هل يصنع تجاهل القضية الكردية تطرفاً يخشاه الجميع؟

فيصل اسماعيل
تُعد القضية الكردية واحدة من أكثر الملفات السياسية تعقيداً واستمراراً في الشرق الأوسط الحديث، إذ امتدت تداعياتها منذ ما بعد انهيار وحتى اليوم، دون أن تصل إلى تسوية نهائية تُنهي حالة الجدل التاريخي حول الحقوق والهوية والمستقبل السياسي.
ورغم التحولات الكبرى في النظام الدولي، بقيت مقاربة القوى الفاعلة تجاه القضية الكردية محكومة في الغالب باعتبارات الاستقرار الإقليمي، وتوازن العلاقات مع الدول القائمة، وحماية المصالح الجيوسياسية. وقد أدى ذلك، من وجهة نظر قطاعات واسعة من الرأي العام الكردي، إلى فجوة مستمرة بين الخطاب الدولي حول الحقوق وبين التطبيق العملي لهذه الحقوق على الأرض.
في المقابل، ترى القوى الدولية أن أولويتها تتمثل في منع تفكك الدول أو انزلاقها إلى صراعات أوسع، وهو ما جعلها تميل في كثير من الأحيان إلى دعم حلول تحفظ البنية السياسية القائمة، حتى في الحالات التي تبقى فيها مطالب القوميات غير محسومة بالكامل.
إن استمرار هذا التباين بين تطلعات شعب يسعى إلى الاعتراف بحقوقه القومية، وبين سياسات دولية توازن بين الحقوق والاستقرار، يخلق حالة تراكمية من الإحباط السياسي. وهذا الإحباط، إذا استمر دون قنوات فعالة للتعبير والحل، قد يؤدي لدى بعض الفئات، خصوصاً الشباب، إلى فقدان الثقة بجدوى المسارات السياسية التقليدية.
ولا يعني ذلك أن الاتجاه العام داخل المجتمع الكردي يتجه نحو التشدد، فالغالبية العظمى ما تزال متمسكة بالوسائل السلمية والسياسية والمدنية. إلا أن علم الاجتماع السياسي يشير إلى أن استمرار الأزمات غير المحسومة عبر أجيال متعددة قد يفتح المجال لظهور تيارات أكثر راديكالية، لا ترى في السياسة التفاوضية وسيلة كافية لتحقيق التغيير.
ومن هنا تبرز الإشكالية الحقيقية: ليست في وجود المطالب القومية بحد ذاتها، بل في إدارة هذه المطالب داخل بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد، تتداخل فيها اعتبارات السيادة مع مصالح القوى الكبرى، وتتشابك فيها ملفات الأمن والطاقة والحدود والنفوذ.
إن معالجة هذا النوع من الأزمات لا يمكن أن تقوم على الإنكار أو التأجيل المستمر، لأن التاريخ يُظهر أن القضايا المؤجلة لا تختفي، بل تتحول إلى احتقان سياسي واجتماعي متراكم، قد ينعكس على استقرار المنطقة بأكملها.
وفي هذا السياق، فإن التحذير من احتمالية ظهور تيارات متشددة لا يُفهم بوصفه تبريراً لأي سلوك عنيف، بل بوصفه إنذاراً سياسياً مبكراً حول خطورة انسداد الأفق السياسي أمام الأجيال الجديدة. فكلما ضاقت قنوات المشاركة والحل، زادت احتمالات البحث عن بدائل خارج الأطر التقليدية، بما في ذلك البدائل الأكثر تطرفاً.
إن مسؤولية القوى الإقليمية والدولية لا تقتصر على إدارة الاستقرار القائم، بل تشمل أيضاً معالجة جذور التوترات التاريخية بشكل جدي، يوازن بين متطلبات السيادة وحقوق الشعوب، ويمنع تحول الإحباط السياسي إلى أزمة أمنية طويلة الأمد.
وفي المحصلة، فإن مستقبل القضية الكردية لا يرتبط فقط بتوازنات القوة، بل أيضاً بمدى قدرة جميع الأطراف على تحويلها من ملف صراع مزمن إلى مساحة تفاهم سياسي تدريجي، يضمن الحقوق ويعزز الاستقرار في آن واحد، بدلاً من إبقاء المنطقة في دائرة دائمة من التوتر غير المحسوم.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين يظلّ الطرح الهام للدكتور عبدالحكيم بشار في مقاله “نحو مراجعة جذرية للوضع الكردي في سوريا”، بحاجة إلى آليات تنفيذية واضحة، وإلا تحوّل إلى نخبوية فكرية لا تتجاوز صفحات التواصل الاجتماعي . فالسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس “هل نحتاج إلى مراجعة؟” لأن ذلك قد بات بديهياً، بل “كيف ؟ ومن سيقوم بهذه المراجعة؟”. إن تجارب المراجعات في الحركة الكردية،…

د. عبدالحكيم بشار تمر الحركة السياسية الكردية في سوريا اليوم بواحدة من أكثر مراحلها حساسية وتعقيدًا. ولم يعد من الممكن تجاهل حقيقة أن هذا الواقع هو نتاج تراكمات طويلة من الأخطاء والإخفاقات، الأمر الذي يستدعي وقفة مراجعة صريحة وشجاعة، بعيدًا عن المجاملات أو محاولات تبرير الفشل. لا يتعلق الأمر بالتشكيك في تاريخ الحركة أو إنكار ما قدمته من تضحيات وإنجازات،…

أمين كلين ياسادة الافاضل : هناك افراد منا لابل قوى كردية تعمل ليل نهار عن فتح معركة جانبية لاشغالنا بها !!!!! اما انهم عاطفيون لا يدركون مغذى تصرفهم ، او انهم يعملون لصالح جهات معادية للاكراد وقضيتهم ، او انهم أنانيون يدركون ماذا يفعلون … في القضية القومية والوطنية يجب ان لا نشغل انفسنا بامور جانبية مطلقا مهما كانت المبررات…

جان كورد أقول هذا لأن الهجمات على كل ما له علاقة بالكورد وكوردستان مستمر ويزداد وقاحة مع الأيام وتعلمون جيداً ما أعنيه، فثمة هجوم حاقد على الوجود القومي لأمتنا التي يزيد تعدادها عن تعداد عدة شعوب لها مقاعد في هيئة الأمم المتحدة، بل وإن أرض كوردستان المغدورة أوسع مساحةً من مساحة عدة دول أوروبية مجتمعةً، والهجوم كبير وكثيف ومغرض…