية، يصبح أكثر عمومية. تؤكد إيران أنها لن تسعى إلى حيازة أو تطوير أسلحة نووية، ويتحدث النص عن معالجة مصير المواد المخصبة وفق آلية لاحقة، على أن يكون الحد الأدنى هو خفض نسبة التخصيب في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

هذا مهم، لكنه لا يساوي بعدُ نظامًا كاملًا للقيود والرقابة. لا نعرف من النص المتداول، بصيغته الحالية، المستوى النهائي المسموح به للتخصيب، ولا حجم المخزون الذي سيبقى، ولا مصير أجهزة الطرد المركزي، ولا شكل التفتيش طويل الأمد، ولا آلية إعادة العقوبات إذا وقع خرق.

لذلك تبدو المذكرة أوسع من اتفاق 2015 في السياسة، لكنها أقل اكتمالًا منه في التقنية النووية.

ما الذي غيّرته الحرب؟

تعتقد إدارة ترامب أن الحرب منحتها أوراقًا لم تكن متاحة عام 2015. فقد تضررت منشآت وقدرات عسكرية إيرانية، وتقلص جزء من نفوذ طهران الإقليمي، وخرجت إيران من المواجهة في وضع اقتصادي وأمني صعب.

من هذه الزاوية، قد تبدو طهران أكثر استعدادًا لقبول شروط كانت ترفضها سابقًا: تجميد الوضع النووي مؤقتًا، معالجة المخزون المخصب، رقابة دولية أوسع، وتفاهمات حول الملاحة والحصار والعقوبات.

لكن الحرب منحت إيران أيضًا سببًا جديدًا للتمسك بقدرات الردع. فقد أظهرت للقيادة الإيرانية أن التعهدات السياسية لا تحمي المنشآت، وأن التفاوض لا يمنع الضربات دائمًا، وأن التخلي عن بعض الأوراق قبل الحصول على ضمانات ملموسة قد يتحول إلى مخاطرة وجودية.

ولهذا يمكن للحرب أن تدفع إيران إلى التنازل، لكنها يمكن أيضًا أن تزيد اقتناع دوائر داخل النظام بأن امتلاك قدرة نووية كامنة، أو الاقتراب منها، هو الضمانة الأخيرة ضد تكرار الهجوم.

لا تؤدي الهزيمة العسكرية الجزئية دائمًا إلى مرونة سياسية. قد تؤدي أحيانًا إلى تشدد أكبر، خاصة إذا شعر النظام أن الاتفاق المطلوب منه ليس تنظيمًا لسلوكه، بل خطوة أولى نحو تجريده من وسائل البقاء.

من هنا، لا تدخل إيران المفاوضات بوصفها دولة تملك قوة تفاوضية كاملة، لكنها لا تدخلها أيضًا مستعدة لقبول كل ما يُملى عليها.

الداخل الإيراني: التفاوض تحت رقابة الخوف

لا تفاوض إيران الولايات المتحدة وحدها. إنها تفاوض أيضًا توازناتها الداخلية.

هناك مؤسسة أمنية وعسكرية خرجت من الحرب مثقلة بالخسائر، لكنها لا تريد الاعتراف بأن الضغط العسكري فرض عليها مسارًا جديدًا. وهناك تيارات متشددة تخشى أن يتحول الاتفاق إلى بداية تنازل طويل. وهناك سلطة تنفيذية تحتاج إلى رفع الحصار وفتح الاقتصاد وتخفيف الضغط على المجتمع. وهناك شعب أنهكته العقوبات والحرب، لكنه لا يملك بالضرورة قوة منظمة قادرة على فرض مسار سياسي بديل.

لهذا يحتاج النظام إلى اتفاق يمنحه مكاسب اقتصادية واضحة، من دون أن يظهر كاستسلام. يحتاج إلى رفع الحصار، وعودة النفط، وتحريك الأموال المجمدة، لكنه يحتاج في الوقت نفسه إلى القول إنه احتفظ بحقوقه السيادية وقدرته النووية السلمية ولم يتخلّ عن أوراق الردع.

هذه المعادلة تجعل النص المتداول مفهومًا. فهو يمنح إيران مخرجًا اقتصاديًا وسياسيًا، لكنه يؤجل التفاصيل النووية الأكثر حساسية إلى مفاوضات لاحقة. وبذلك يستطيع كل طرف داخل إيران أن يقرأه بطريقة مختلفة: الحكومة تراه فرصة إنقاذ، والمتشددون يستطيعون القول إن التنازلات النهائية لم تُقدَّم بعد، والمؤسسة الأمنية تستطيع أن تحتفظ بجزء من الغموض حول ما سيحدث لاحقًا.

لكن هذا الغموض نفسه هو ما يجعل المرحلة المقبلة أكثر صعوبة.

الاتفاق المرحلي ليس الاتفاق النهائي

جوهر مذكرة التفاهم أنها تشتري وقتًا.

هي توقف الحرب، تفتح الملاحة، ترفع بعض العوائق الاقتصادية، وتمنح الطرفين ستين يومًا للتفاوض على اتفاق نهائي. لكنها لا تجيب بعد بصورة حاسمة عن الأسئلة التي تجعل أي اتفاق نووي قابلًا للقياس:

ما مستوى التخصيب المسموح؟

ما مصير المخزون الموجود؟

هل سيُخفض داخل إيران فقط أم يُنقل جزء منه إلى الخارج؟

ما المنشآت التي ستعمل؟

ما نوع أجهزة الطرد المركزي المقبولة؟

ما نطاق التفتيش؟

وما الذي يحدث إذا اتهم أحد الطرفين الآخر بالخرق؟

هذه ليست تفاصيل تقنية هامشية. إنها جوهر أي اتفاق نووي قابل للحياة.

وإذا بقيت هذه القضايا مؤجلة، فإن مذكرة التفاهم قد تنجح في إنهاء الحرب من دون أن تجيب عن السؤال الذي بدأت منه: كيف تُمنع إيران بصورة قابلة للتحقق من الانتقال إلى السلاح النووي؟

لذلك ينبغي الفصل بين نجاحين مختلفين:

نجاح سياسي عاجل في وقف الحرب.

ونجاح نووي طويل الأمد في بناء نظام قيود ورقابة.

قد يتحقق الأول ويفشل الثاني.

هل يمكن ضم الصواريخ والنفوذ الإقليمي؟

يريد خصوم إيران اتفاقًا يعالج أكثر مما عالجه اتفاق 2015. لكن توسيع الاتفاق لا يجعله أسهل، بل قد يجعله مستحيلًا.

فالبرنامج النووي ملف يمكن، نظريًا، تحويله إلى أرقام وكميات وجداول تفتيش. أما الصواريخ والنفوذ الإقليمي فهما أكثر تعقيدًا.

هل تشمل القيود كل الصواريخ الإيرانية أم الصواريخ بعيدة المدى فقط؟

هل يُمنع التطوير أم الاختبار أم التصدير؟

كيف يمكن قياس دعم إيران لحزب الله أو الحوثيين أو القوى المسلحة في العراق؟

وهل تستطيع طهران أصلًا ضمان قرارات حلفاء يملكون مصالح محلية وهوامش متفاوتة من الاستقلال؟

كما أن إيران ترى في الصواريخ تعويضًا عن ضعف سلاحها الجوي، وفي تحالفاتها الإقليمية جزءًا من دفاعها المتقدم. ومن ثم، فإن مطالبتها بالتخلي عن هذه الأوراق كلها لا تبدو لها اتفاقًا لتنظيم التوازن، بل دعوة إلى نزع قدرتها على الردع.

يمكن لاتفاق جديد أن يتضمن قيودًا جزئية على الصواريخ، أو تفاهمات حول الملاحة، أو وقف نقل أنواع محددة من الأسلحة، أو ترتيبات لخفض التصعيد في لبنان واليمن والعراق. لكنه من غير الواقعي افتراض أن اتفاقًا واحدًا سيُنهي دفعة واحدة جميع أوجه الصراع المتراكم منذ عقود.

وقد تكون محاولة جعل الاتفاق شاملًا إلى هذا الحد طريقًا إلى عدم توقيع أي اتفاق.

مشكلة الضمانات

تواجه إيران سؤالًا لا يمكن تجاهله: ما الذي يضمن ألا ينسحب رئيس أمريكي لاحق من الاتفاق كما فعل ترامب عام 2018؟

لا يستطيع أي رئيس أمريكي إلزام خلفه سياسيًا بصورة مطلقة، ما لم يتحول الاتفاق إلى معاهدة تحظى بموافقة مجلس الشيوخ، وهو احتمال صعب في ظل الانقسام الحزبي.

ولذلك ستطالب إيران بمكاسب اقتصادية ملموسة منذ البداية: رفع الحصار البحري، إعفاءات النفط، فتح الأموال المجمدة، وتراخيص مالية ومصرفية تجعل الاتفاق محسوسًا قبل الوصول إلى المرحلة النهائية.

لكن هذه المطالب تثير اعتراضًا أمريكيًا وإسرائيليًا مضادًا: ماذا لو حصلت إيران على المكاسب الاقتصادية ثم عطلت تنفيذ التزاماتها النووية؟

وهنا تعود أزمة الثقة في شكلها الأشد وضوحًا. كل طرف يريد من الآخر أن يقدم الضمان أولًا، لأن تجربة الاتفاق السابق أقنعته بأن الوعود السياسية وحدها لا تكفي.

إيران تخشى انسحابًا أمريكيًا جديدًا.

واشنطن تخشى استخدام إيران رفع العقوبات لإعادة بناء قوتها.

وإسرائيل تخشى أن تتحول الضمانات الاقتصادية إلى تمويل لإعادة بناء البرنامج الصاروخي والحلفاء الإقليميين.

ليس الخلاف، إذن، حول نص الاتفاق فقط، بل حول من يدفع ثمن الثقة قبل أن تتكون.

ترامب يحتاج إلى اتفاق يمكن تسويقه

لا تتحرك إدارة ترامب تحت ضغط الاستراتيجية وحدها. هناك أيضًا السياسة الداخلية.

تجري انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر/تشرين الثاني 2026، وسيُعاد فيها انتخاب مجلس النواب وثلث أعضاء مجلس الشيوخ تقريبًا. ترامب نفسه ليس مرشحًا، لكن نتيجة الانتخابات ستحدد قدرته على الحكم في النصف الثاني من ولايته، وقد تمنح خصومه وسائل أوسع لعرقلة سياساته والتحقيق في قرارات إدارته.

وقد تحولت الحرب مع إيران إلى عبء سياسي من عدة زوايا.

أولها أن ترامب وصل إلى السلطة رافعًا شعار إنهاء الحروب وعدم الدخول في مغامرات خارجية طويلة. ومع امتداد الحرب، وجد جزء من قاعدته نفسه أمام تناقض بين الخطاب الانعزالي نسبيًا وواقع التورط العسكري.

ثانيها أن الناخب الأمريكي لا يختبر الحرب عبر خرائط المنشآت الإيرانية فقط، بل عبر أسعار الوقود والسلع والفائدة وتكاليف النقل. فإذا رفعت الحرب التضخم وأضعفت الاقتصاد، فلن يكون من السهل فصل السياسة الخارجية عن الحياة اليومية.

ثالثها أن الحرب فتحت خلافًا داخل الحزب الجمهوري نفسه. فهناك جناح يريد تشديد الضغط حتى تفكيك القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، وجناح آخر يرفض حربًا مفتوحة ويرى أن الولايات المتحدة لا ينبغي أن تحمل كلفة الأهداف الإسرائيلية كلها.

ولهذا يحتاج ترامب إلى اتفاق، لكنه يحتاج أكثر إلى اتفاق يمكن روايته بوصفه انتصارًا.

يريد أن يقول للناخب إن الحرب أضعفت إيران، ومنعتها من امتلاك القنبلة، وأعادت فتح مضيق هرمز، وخفضت أسعار الطاقة، من دون أن تُغرق الولايات المتحدة في احتلال أو حرب لا تنتهي.

أما خصومه فسيقدمون رواية مختلفة: انسحب ترامب من اتفاق 2015، وسمح بتطور البرنامج النووي، ثم دخل حربًا مكلفة، قبل أن يعود إلى اتفاق يقوم على المبدأ نفسه الذي رفضه سابقًا: قيود نووية مقابل تخفيف عقوبات.

المعركة الانتخابية لن تدور فقط حول مضمون الاتفاق، بل حول أي الروايتين تبدو أكثر إقناعًا في نوفمبر.

الكونغرس: من الهامش إلى قلب المعركة

إرسال نص مذكرة التفاهم إلى الكونغرس لا يعني أن الاتفاق أصبح معاهدة، لكنه يعني أن المعركة الداخلية بدأت.

وبمجرد أن انتقل النص المتداول إلى الكونغرس، خرجت المذكرة من إطار التفاهم الدبلوماسي الضيق إلى ساحة الصراع السياسي الأمريكي حول صلاحيات الرئيس، وحدود رفع العقوبات، ومعنى تقديم إعفاءات اقتصادية قبل إنجاز اتفاق نووي نهائي.

سيحاول البيت الأبيض تقديم المذكرة بوصفها اتفاقًا تنفيذيًا يوقف الحرب ويمنح الإدارة وقتًا للتفاوض. لكن المعارضين سيقرأونها من زاوية أخرى: هل منحت إيران إعفاءات نفطية وأموالًا مجمدة وخطة إعادة إعمار قبل أن تقدم تنازلات نووية نهائية؟ هل أضعفت العلاقة مع إسرائيل؟ هل تجاوزت الكونغرس في مسائل الحرب والعقوبات؟ وهل تحمل التزامات مالية أو سياسية لا يستطيع الرئيس وحده تقريرها؟

هذه الأسئلة تجعل الكونغرس ليس مجرد مراقب، بل ساحة من ساحات الاتفاق.

قد يرى ترامب في الكونغرس عقبة تعرقل مرونته التفاوضية. لكن تجاوز المؤسسة التشريعية يحمل مشكلة أخرى: اتفاق يعتمد على الصلاحيات التنفيذية وحدها قد يكون معرضًا للإلغاء بعد تغير الإدارة.

هذه كانت إحدى نقاط ضعف اتفاق 2015 داخل الولايات المتحدة. فقد بقي مرتبطًا إلى حد بعيد بقرار السلطة التنفيذية، ما سهّل على ترامب الانسحاب منه.

إذا كان يريد اتفاقًا «أفضل»، فعليه ألا يكتفي بشروط أشد على إيران. ينبغي أن يبني اتفاقًا أكثر صلابة داخل النظام السياسي الأمريكي نفسه.

لكن الحصول على تأييد واسع لاتفاق مع إيران يبدو شديد الصعوبة، خصوصًا إذا عارضته إسرائيل واعتبره الجمهوريون المتشددون تنازلًا.

وهكذا قد يجد ترامب نفسه أمام مفارقة: يستطيع إبرام اتفاق سريع يساعده انتخابيًا، لكنه لا يستطيع ضمان بقائه طويلًا؛ أو يدخل في معركة داخلية شاقة من أجل اتفاق أكثر رسوخًا، لكنه يخسر ميزة السرعة التي يحتاج إليها قبل نوفمبر.

الاقتصاد هو الحكم الأقسى

قد تنجح الإدارة في تسويق اتفاق ناقص إذا ظهرت نتائجه الاقتصادية بسرعة.

إذا عادت الملاحة الطبيعية عبر هرمز، وانخفضت أسعار النفط، وتراجعت تكاليف التأمين والنقل، واستقر التضخم، فسيتمكن ترامب من القول إن الضغط العسكري أنتج تسوية نافعة.

أما إذا ظل المضيق غير مستقر، أو استمرت تهديدات البحر الأحمر، أو عادت الضربات، أو بقيت أسعار الطاقة مرتفعة، فستفقد لغة الانتصار قوتها.

الناخب لا يقرأ عادة نصوص الاتفاقات النووية الطويلة. لكنه يرى سعر الوقود، ويتابع تكلفة الطعام والسكن، ويقارن وعود الرئيس بما يشعر به في حياته اليومية.

لهذا قد يكون تأثير الاتفاق في الانتخابات أقل ارتباطًا بعدد أجهزة الطرد المركزي، وأكثر ارتباطًا بعدد الدولارات التي يدفعها المواطن في محطة الوقود.

وهنا تصبح المفاوضات جزءًا من السياسة الاقتصادية الأمريكية، لا مجرد ملف للأمن القومي.

بين اتفاق أفضل واتفاق ممكن

نظريًا، يمكن لاتفاق جديد أن يكون أفضل من اتفاق 2015 إذا جمع بين قيود نووية قابلة للتحقق، ومدد أطول، ورقابة أكثر صرامة، وترتيبات حول الصواريخ والملاحة، وآلية واضحة لرفع العقوبات وإعادتها، وضمانات سياسية تجعل الانسحاب منه أصعب.

لكن النص المتداول لمذكرة التفاهم لم يصل بعد إلى هذا المستوى. إنه يفتح الطريق إلى هذه الاحتمالات، لكنه لا يحققها كلها.

تريد واشنطن اتفاقًا أوسع من اتفاق 2015.

وتريد إيران رفعًا سريعًا للعقوبات وضمانات ضد الانسحاب.

وتريد إسرائيل تفكيك الخطر لا تجميده.

ويريد ترامب نتيجة قبل أن تتحول الحرب إلى عبء انتخابي أكبر.

كلما ازدادت الشروط، ضاق الوقت واتسعت احتمالات الفشل.

لهذا قد يكون الاتفاق الواقعي أقل طموحًا: وقف للحرب، تجميد مؤقت للبرنامج النووي عند مستوى محدد، معالجة تدريجية للمخزون، رقابة متفق عليها، تخفيف مرحلي للعقوبات، ومفاوضات لاحقة حول الصواريخ والتصعيد الإقليمي.

مثل هذا الاتفاق قد يكون أقل شمولًا من وعود ترامب، لكنه أكثر قابلية للتحقق.

فالمشكلة الأساسية أن «الاتفاق الأفضل» ليس دائمًا هو «الاتفاق الممكن».

أفضل اتفاق للولايات المتحدة وإسرائيل هو الذي يفرض قيودًا طويلة وشاملة على النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي.

وأفضل اتفاق لإيران هو الذي يرفع العقوبات ويحفظ قدرتها النووية السلمية وأدوات ردعها.

أما الاتفاق الممكن، فهو الذي يمنح كل طرف ما يكفي لتبريره في الداخل، من دون أن يمنحه كل ما يريد.

قد تقول واشنطن إنها منعت القنبلة.

وقد تقول إيران إنها احتفظت بحقها في التكنولوجيا النووية وكسرت الحصار.

وقد تقول إسرائيل إن الحرب أضعفت إيران، لكنها لم تُنهِ الخطر.

نجاح الاتفاق قد يتوقف على قدرة كل طرف على صياغة رواية مختلفة للنص نفسه.

لكن هذه القدرة على تعدد الروايات ليست ضمانة دائمة. إنها تصلح لوقف الحرب، لكنها لا تكفي لبناء اتفاق طويل الأمد إذا لم تتحول خلال ستين يومًا إلى أرقام وآليات والتزامات قابلة للتحقق.

 امتحان الستين يومًا

لا يمكن القول، حتى الآن، إن ترامب حصل على اتفاق أفضل من اتفاق 2015. ما حصل عليه، وفق النص المتداول، هو مذكرة تفاهم أوسع، لكنها أقل اكتمالًا: توقف الحرب، تفتح الملاحة، تخفف الضغط الاقتصادي، وتؤجل المسائل النووية الحاسمة إلى مفاوضات لاحقة.

قد تكون هذه بداية اتفاق أفضل، إذا تحولت خلال ستين يومًا إلى نظام رقابة واضح، ومعالجة حقيقية للمخزون المخصب، وآلية تفتيش طويلة الأمد، وجدول عقوبات قابل للتنفيذ، وضمانات سياسية تمنع الانسحاب السهل.

وقد تكون مجرد هدنة موسعة، إذا اكتفى الطرفان بوقف النار وتبادل المكاسب الاقتصادية، من دون حل جوهر المشكلة النووية والإقليمية.

وما تكشفه الأيام الأولى بعد المذكرة أن امتحان الستين يومًا لن يبدأ عند طاولة التفاوض وحدها، بل في الممرات البحرية، وفي لبنان، وفي قدرة واشنطن على تحويل نص سياسي إلى التزامات قابلة للتنفيذ.

الحكم الحقيقي لن يتوقف على توقيع المذكرة، ولا على الكلمات التي يستخدمها ترامب لوصفها. سيتوقف على أسئلة أبسط وأصعب:

هل تضع البرنامج النووي تحت رقابة قابلة للتحقق؟

هل تصمد بعد تغير الحكومات؟

هل تمنع عودة الحرب؟

هل تخفض كلفتها عن المجتمعات والأسواق؟

وهل تفتح طريقًا إلى تفاوض أوسع، أم تمنح الأطراف مجرد وقت للاستعداد للجولة التالية؟

قد يستطيع ترامب القول إنه حصل على اتفاق مختلف عن اتفاق 2015. أما أن يكون أفضل منه، فذلك لن يقرره اتساع النص، ولا حجم الحرب التي سبقته، بل قدرته على تحويل وقف النار إلى قواعد تعيش أطول من الحاجة الانتخابية التي ساعدت على ولادتها.

23 حزيران/يونيو 2026

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

شادي حاجي ليس ما تعيشه الحسكة وقامشلو ومحيطهما مجرد فقر أو بطالة أو تراجع خدمات، بل الأخطر هو شعور الناس بأن أصواتهم لم تعد تُسمع، وأن معاناتهم لا تجد من يتحمل مسؤوليتها. حين يخرج المواطن ليقول إنه جائع، فهذه ليست شكوى عابرة، بل مؤشر على أزمة عميقة وفشل في تأمين الحد الأدنى من الحياة الكريمة. وحين تتحدث العائلات عن عجزها…

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* مقدمة: إن الاتفاق الأولي بين أمريكا والنظام أشبه بالشوط الأول من مباراة كرة قدم منه إلى إنهاء أزمة؛ مباراة لم تُحسم نتيجتها النهائية بعد، والحكم عليها سابق لأوانه. لقد تم توقيع هذا الاتفاق من قبل الطرفين، إلا أن تداعياته السياسية والاستراتيجية لا تزال يكتنفها الغموض. فالبعض يكتفي بالنظر إلى النتائج الأولية لهذه المرحلة، بينما يوجه آخرون أنظارهم…

د. محمود عباس تتبدّى ضحالة الدكتور محمد بهجت القبيسي من أبسط مداخل اللغة والتاريخ، فهو لا يدرك، أو يتجاهل عمدًا، أن اللغة الكوردية ليست فرعًا من العربية، ولا تنتمي إلى الأسرة السامية أصلًا، بل هي من اللغات الإيرانية الغربية ضمن العائلة الهندو-إيرانية. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لإسقاط كل محاولة بائسة لتعريب اسم الكورد أو ردّ وجودهم إلى اشتقاقٍ داخل المعجم…

Prof. Dr. Sarbast Nabi لن أكشف سرّاً إذا تساءلت استناداً إلى اعتراف مظلوم عبدي بالذات على قناة العربية/ الحدث بأن اتفاقه( اتفاق آذار) تمّ بينه وبين الجولاني سرّاً قبل سقوط بشار الأسد وأن الاتفاق المعلن هو مطابق تماماً مع ذلك الاتفاق، إنه، حسب قوله، كان اتفاقاً سورياً/ سورياً. السؤال، من الذي خوّل عبدي، المسؤول العسكري، أن يقرر المصير…