عدنان بدرالدين
لم تنتهِ المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران بانتصار واضح لطرف، ولا باستسلام الطرف الآخر. ما دفعها نحو التهدئة لم يكن حسمًا عسكريًا، بل ارتفاع الكلفة إلى مستوى جعل مواصلة الحرب أكثر خطورة من البحث عن مخرج.
استطاعت الولايات المتحدة وإسرائيل إلحاق أضرار كبيرة بإيران، وضرب منشآت وقيادات وقدرات عسكرية، وكشف مواطن ضعف داخل منظومتها الأمنية. وفي المقابل، أثبتت طهران أنها لا تزال قادرة على توسيع دائرة الخطر، والضغط على الملاحة والطاقة، ورفع كلفة الحرب خارج حدود ساحة القتال المباشرة.
لكن القدرة على الإيذاء ليست هي القدرة على فرض نهاية سياسية. يستطيع كل طرف أن يجعل خيارات خصمه أكثر كلفة، من دون أن يمتلك وحده القدرة على تحديد ما يأتي بعد الحرب.
لهذا لا يبدو التفاهم الجاري اتفاقًا ينهي الصراع، بل محاولة لوقف استنزاف باتت نتائجه أقل قابلية للضبط. أما القضايا الأصعب، وفي مقدمتها البرنامج النووي، والمخزون المخصب، والتفتيش، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، فما تزال معلقة على مفاوضات لاحقة.
وتستند هذه القراءة إلى النص المتداول لمذكرة التفاهم الأمريكية–الإيرانية، كما نشرته أو نقلت مضمونه مصادر صحفية معتبرة، مع الإشارة إلى أن النص لم يُنشر بعد بوصفه وثيقة رسمية كاملة من الطرفين. لذلك يتعامل هذا المقال مع المذكرة بوصفها إطارًا سياسيًا موثوقًا نسبيًا، لا نصًا قانونيًا نهائيًا.
لم يعد السؤال، إذن، من انتصر، بل لماذا أصبح التوقف حاجة مشتركة؟
من سقوف الحرب إلى ضرورات التفاوض
بدأت المواجهة بأهداف مرتفعة. أرادت إسرائيل إضعاف البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين، وتقليص قدرة طهران على إعادة بناء نفوذها الإقليمي. وقدمت إدارة دونالد ترامب الضغط العسكري بوصفه وسيلة لفرض شروط لم تنجح العقوبات والمفاوضات السابقة في فرضها.
أما إيران، فحاولت تعويض عدم التكافؤ العسكري بتوسيع دائرة الكلفة. لم يكن بمقدورها مجاراة التفوق الأمريكي والإسرائيلي، لكنها امتلكت ما يكفي لتهديد الملاحة والطاقة وبعض الجبهات المرتبطة بها، وجعل الحرب تتجاوز حدود المواجهة الثنائية.
ومع مرور الوقت، ظهر التناقض بين الأهداف المعلنة والنتائج الممكنة. تستطيع الولايات المتحدة وإسرائيل تدمير قدرات، لكنهما لا تستطيعان ضمان أن يؤدي ذلك إلى إيران أكثر استقرارًا أو أقل خطرًا. وتستطيع طهران الصمود والرد، لكنها لا تستطيع مواصلة مواجهة طويلة من دون إنهاك اقتصادها ودولتها ومجتمعها.
هنا بدأت لغة الحسم تتراجع لمصلحة لغة أكثر واقعية: وقف النار، إعادة الملاحة، تقليل الضغط الاقتصادي، ثم التفاوض على المسائل التي لم تستطع الحرب حسمها.
لم تتخلَّ الأطراف عن أهدافها، لكنها بدأت تبحث عن طرق أقل كلفة لتحقيق الممكن منها.
ما تستطيع القوة فعله وما تعجز عنه
كشفت الحرب هشاشة أجزاء مهمة من البنية الإيرانية، لكنها لم تُسقط الدولة. وأضعفت قدرات عسكرية وأمنية، لكنها لم تنتج بديلًا سياسيًا قادرًا على تسلم السلطة. كما لم يظهر انقسام حاسم داخل مؤسسات النظام يفتح الطريق أمام انهياره من الداخل.
لا يعني ذلك أن إيران خرجت منتصرة. لقد خرجت أضعف، واقتصادها أكثر إنهاكًا، ونفوذها الإقليمي أضيق مما كان عليه. لكنها احتفظت بما يكفي من أدوات الردع والتعطيل لمنع خصومها من فرض استسلام كامل.
وهذه هي المفارقة الأساسية: لم تعد إيران بالقوة التي كانت تحاول إظهارها، لكنها لم تصبح أيضًا دولة منهارة يمكن إعادة ترتيبها من الخارج.
غير أن قدرة إيران على الصمود والتعطيل لا تعني نجاح مشروعها الإقليمي، ولا سلامة نموذجها السياسي. فقد كشفت الحرب محدودية نظام يعتمد على العسكرة والعقوبات والحلفاء غير الدولتيين، بقدر ما كشفت حدود القوة الأمريكية والإسرائيلية في فرض نهاية سياسية من الخارج.
في المقابل، واجهت واشنطن السؤال الذي يظهر بعد الضربات الأولى في معظم الحروب: ماذا يأتي بعدها؟ هل يمكن تفكيك القدرات الإيرانية بالكامل؟ وما الذي قد ينتج من انهيار دولة كبيرة متعددة القوميات؟ وهل يؤدي الضغط الأقصى إلى تراجع نووي أم إلى اندفاع أكبر نحو الردع؟
لم تقدم القوة العسكرية جوابًا نهائيًا. ولهذا عاد التفاوض.
إيران: البقاء ليس انتصارًا
تحتاج طهران إلى وقف المواجهة لأن الاستمرار يهدد بنقل الدولة من الضعف القابل للإدارة إلى إنهاك يصعب احتواؤه. تحتاج إلى تصدير النفط، وتهدئة الأسواق، وتقليل الضغط على العملة والاقتصاد، واحتواء التوتر الداخلي.
لكنها لا تستطيع تقديم أي تفاهم داخليًا بوصفه تراجعًا تحت النار. ولذلك تحاول الاحتفاظ بجزء من قدرتها النووية والصاروخية، وتقديم التهدئة باعتبارها تبادلًا للمصالح، لا استسلامًا.
تلك معادلة صعبة. فالتنازل الواسع قد يثير اعتراض القوى المتشددة، والتمسك بالشروط القديمة قد يعيد الحرب في ظروف أكثر قسوة.
ولا تواجه إيران الخارج وحده. إنها تواجه أيضًا مجتمعًا منهكًا، واقتصادًا تضرر طويلًا من العقوبات، ونخبة أمنية تريد الحفاظ على أدوات الردع، وسلطة سياسية تحتاج إلى مكاسب اقتصادية سريعة كي تبرر التفاوض. لذلك تتفاوض من موقع أزمة، لا من موقع قوة، ولكن أيضًا من دون أن تكون قد وصلت إلى حالة استسلام.
حين دخل الاقتصاد ساحة الحرب
لم يبق الاقتصاد نتيجة جانبية للمواجهة. لقد تحول إلى أحد أسباب التوقف.
أدى اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز إلى ضغط على أسعار النفط والغاز، ورفع تكاليف الشحن والتأمين، وأثار مخاوف تتجاوز المنطقة إلى أوروبا وآسيا والولايات المتحدة. وأصبح استمرار الحرب يحمل خطرًا يوميًا على الأسواق وسلاسل الإمداد والتضخم.
بهذا المعنى، لم يعد فتح المضيق تفصيلًا تقنيًا في أي تفاهم. إنه واحد من المفاتيح الرئيسية لخفض كلفة الحرب على الأطراف وعلى الاقتصاد العالمي.
وقد أكد النص المتداول لمذكرة التفاهم هذا المعنى بوضوح. فالبنود التي كُشفت لا تبدأ من الملف النووي وحده، بل من وقف العمليات العسكرية، ورفع الحصار البحري تدريجيًا، وإعادة حركة السفن عبر مضيق هرمز، ومنح إعفاءات لتصدير النفط الإيراني، وفتح الطريق أمام استخدام الأموال والأصول المجمدة.
هذا لا يعني أن الاقتصاد حلّ محل السياسة أو الأمن، بل يعني أن الحرب بلغت نقطة صار فيها الاقتصاد جزءًا من ميدانها وجزءًا من مخرجها في الوقت نفسه.
بالنسبة إلى إيران، ظل المضيق إحدى أهم أوراق الضغط المتبقية. وبالنسبة إلى واشنطن، أصبح تعطله دليلًا على أن التفوق العسكري لا يكفي لحماية الاقتصاد من نتائج الحرب.
لقد دفع النفط والملاحة والأسواق الأطراف نحو التفاوض بقدر لا يقل أهمية عن الحسابات العسكرية.
مذكرة تفاهم لا اتفاق سلام
ما كُشف حتى الآن لا يرقى إلى اتفاق نهائي. إنه، في أفضل توصيف له، مذكرة تفاهم انتقالية تحاول وقف الحرب وفتح الطريق إلى اتفاق لاحق خلال مهلة محددة.
وهذا الفارق أساسي.
فالمذكرة، بحسب النص المتداول، لا تحسم القضايا النووية الكبرى بصورة نهائية. هي تؤكد أن إيران لا تسعى إلى حيازة أو تطوير سلاح نووي، وتتحدث عن معالجة مصير المواد المخصبة وفق آلية لاحقة، وعن خفض نسبة التخصيب في الموقع تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية. لكنها لا تقدم، في مرحلتها الحالية، هندسة تفصيلية شبيهة بما كان في اتفاق 2015 حول مستويات التخصيب، والمخزون، وأجهزة الطرد المركزي، وآليات التفتيش طويلة المدى.
كما أن القضايا الإقليمية لا تُحل بمجرد ذكرها في نص تفاهم. فوقف العمليات على «جميع الجبهات»، بما في ذلك لبنان، لا يعني تلقائيًا أن كل القوى المنخرطة في الميدان ستلتزم بالتفسير نفسه. هنا يظهر الفارق بين توقيع وثيقة، وصناعة واقع قادر على حمايتها.
لذلك لا ينبغي وصف ما يجري بأنه سلام، ولا حتى اتفاق نووي جديد. الأدق أنه اتفاق مؤقت على وقف الاستنزاف، وإعادة فتح الممرات، وشراء وقت سياسي للتفاوض على المسائل التي بقيت عصية على الحسم العسكري.
وثيقة لخفض الكلفة لا لحل الصراع
حتى الآن، لا تبدو الخلافات الجوهرية قد حُلّت. ما ظهر هو إطار لوقف الأعمال العدائية، وإعادة فتح الملاحة، والعودة إلى المفاوضات. أما التخصيب، والمخزون النووي، والتفتيش، والصواريخ، والنفوذ الإقليمي، فما تزال ملفات مفتوحة.
لهذا لا تكمن أهمية مذكرة التفاهم في أنها أنهت الصراع، بل في أنها كشفت لماذا لم يعد ممكنًا إدارته بالسلاح وحده.
لقد حاولت الحرب فرض شروط سياسية بالقوة. لكنها انتهت إلى وثيقة تبدأ عمليًا من خفض الكلفة: وقف النار، فتح المضيق، رفع الحصار، تصدير النفط، تحرير الأموال، ثم التفاوض لاحقًا على النووي والعقوبات.
وهذا الترتيب في ذاته يقول الكثير. فعندما يصبح فتح طريق السفن شرطًا للعودة إلى طاولة النووي، فهذا يعني أن الحرب لم تعد مجرد مواجهة بين منشآت وصواريخ، بل صارت أزمة في الأسواق والممرات والميزانيات والشرعية السياسية.
بذلك لا يظهر الاتفاق بوصفه نهاية للصراع، بل بوصفه اعترافًا بأن استمرار الصراع بالشكل العسكري المباشر بات أكثر خطرًا من تعليقه مؤقتًا.
ما الذي دفع الأطراف إلى التوقف؟
لا توجد إجابة واحدة.
دفعتها الخسائر العسكرية، والإنهاك الاقتصادي، وخطر اتساع الحرب، واضطراب الملاحة والطاقة، وغياب تصور موثوق لليوم التالي.
الأهم أن المواجهة كشفت حدود القوة لدى الجميع.
كشفت لإيران أن قدرتها على الرد لا تحميها من الاختراق والضربات الثقيلة.
وكشفت لإسرائيل أن التفوق العسكري لا يضمن وحده إزالة الخطر الإيراني أو بناء ترتيب إقليمي مستقر.
وكشفت للولايات المتحدة أن تدمير الأهداف أسهل من تحديد النهاية السياسية للحرب.
هذه الحدود المتبادلة هي التي فتحت الطريق إلى التفاوض. لم تتقلص الخلافات، لكن ثمن إدارتها بالسلاح ارتفع.
وقف الحرب أم تغيير شكلها؟
الأرجح أن المواجهة لن تنتهي بتوقيع واحد. قد تتوقف الحرب المباشرة، لكنها ستستمر بوسائل أخرى: العقوبات، والعمليات السرية، والضغط السيبراني، والتنافس في العراق ولبنان واليمن، والخلاف حول التفتيش واليورانيوم والصواريخ.
وقد تسمح مذكرة التفاهم لكل طرف بأن يقدم روايته الخاصة: تقول واشنطن إنها أضعفت إيران وأعادت الملاحة ومنعت اندفاعها نحو السلاح النووي؛ وتقول طهران إنها صمدت وكسرت الحصار واحتفظت بحقها في التكنولوجيا النووية؛ وتقول إسرائيل إنها غيّرت موازين الردع، لكنها لن تقبل أن تتحول الهدنة إلى استراحة إيرانية لإعادة البناء.
لكن قدرة الجميع على رواية نصره لا تعني أن الصراع حُلّ. قد تعني فقط أن كل طرف وجد الصيغة التي تسمح له بالتوقف من دون إعلان الهزيمة.
ومع ذلك، ليست الهشاشة حكمًا مسبقًا بالفشل. فإذا صمدت الهدنة، قد تنشأ حولها مصالح جديدة: عودة الملاحة، انخفاض أسعار الطاقة، استئناف التصدير، تقليل كلفة الحرب، وفتح قنوات تفاوض منتظمة. هذه المصالح لا تصنع سلامًا بالضرورة، لكنها قد تجعل العودة إلى الحرب أكثر كلفة على الجميع.
ما أوقف الحرب، في النهاية، ليس اتفاقًا على مستقبل المنطقة، بل الخوف من نتائج لم يعد أحد قادرًا على ضبطها.
غير أن وقف الحرب بين واشنطن وطهران لا يكفي وحده لصناعة السلام، ما دام الطرف الغائب عن طاولة التفاوض حاضرًا في الميدان، وقادرًا بضربة واحدة على إعادة الجميع إلى نقطة البداية.
21 حزيران/يونيو 2026