محي الدين حاجي
منذ نشوء الحركة الكردية بسوريا وهي ترفع شعار الحقوق السياسية والثقافية والاجتماعية للشعب الكردي في سوريا كونه شعب مقيم على أرضه التاريخية والملحقة بالدولة السورية الحديثة بعد اتفاقية سايكس بيكو وهذا الشعار كانت دائما في حالة غموض وحسب متطلبات المرحلة ونظام الحكم في سوريا وحسب الضغوطات التي مورست على القيادة السياسية الكردية وبرز عدة اتجاهات في الحركة منها التعايش ضمن الدولة ومساواة الكرد مع العرب من حيث الحقوق والواجبات بالاضافة الى الاعتراف الدستوري بالخصوصية الكردية ومنها رفع شعار حق تقرير المصير مثل باقي الشعوب ومنها ازالة المشاريع العنصرية بحق الكرد.لكن هذه المطالب كانت دائما تقبل بالرفض من الانظمة السورية وكانت تحاول دائما التقرب من الطبقة العشائرية والمتنفذة داخل المجتمع الكردي على ان هذه الحركة لا تمثل الشعب الكردي وانها حركة مرتبطة بأجندات خارجية وحاولت حصر الحركة في المناطق الكردية وطبع الصفة الامنية لها وجعلها قضية امنية تابعة للسلطات الامنية مما جعل الحركة بحالة جمود وتخبط ادى الى انشقاقات عمودية وافقية مما أثر على الشخصية الكردية لعدم تمكنها من النهوض بمشروع واقعي .بدأت الأزمة السورية كثائر الازمات التي حصلت بالمنطقة حيث تم رفع علم الثورة السورية في اغلب المناطق والبلدات والمطالبة بتغيير الحكم مما ادى الى فراغ ممنهج في المناطق الكردية لافساح المجال لقوة كردية بالسيطرة عليها .واعتبر النظام ان الازمة السورية ليست ثورة شعب ولا قضية وطنية بل هي تيارات خارجية مدفوعة هدفها قلب نظام حكم المقاومة والممانعة. بالنسبة الى المناطق الكردية ظهر اتجاهان مختلفان بالرؤية الى الاحداث السورية تيار يقوده الاتحاد الديمقراطي والذي سيطر على المنطقة بالتفاهم مع النظام وبسط سيطرته العسكرية على مجمل مفاصل الحياة اليومية والسياسية وتيار اخر من الاحزاب الكردية التقليدية الموجودة على الساحة وبسبب الخلافات والمصالح الخاصة لم يتوصل التياران الى صيغة مشتركة لادارة المناطق الكردية وبذلك تم تشكيل مجلسين مجلس غرب كردستان بقيادة الاتحاد الديمقراطي وبعض من الأحزاب الموالية له والمعارض لقوى الثورة السورية حيث تم انشاء كومينات داخل الأحياء ومزارع تعاونية وفق النظرة الماركسية الماوية للإمساك بمفاصل الحياة الاقتصادية ومجلس الوطني الكردي الذي انضم الى قوى الثورة السورية والذي تعرض لضغوطات واحيانا الى حرق مكاتبهم وإلى نفي لبعض قادتهم .مع تطور الأحداث والتدخل الخارجي في الوضع السوري و بوادر تفكك النظام وسيطرة المعارضة المسلحة على اقسام واسعة من المناطق بسوريا اتجه الاتحاد الديمقراطي بالتمدد الى المناطق الكردية كوباني وعفرين فتغير سقف مطالبهم من مجلس غرب كردستان الى اقامة ثلاث كانتونات ( الجزيرة –عفرين –كوباني ) وبعد ظهور تنظيم داعش واقامة تحالف دولي بقيادة أمريكا لضربها انضم قوات سوريا الديمقراطية الى هذا التحالف فتحول قوات (ypg ) الىى قوات سوريا الديمقراطية وتم تشكيل مجلس سوريا الديمقراطية ليشمل الأراضي التي استولت عليها من تنظيم داعش وتمدد الى المناطق العربية مما ادى الى تغيير الهدف من سياسة الكانتونات الى إقليم شمال وشرق سوريا والادارة الذاتية والمطالبة بلامركزية وحتى الى الفيدرالية . .وبعد تمكن قوات هيئة تحرير الشام بالتنسيق والتفاهم الدولي تم السيطرة على العاصمة دمشق . فتغير موازين القوى لصالح المعارضة السورية الاسلامية على ارض الواقع والتي لم تستطيع الدخول الى مناطق نفوذ الإدارة الذاتية .ومع ذلك، أثبتت التحولات الدولية تقلب التحالفات؛ فمع فتح قنوات تواصل بين واشنطن (حليف الإدارة الذاتية) والادارة الجديدة بدمشق، تراجع سقف الخطاب الكردي فجأة من “الفيدرالية” إلى التفاوض نتيجة الضغوطات الامريكية والتركية وعدم فك ارتباط الإدارة الذاتية بقوة خارج الحدود على أرض الواقع بالرغم من إنكارها بذلك عبر قياداتها ، الى المطالبة بمناصب إدارية محدودة. في المناطق الكردية وادارية لسلطة الحكم بدمشق وظل المجلس الوطني الكردي عبارة عن إدانات وبيانات حيث ذهب تحالفاته وعلاقاته داخل المعارضة السورية في مهب الرياح الذي عقد اماله على المجلس الوطني السوري والذي بدوره لم يستفيد من السلطة الجديدة بدمشق . هذا التراجع فجّر خلافات حادة داخل الطبقة السياسية الكردية، ليظل الشعب الفقير والمستنزف هو الخاسر الوحيد الذي دفع ثمن وعود قادته التي لم تتحقق.في خضم التغيرات السياسية المتسارعة، يُطرح اليوم السؤال الأكثر إلحاحاً ومصيرية ماذا يريد الكرد في سوريا وهو تساؤل لم يعد محصوراً في البيت الكردي، بل طُرح علناً من قِبل أطراف فاعلة في المشهد السوري، ومنها التساؤلات التي أثارها أحمد الشرع مؤخراً والموجه الى قائد قوات قسد . والإجابة عن هذا السؤال تتطلب خلع عباءة الشعارات الحزبية وجماعات سوشيال ميديا المبالغ فيها والحديث بواقعية ملموسة
ماذا يريد الكرد فعليا وهل سيتحقق ما يريدونه ؟
للاجابة على هذه الاسئلة و بناءً على ذلك، يتطلب الحل عقد مؤتمر وطني جامع يرتكز حصراً على الطلائع السياسية والاجتماعية للكرد السوريين وإشراك النخب المستقلة، التكنوقراط، والوجهاء عبر تشكيل لجنة من الحزبيين والمستقلين وإنهاء احتكار القرار. وتشكيل المرجعية الكردية السورية الخالصة عبرصياغة مشروع وطني كردي و سوري ينبع من مصلحة الداخل بعيداً عن إملاءات الخارج ، للتفاوض على حقوق الهوية القومية واللامركزية تحت سقف الدولة السورية، و بنوايا صادقة تضع مصلحة المواطن فوق مصالح الأحزاب والمحاور أن المؤتمرات القومية المزعومة محكوم عليها بالفشل؛ لأنها تُقاد بتوجهات خارجية وأجندات عابرة للحدود من أجزاء كردستان الأخرى دون وجود اي توافق شامل لمجمل الحركة عليه، مما يُقحم كرد سوريا في تصفية حسابات إقليمية ضيقة.أن إنقاذ الموقف يتطلب جرأة في اتخاذ قرارات تكتيكية تخدم استراتيجية قابلة للحياة،حيث فشلت المطالبات والشعارات قبل الثورة السورية وخلالها وبعدها وخاصة أن هناك قوى لا تريد تقدم القضية الكردية بسوريا منها كردية ومنها عربية سورية واقليمية ويكون من ضمن الأهداف والقرارات التي يتخذها إنشاء المجالس المحلية) لعدم وجود اتصال جغرافي للمناطق الكردية، والتركيز على إدارة محلية لامركزية مستقلة لكل منطقة (الجزيرة، كوباني، عفرين). وإنهاء مركزية القرارات ومعالجة التهميش التاريخي الذي عانت منه كوباني وعفرين وتشكيل هيئة قيادية مشتركة للإشراف على انتخاب مجلس تشريعي للادارات المحلية للمناطق الثلاث بشكل عادل ليكون صاحب القرار والمفاوض الشرعي باسم القضية الكردية في سوريا وجعل هذه المجالس امر واقع امام سلطات دمشق والخوض في الحياة السياسية والخدمية ..وبخلاف ذلك لن يتحقق شيء من المطالب إذا استمرت المراهنة على أوهام المشاريع العابرة للحدود أو التحالفات الدولية المؤقتة.او انفراد حزب بمصير المنطقة إن تحقيق المطالب ممكن ومشروع، لكنه مشروط بالهبوط إلى أرض الواقع الكردي و السوري؛ والدول الإقليمية والمكونات الوطنية والشوفينية السورية على حد سواء لن تقبل بكيان انفصالي أو فيدرالي بسبب الميراث القومي والعنصري المتراكم في المنطقة . سيتحقق ما يريده الكرد فقط عندما تُصاغ هذه الحقوق كـ”مطالب وطنية سورية” وبشراكة حقيقية مع بقية السوريين حتى يدعمهم ويساعدهم القوى الدولية صاحبة المصالح الاقتصادية لان الحالة الكردية السورية لا تشبه حالات الأجزاء الأخرى ، وليس أجندة قومية معزولة تثير ريبة المحيط بسبب ظروف المناطق الكردية وجغرافيتها المجاورة لتركيا والعراق . يريد الكرد في سوريا حقوقاً وطنية مشروعة وثابتة واعترافاً دستورياً صريحاً بهويتهم القومية كجزء أساسي من الوطن السوري الحالي ، وإدارة مناطقهم عبر نظام لامركزي واسع الصلاحيات يحمي خصوصيتهم الجغرافية وينهي عقوداً من التهميش ويخدم المواطن بالدرجة الاولى لكسب ثقة الشعب ولا بد من التذكير بان هذه المرحلة والظروف الحالية تتطلب ذلك وان هذه المطالب ربما تتغير بتغير الظروف المحيطة بسوريا والدول المجاورة لها..