عدنان بدرالدين
يمكن للولايات المتحدة وإيران أن توقّعا مذكرة تفاهم، وأن تعلنا وقفًا للحرب، وأن تتفقا على فتح مضيق هرمز ورفع الحصار البحري تدريجيًا والعودة إلى التفاوض حول البرنامج النووي والعقوبات. لكنهما لا تستطيعان وحدهما ضمان أن يصمد ما تتفقان عليه.
فالطرف الغائب عن طاولة التفاوض حاضر في قلبها. إسرائيل لا تفاوض إيران مباشرة، لكنها طرف رئيسي في الحرب وفي الحسابات التي دفعت واشنطن وطهران إلى البحث عن مخرج. وهي تملك من القوة العسكرية والقدرة على التحرك في إيران ولبنان، وملاحقة ما تبقى من شبكات إيران الإقليمية، ما يكفي لتعريض أي تفاهم للهشاشة منذ يومه الأول.
هنا تكمن مفارقة مذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية كما كُشف نصها المتداول: الوثيقة تُصاغ بين طرفين، لكنها تحاول ضبط جبهات لا يملك الطرفان وحدهما قرارها الكامل. فهي تتحدث عن إنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، في حين أن إسرائيل، الطرف الأكثر قدرة على تقرير مصير هذه الجبهة ميدانيًا، ليست طرفًا مباشرًا في التوقيع.
ليس الخلاف بين واشنطن وتل أبيب خلافًا حول ما إذا كانت إيران خصمًا أو مصدر خطر. يتفق الطرفان في هذا الجانب. لكنهما يختلفان حول ما يكفي لإيقاف الحرب، وما ينبغي تحقيقه قبل السماح لإيران بالتقاط أنفاسها.
تريد واشنطن مخرجًا يوقف الاستنزاف، ويعيد الملاحة، ويحد من الكلفة الاقتصادية والسياسية. أما إسرائيل فتريد ضمان ألا تتحول الهدنة إلى فترة استراحة تعيد إيران خلالها بناء ما دمرته الحرب.
بين هذين الهدفين تقع التسوية كلها.
إسرائيل الغائبة عن الطاولة
لم تكن إسرائيل طرفًا مباشرًا في التفاهم الأمريكي–الإيراني، لكنها حاضرة في معظم القضايا التي يدور حولها.
فالبرنامج النووي الإيراني يمثل بالنسبة إليها تهديدًا أمنيًا مباشرًا، لا مجرد ملف تفاوضي بين واشنطن وطهران. والصواريخ الإيرانية ليست، في نظرها، قضية يمكن تأجيلها بسهولة. كما أن نفوذ إيران في لبنان والعراق واليمن جزء من البيئة الأمنية التي تريد إسرائيل تغييرها.
أما سوريا، التي كانت لسنوات حلقة مركزية في هذا النفوذ، فقد تحولت بعد سقوط نظام بشار الأسد إلى خسارة استراتيجية كبيرة لإيران. لم تعد دمشق قاعدة سياسية وعسكرية مفتوحة أمام الحرس الثوري وحلفائه، وتضرر الطريق الذي كان يصل طهران بحزب الله عبر العراق وسوريا. لذلك لم تعد سوريا جبهة نفوذ إيراني بالمعنى السابق، بل ساحة تسعى إسرائيل إلى منع طهران من العودة إليها.
من هنا، لا تنظر إسرائيل إلى مذكرة التفاهم من الزاوية التي تنظر منها إدارة ترامب. تستطيع واشنطن اعتبار إعادة فتح مضيق هرمز ووقف القتال المباشر بداية كافية، ثم تأجيل التفاصيل النووية والإقليمية إلى جولات لاحقة. أما إسرائيل فتخشى أن يصبح التأجيل نفسه مكسبًا لإيران.
فكل شهر يمر من دون ضربات قد يسمح بإصلاح منشآت، وإعادة تنظيم القيادة العسكرية، وتعويض بعض الخسائر، واستعادة جزء من الردع. لذلك ترى إسرائيل أن ما تسميه واشنطن خطوة أولى نحو التسوية قد يكون، من وجهة نظرها، خطوة أولى نحو إعادة إنتاج الخطر.
هذه الفجوة لا تعني أن التحالف الأمريكي–الإسرائيلي ينهار. لكنها تعني أن الحليفين لا ينظران إلى ساعة الحرب من التوقيت نفسه.
حين يحاول النص ضبط ما لا يسيطر عليه الموقعون
تكشف البنود المتداولة لمذكرة التفاهم عن محاولة واسعة لوقف الحرب لا على الجبهة الأمريكية–الإيرانية وحدها، بل على «جميع الجبهات»، بما في ذلك لبنان. وهذا تطور مهم؛ لأنه يعني أن واشنطن وطهران تدركان أن الحرب لم تعد محصورة في العلاقة بينهما، وأن أي تفاهم لا يلامس الجبهات الإقليمية سيبقى ناقصًا منذ البداية.
لكن إدخال لبنان في النص لا يحل المشكلة، بل يكشفها.
فالولايات المتحدة تستطيع الضغط على إسرائيل، لكنها لا تستطيع أن تحل محل قرارها الأمني. وإيران تستطيع التأثير في حزب الله، لكنها لا تستطيع أن تظهر داخليًا وخارجيًا كمن يوقّع على تقييد حليفها الأهم، خصوصًا بعد خسارتها جزءًا كبيرًا من موقعها السوري. أما لبنان نفسه، الدولة التي يُفترض أن تُضمن سيادتها وسلامتها الإقليمية، فهو الطرف الأكثر تضررًا والأقل قدرة على فرض شروطه.
لذلك يبدو البند اللبناني كأنه محاولة لصياغة سلام فوق ساحة لا تخضع لسلطة واحدة. إنه بند ضروري، لأن تجاهل لبنان كان سيجعل الاتفاق ناقصًا. لكنه بند هش، لأن أي ضربة إسرائيلية أو رد من حزب الله يستطيع أن يحوّله من ضمانة مكتوبة إلى اختبار مبكر لفشل التنفيذ.
هنا لا تكمن المشكلة في النص وحده، بل في المسافة بين النص والميدان.
ماذا تريد واشنطن؟
تريد إدارة ترامب وقف الحرب من دون أن يبدو ذلك تراجعًا.
هي بحاجة إلى اتفاق يمكن تقديمه بوصفه نتيجة للضغط العسكري، لا اعترافًا بأن الحرب وصلت إلى طريق مسدود. لذلك تحتاج إلى صورة سياسية واضحة: إيران أُضعفت، مضيق هرمز فُتح، الحصار البحري رُفع تدريجيًا، صادرات النفط عادت ضمن إعفاءات، والملف النووي عاد إلى التفاوض بشروط جديدة.
وتحتاج واشنطن أيضًا إلى تجنب الانزلاق إلى حرب طويلة لا تعرف كيف تنهيها. فكلما اتسعت الجبهات، ازدادت صعوبة التحكم فيها. هناك لبنان والعراق واليمن، والقواعد الأمريكية، والملاحة في الخليج والبحر الأحمر، وإمدادات الطاقة التي لا تستطيع الأسواق العالمية التعامل بسهولة مع اضطرابها في وقت واحد.
لهذا تريد واشنطن أن تفصل بين الملفات قدر الإمكان: توقف الحرب المباشرة أولًا، ثم تفاوض إيران نوويًا، وتُعالج أزمات لبنان واليمن وبقية الجبهات في مسارات موازية.
هذه مقاربة عملية، لكنها تحمل نقطة ضعف واضحة: إيران وإسرائيل وحلفاءهما لا ينظرون دائمًا إلى هذه الجبهات بوصفها ملفات منفصلة.
ماذا تريد إسرائيل؟
تريد إسرائيل اتفاقًا لا يوقف الحرب فقط، بل يثبت أن الحرب غيّرت البيئة الأمنية لمصلحتها.
ولهذا لا يكفيها تعهد إيراني عام بعدم حيازة أو تطوير سلاح نووي، ما لم تقترن به ترتيبات قابلة للتحقق بشأن التخصيب والمخزون والمنشآت. ولا يكفيها وقف الصواريخ المباشرة إذا بقيت إيران قادرة على إعادة بناء نفوذها الإقليمي أو دعم حلفائها.
كما تريد إسرائيل الاحتفاظ بحرية التحرك العسكري. فقد بنت جزءًا كبيرًا من سياستها الأمنية على قاعدة أنها لا تنتظر ضمانة دولية إذا رأت خطرًا مباشرًا. ومن الصعب تصور أن تتخلى بسهولة عن هذه القاعدة مقابل تفاهم لم تشارك في وضع شروطه.
المشكلة أن حرية الحركة هذه قد تكون هي نفسها ما يهدد مذكرة التفاهم. فضربة إسرائيلية لإيران أو لحزب الله قد تراها تل أبيب عملية محدودة وضرورية، بينما تراها طهران خرقًا للتفاهم ومحاولة لمواصلة الحرب من بوابة أخرى.
وهكذا يمكن لعملية عسكرية واحدة أن تفتح مجددًا كل ما أغلقته الوثيقة.
لبنان: البند الأخطر في المذكرة
لم يعد لبنان مجرد احتمال خارجي لتعطيل الاتفاق. النص المتداول لمذكرة التفاهم وضعه في قلب المسألة حين تحدث عن إنهاء العمليات العسكرية على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، وضمان السلامة الإقليمية والسيادة اللبنانية.
هذا البند يكشف إدراكًا أمريكيًا وإيرانيًا بأن أي وقف للحرب لا يشمل لبنان سيبقى مفتوحًا على الانهيار. لكنه يكشف أيضًا حدود قدرة الطرفين على تنفيذ ما يوقعانه.
تنظر إيران إلى حزب الله باعتباره أحد أهم عناصر نفوذها وردعها الإقليمي، ولا سيما بعد خسارة سوريا. ولا تريد أن توقع تفاهمًا مع واشنطن بينما تواصل إسرائيل ضرب الحزب أو التقدم داخل الأراضي اللبنانية. لذلك حاولت طهران ربط التهدئة الأوسع بوقف القتال في لبنان.
أما إسرائيل فترفض عمليًا منح إيران حق التفاوض باسم الجبهة اللبنانية، ولا تريد أن يؤدي الاتفاق الأمريكي–الإيراني إلى تقييد عملياتها ضد حزب الله. وهي تصر على أن أمن حدودها الشمالية لا يمكن أن يصبح جزءًا من صفقة تعقدها واشنطن مع طهران.
بين الموقفين، يتحول لبنان إلى اختبار مبكر لجدية التسوية.
ولم يعد هذا الاختبار نظريًا تمامًا. فالتوتر المستمر في لبنان، وما يتصل به من اتهامات متبادلة بشأن الخروق والردود، يكشفان أن البند اللبناني في مذكرة التفاهم هو أول امتحان عملي للفارق بين النص والتنفيذ. فإذا كان وقف الحرب «على جميع الجبهات» جزءًا من النص المتداول، فإن لبنان يبيّن أن الجبهات لا تُغلق بمجرد توقيع طرفين لا يملكان وحدهما قرار الميدان.
إذا استمرت إسرائيل في الضرب، تستطيع إيران القول إن الولايات المتحدة لم تضبط حليفتها، وإن وقف الحرب مجرد غطاء لاستمرارها بأدوات أخرى. وإذا رد حزب الله، تستطيع إسرائيل القول إن إيران لم توقف حلفاءها، وإن الاتفاق لم يغير شيئًا جوهريًا.
وهذا يجعل الجبهة اللبنانية أكثر من نزاع جانبي. إنها المكان الذي يمكن أن تنهار فيه التسوية قبل أن تبدأ مفاوضاتها الأساسية.
فالخلاف لا يتعلق فقط بمن أطلق النار أولًا، بل بمن يملك حق تعريف الخرق: هل العملية الإسرائيلية ضد حزب الله منفصلة عن الاتفاق مع إيران؟ أم أن استهداف أقرب حلفاء طهران هو استمرار للحرب نفسها؟
لا توجد حتى الآن إجابة متفق عليها.
اليمن: الممر الآخر للضغط
لا يقتصر خطر انهيار الاتفاق على لبنان. ففي اليمن، يحتفظ الحوثيون بقدرة على فتح جبهة أخرى عبر البحر الأحمر وباب المندب.
ليس الحوثيون قوة إيرانية خاضعة بالكامل لطهران. إنهم حركة يمنية ذات جذور محلية ومصالح خاصة وهامش قرار مستقل. لكنهم، في الوقت نفسه، جزء من اصطفاف إقليمي قريب من إيران، ويتحركون ضمن بيئة سياسية وعسكرية تجعل أثرهم يتجاوز اليمن.
وتكمن أهمية هذه الجبهة في أن أثرها لا يقف عند حدود الحرب اليمنية. فالهجمات على السفن، أو التهديد بمنع الملاحة المرتبطة بإسرائيل، يمكن أن يربك التجارة العالمية، ويرفع تكاليف النقل والتأمين والطاقة.
وبعد أن أصبح مضيق هرمز جزءًا أساسيًا من التفاهم الأمريكي–الإيراني، قد يتحول البحر الأحمر إلى الممر الآخر الذي تُختبر فيه الهدنة. فإذا فُتح هرمز وبقي باب المندب مهددًا، فلن يختفِ الضغط عن الملاحة العالمية، بل سينتقل جزئيًا من ممر إلى آخر.
وهنا تظهر مشكلة أخرى: تستطيع واشنطن أن تطلب من إيران التأثير في حلفائها، لكنها لا تستطيع افتراض أن طهران تصدر أوامر مباشرة تلتزم بها كل هذه القوى. العلاقة شبكة تحالف ومصالح ودعم، وليست بالضرورة سلسلة قيادة واحدة.
ولهذا يبقى اليمن جبهة قادرة على تعطيل التفاهم، ولكن بطريقة تختلف عن لبنان. حزب الله أكثر ارتباطًا بالبنية الاستراتيجية الإيرانية، بينما يحتفظ الحوثيون بهامش أوسع من القرار المحلي.
هل تستطيع واشنطن ضبط إسرائيل؟
تملك الولايات المتحدة أدوات ضغط حقيقية على إسرائيل: السلاح، والذخيرة، والغطاء السياسي، والمعلومات الاستخباراتية، والدعم الدبلوماسي. كما تستطيع إدارة ترامب أن توضح أن أي عملية إسرائيلية واسعة ستجري من دون مشاركة أمريكية، وربما من دون حماية سياسية كاملة.
لكن النفوذ لا يعني السيطرة التامة.
إسرائيل دولة تملك مؤسساتها وحساباتها الداخلية، وتستطيع اتخاذ قرار عسكري لا يتطابق مع التوقيت الأمريكي. كما أن قيادتها قد ترى في استمرار الضغط على إيران مصلحة أمنية وسياسية داخلية، حتى إذا رأت واشنطن فيه خطرًا على مسار التفاوض.
يضاف إلى ذلك أن ترامب نفسه لا يريد الظهور بمظهر من يضغط على إسرائيل لمصلحة إيران. فهو يحتاج إلى منعها من إفشال الاتفاق، لكنه يحتاج أيضًا إلى الحفاظ على صورة التحالف معها وعلى دعم القوى الأمريكية المؤيدة لها.
لذلك سيكون ضغطه محكومًا بحدود دقيقة: يريد من إسرائيل ضبط النار، لا التخلي عن أمنها؛ وقبول الهدنة، لا التسليم بشروط طهران؛ ومنح التفاوض فرصة، لا الاعتراف بأن الحرب كانت خطأ.
هذه مساحة ضيقة، وأي حادث كبير قد يجعل السير فيها مستحيلًا.
اتفاق يعيش تحت الاختبار
قد تنجح واشنطن وطهران في تثبيت مذكرة التفاهم والانتقال إلى مفاوضات تفصيلية. وقد تفتح الملاحة، وتُخفف بعض العقوبات، وتبدأ مناقشة المخزون المخصب والتفتيش والقيود النووية. لكن الاتفاق سيظل يعيش تحت الاختبار.
ستراقب إسرائيل ما إذا كانت إيران تعيد بناء منشآتها وقدراتها.
وستراقب إيران ما إذا كانت واشنطن قادرة على كبح الضربات الإسرائيلية.
وسيراقب لبنان ما إذا كان الاتفاق يتعامل معه كدولة ذات سيادة أم كساحة تفاوض بين الآخرين.
وستبقى جبهة اليمن والبحر الأحمر قادرة على إرباك الملاحة، حتى إذا هدأت جبهة الخليج.
في مثل هذه الظروف، لا يكون وقف إطلاق النار حالة سلام، بل نظامًا لإدارة المخاطر. يحتاج إلى اتصالات مستمرة، ووسطاء، وخطوط حمراء واضحة، وقدرة على امتصاص الخروقات من دون الرد عليها بأقصى قوة.
لكن هذا النوع من الاتفاقات يظل هشًا، لأن كل طرف يخشى أن يكون ضبط النفس الذي يمارسه فرصة يستغلها خصمه.
إسرائيل تخشى أن تستعيد إيران قدرتها.
وإيران تخشى أن تستخدم إسرائيل الهدنة لاستكمال الحرب في لبنان أو عبر العمليات السرية.
والولايات المتحدة تخشى أن يجرها الطرفان مجددًا إلى مواجهة تريد الخروج منها.
ومع ذلك، ليست الهشاشة حكمًا مسبقًا بالفشل. فإذا صمدت الهدنة، قد تنشأ حولها مصالح جديدة: عودة الملاحة، انخفاض أسعار الطاقة، استئناف التصدير، تقليل كلفة الحرب، وفتح قنوات تفاوض منتظمة. هذه المصالح لا تصنع سلامًا بالضرورة، لكنها قد تجعل العودة إلى الحرب أكثر كلفة على الجميع.
أربعة مسارات محتملة
يمكن أن تتجه المرحلة المقبلة إلى واحد من أربعة مسارات.
الأول أن تصمد مذكرة التفاهم، وأن تنتقل المفاوضات تدريجيًا إلى الاتفاق النهائي، مع قبول إسرائيلي غير معلن بوقف الضربات الواسعة. وهذا أفضل السيناريوهات، لكنه يحتاج إلى تنازلات من الجميع.
الثاني أن يستمر التفاهم الأمريكي–الإيراني، بينما تبقى المواجهة الإسرائيلية–الإيرانية في مستوى منخفض: عمليات سرية، وضربات محدودة، وصراع في لبنان، وتهديد للملاحة في البحر الأحمر، من دون العودة إلى الحرب الشاملة. وهذا يبدو السيناريو الأكثر قابلية للتحقق.
الثالث أن تطول المفاوضات من دون اتفاق نهائي، بينما تتحول الهدنة إلى حالة مؤقتة قابلة للتجديد. فلا حرب شاملة ولا تسوية كاملة، بل انتظار مسلح.
أما الرابع فهو أن تؤدي ضربة كبيرة أو خطأ في الحساب إلى انهيار كل شيء، فتعود الحرب في ظروف أشد خطورة، لأن الأطراف ستكون قد استنفدت جزءًا من قدرتها على التراجع السياسي.
لا يمكن استبعاد أي من هذه المسارات. لكن الاحتمال الأقرب هو اتفاق ناقص، تصاحبه مواجهة منخفضة الشدة، وتبقى إسرائيل خارجه رسميًا وحاضرة داخله عمليًا.
وربما لا يكون الاختبار المقبل بين نجاح كامل وفشل كامل، بل بين هدنة تبقى قائمة سياسيًا، وجبهات تستمر في اختبار حدودها ميدانيًا.
من يملك القرار الأخير؟
لا تملك واشنطن القرار وحدها، رغم أنها الطرف الأقوى. ولا تملكه طهران، رغم قدرتها على تعطيل الملاحة والجبهات. ولا تملكه إسرائيل، رغم تفوقها العسكري.
كما أن حلفاء إيران ليسوا قطعًا صامتة تتحرك جميعها بأمر واحد. حزب الله والحوثيون والقوى المسلحة في العراق ترتبط بطهران بدرجات مختلفة، ولكل منها بيئتها ومصالحها وحساباتها.
كل طرف يملك قدرة على المنع أكبر من قدرته على البناء.
تستطيع إسرائيل منع اتفاق لا يراعي مخاوفها، لكنها لا تستطيع وحدها بناء بديل مستقر.
وتستطيع إيران رفع كلفة الحرب، لكنها لا تستطيع فرض قبول إقليمي بنفوذها وشروطها.
وتستطيع الولايات المتحدة جمع الأطراف حول هدنة، لكنها لا تستطيع بسهولة تحويلها إلى نظام أمني دائم.
لهذا فإن الاتفاق المحتمل لن يكون نتيجة ثقة أو مصالحة، بل نتيجة توازن بين مخاوف متبادلة. سيصمد ما دام الجميع يرى أن خرقه أكثر كلفة من احتماله.
وقد يكون هذا كافيًا لوقف الحرب، لكنه لا يكفي لإنهاء الصراع.
فالسؤال لم يعد فقط إن كانت واشنطن وطهران قادرتين على التوصل إلى تفاهم، بل ما إذا كانتا قادرتين على بناء اتفاق تستطيع إسرائيل التعايش معه، ويستوعب في الوقت نفسه واقع جبهات لا تخضع بالكامل لقرار دولة واحدة.
وإذا تعذر تحقيق هذا التوازن، فستبقى التسوية معلقة بين توقيع طرفين، وقدرة تعطيل تحتفظ بها أطراف عدة.