د. محمود عباس
تتبدّى ضحالة الدكتور محمد بهجت القبيسي من أبسط مداخل اللغة والتاريخ، فهو لا يدرك، أو يتجاهل عمدًا، أن اللغة الكوردية ليست فرعًا من العربية، ولا تنتمي إلى الأسرة السامية أصلًا، بل هي من اللغات الإيرانية الغربية ضمن العائلة الهندو-إيرانية. وهذه الحقيقة وحدها تكفي لإسقاط كل محاولة بائسة لتعريب اسم الكورد أو ردّ وجودهم إلى اشتقاقٍ داخل المعجم العربي.
فالعرب، حين دوّنوا أسماء الشعوب والأقوام، عرّبوها صوتيًا كما فعلوا مع الفرس والروم والنبط والسريان والترك، ولم يخترعوا تلك الشعوب من أفعال عربية ولا من جذور لغوية متوهمة. لذلك فإن محاولة القبيسي جرّ اسم الكورد إلى قاموس عربي مصطنع ليست بحثًا لغويًا، بل عبثٌ أيديولوجي بالتاريخ، يكشف فقرًا معرفيًا فاضحًا، ورغبةً قديمة في إنكار شعبٍ لا تستطيع خرائط الاحتلال ولا أوهام المستعربين محوه من الجغرافيا والذاكرة.
ومن لا يميّز بين تعريب اللفظ وبين اختراع الاسم، لا يحق له أن يتحدث باسم اللسانيات، ولا أن يتسلل إلى التاريخ من باب المعاجم ليصنع منه وهمًا سياسيًا. فقراءة القبيسي هنا لا تكشف معرفة باللغة ولا بالتاريخ، بل تكشف اضطرابًا فاضحًا في فهم آليات التسمية؛ إذ تجعل من التشابه الصوتي دليلًا على الأصل، ومن التعريب اللفظي حجة على الهوية. وهذا ليس علمًا، بل قفزة جاهلة من لفظٍ معرّب إلى شعبٍ يراد مصادرته داخل قاموس لا ينتمي إليه.
أما القول إن الكورد لم يُعرفوا إلا في مرحلة متأخرة، أو إن اسمهم تسمية عربية أُطلقت عليهم، فهو جهل مضاعف؛ لأن ذكر الجماعات الجبلية المرتبطة بجغرافية كوردستان أقدم من المصادر الإسلامية نفسها. فقد ذكر كزينفون في القرن الرابع قبل الميلاد الكاردوخيين في جبال ميزوبوتاميا العليا والأناضول أثناء عودة جيش العشرة آلاف، أي قبل العربية الإسلامية وقبل خرائط ابن حوقل بقرون طويلة. ومهما اختلف الباحثون في التفاصيل بين الكاردوخيين والكورد، فإن الشهادة تكشف حضورًا بشريًا جبليًا في المجال ذاته، لا فراغًا ينتظر من يأتي بعد ألف عام ليمنحه اسمًا عربيًا.
إن مشكلة القبيسي وأمثاله ليست في خطأ تفصيلي هنا أو هناك، بل في منهج كامل يقوم على مصادرة التاريخ قبل قراءته. يبدأون من نتيجة مقررة، هي نفي الوجود الكوردي، ثم يفتشون في الخرائط والألقاب والمسارات العسكرية والمعاجم عن أي تفصيل يمكن تحميله ما لا يحتمل. فإذا وجدوا خريطة قديمة جعلوها صك ملكية، وإذا وجدوا لقبًا جغرافيًا جعلوه نسبًا، وإذا وجدوا اسمًا سلاليًا جعلوه قومية، وإذا وقفوا أمام تاريخ الكورد طلبوا تطابق الاسم القديم مع الاسم الحديث كشرط للاعتراف.
وهنا تتعرّى المنهجية الإلغائية كلها. فالتاريخ الكوردي لا يسقط لأن مستعربًا قرأ خريطة ابن حوقل قراءة مشوّهة، ولا يختفي لأن أحدهم حوّل لقب سفير روماني إلى شعار قومي، ولا يُمحى لأن آخر اختزل الساسانيين في الفرس وحدهم. فالشعوب لا تُلغى بالألقاب، والجغرافيا لا تُسرق بالخرائط القديمة، والذاكرة لا تُمحى بالتأويلات الانتقائية.
إن كوردستان ليست اختراعًا حديثًا، والكورد لم يهبطوا فجأة على هذه الجغرافيا. إنهم امتداد لغوي وجغرافي وثقافي عميق في زاغروس، وميزوبوتاميا العليا، والأناضول الشرقي، والجزيرة. ومن يريد نفي هذا الحضور لا يكفيه اللعب بالأسماء والخرائط؛ عليه أن يمحو الجبال، واللغة، والقبائل، والوقائع، والمدن، والشهادات القديمة، وكل ما عجزت الإمبراطوريات نفسها عن محوه عبر قرون.
لقد كشفت هذه الحلقات أن المسألة ليست خطأً عابرًا في قراءة مصدر، بل منهجٌ كامل يحاول سرقة الجغرافيا بإعادة تسمية الماضي. مرة تُستدعى خريطة ابن حوقل لتقليص كوردستان، ومرة يُستدعى لقب جغرافي أو خبر عسكري لتوسيع العروبة إلى ما قبل الإسلام، ومرة تُختزل الدولة الساسانية في الفرس وحدهم، ثم يُطلب من الكورد وحدهم أن يقدّموا اسمهم الحديث في كل عصر كي يُعترف لهم بتاريخهم. وهذه ليست قراءة للتاريخ، بل حرب على الذاكرة.
نعم، الأسماء تتغير، والسلالات تتبدل، واللغات تتفاعل، والإمبراطوريات لا تُقرأ بمنطق القوميات الحديثة. لكن الشعوب لا تُقاس باسم عابر في مصدر واحد، بل بتراكمها في الأرض، بلغتها، بذاكرتها، بجغرافيتها، وبحضورها الطويل في سجلات الخصوم قبل الأصدقاء. وبهذا المعنى، فإن كل محاولة لنفي التاريخ الكوردي لا تكشف ضعف الكورد، بل تكشف خوف خصومهم من حقيقة راسخة: أن الكورد أقدم من خرائطهم، وأرسخ من دولهم المصطنعة، وأعمق من كل سرديات الإنكار.
د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
1/6/2026 م