أكرم حسين
في أعقاب سقوط نظام الأسد في الثامن من كانون الأول 2024، دخلت سوريا مرحلة جديدة ، لتطرح أسئلة مصيرية حول شكل الدولة ونظام الحكم والعلاقة بين مكوناتها الوطنية. فبعد أكثر من خمسة عقود من الاستبداد والتصحر السياسي، بات السوريون أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء دولتهم على أسس المواطنة والعدالة والشراكة الحقيقية، بما يضمن مشاركة جميع أبنائها في صناعة مستقبلها .
ضمن هذا السياق، يبرز التساؤل حول موقع الحركة السياسية الكردية ودور المجلس الوطني الكردي في المرحلة المقبلة. فمع التحولات العميقة التي شهدتها البلاد، يذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأن المجلس استنفد دوره ، وأن الظروف التي أفرزته لم تعد قائمة. غير أن هذا الاستنتاج يتجاهل حقيقة أساسية مفادها أن الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة بناء الدولة لا يقلل من أهمية العمل السياسي، بل يعيد اليه الاعتبار بوصفه الأداة الرئيسية لصياغة الدساتير وبناء المؤسسات وإدارة التعددية الوطنية.
لقد عانى الكرد في سوريا لعقود طويلة من سياسات التهميش والإقصاء، بدءاً من الإحصاء الاستثنائي والحزام العربي وصولاً إلى مختلف مشاريع التعريب والتمييز القومي ، وفي ظل هذه الظروف نشأت الحركة السياسية الكردية وخاضت نضالاً طويلاً للحفاظ على الهوية القومية والدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب الكردي، رغم القيود الأمنية والسياسية التي فرضها النظام السابق.
ومع اندلاع الثورة السورية عام 2011 وما أعقبها من تحولات عسكرية وأمنية، تراجع دورالسياسة لصالح القوى المسلحة وموازين السيطرة الميدانية كمرحلة استثنائية بطبيعتها، فرضتها ظروف الحرب وانهيار مؤسسات الدولة. أما اليوم، فإن المرحلة الجديدة تختلف جذرياً عما سبقها ، إذ إن بناء الدولة لا يتم عبر السلاح، بل من خلال الحوار والتفاوض والتوافق الوطني، الأمر الذي يعيد للمؤسسات السياسية دورها الطبيعي في تمثيل المجتمعات وصياغة الرؤى المستقبلية.
في هذا الإطار، ما يزال المجلس الوطني الكردي يمتلك عناصر مهمة تؤهله للمساهمة في المرحلة المقبلة. فقد راكم خلال سنوات تأسيسه خبرة سياسية وتنظيمية ، وشارك في معظم المحطات المتعلقة بالقضية الكردية والشأن السوري العام، كما نسج شبكة من العلاقات السياسية على المستويات السورية والإقليمية والدولية، ما يمنحه قدرة على الحضور والتأثير في النقاشات المرتبطة بمستقبل البلاد.
كما أن ما تحقق من تقدّم في الاعتراف بالقضية الكردية وحقوق الشعب الكردي لم يكن وليد الظروف الراهنة فحسب، بل نتيجة تراكم طويل من النضال السياسي الذي شاركت فيه مختلف القوى الكردية ، واليوم لم يعد التحدي مقتصراً على انتزاع الاعتراف بالحقوق، بل في تحويله إلى ضمانات دستورية وقانونية ومؤسساتية راسخة ضمن العقد الوطني السوري الجديد.
وتكمن أهمية المرحلة الحالية في كونها مرحلة تأسيسية، حيث يسعى السوريون إلى إعادة تعريف شكل الدولة ونظام الحكم وتوزيع السلطة والثروة . من هنا تبرز الحاجة إلى تمثيل كردي سياسي قادر على الدفاع عن رؤية كردية تضمن الشراكة الوطنية الحقيقية، وتعترف بالتعددية القومية والثقافية لسوريا، وتؤسس لنظام ديمقراطي لامركزي يكفل المساواة بين جميع المواطنين.
غير أن الدفاع عن أهمية المجلس الوطني الكردي لا يعني تجاهل جوانب القصور التي رافقت تجربته. فقد واجه المجلس خلال السنوات الماضية تحديات تنظيمية وسياسية ، تمثلت في بطء عملية تجديد النخب، وضعف مشاركة الشباب والنساء في مواقع القرار، ومحدودية فاعلية بعض مؤسساته وصعوبة تجاوز خلافاته الداخلية في بعض المراحل. كما لم يتمكن دائماً من تحويل حضوره السياسي ، ودعم الإقليم إلى تأثير جماهيري يتناسب مع حجم التحديات المطروحة.
لكن هذه الملاحظات ينبغي أن تُقرأ باعتبارها دوافع للإصلاح والتطوير، لا مبررات للتفكيك أو الإلغاء. فالتجارب السياسية الحية لا تُقاس بخلوها من الأخطاء، بل بقدرتها على مراجعة ذاتها والاستفادة من خبراتها السابقة، ولذلك هناك حاجة ملحّة لإطلاق عملية تجديد شاملة داخل المجلس، تشمل تطوير آليات العمل، وتعزيز الشفافية والمؤسسية، وتوسيع قاعدة المشاركة، واستقطاب الكفاءات الشابة والخبرات المهنية القادرة على مواكبة متطلبات المرحلة الجديدة. كما أن نجاح المجلس في المستقبل يرتبط بقدرته على توسيع انفتاحه على مختلف القوى الوطنية السورية، وبناء شراكات سياسية قائمة على المصالح الوطنية المشتركة مع العرب والسريان والآشوريين وسائر المكونات السورية، انطلاقاً من قناعة بأن حل القضية الكردية يشكل جزءاً من مشروع وطني أوسع يهدف إلى بناء سوريا ديمقراطية تعددية لا مركزية قائمة على المواطنة المتساوية وسيادة القانون.
إن التجارب المعاصرة تؤكد أن غياب المؤسسات السياسية المنظمة يفتح المجال أمام هيمنة القوة العسكرية أو التدخلات الخارجية في تقرير مصير المجتمعات. لذلك فإن تطوير المجلس الوطني الكردي وتحويله إلى مؤسسة حديثة وفاعلة ، حاجة كردية تصب في مصلحة الاستقرار السياسي ، والديمقراطي في سوريا.
يقف الكرد اليوم أمام فرصة تاريخية للمشاركة في صياغة مستقبل بلادهم بعد عقود من التهميش والاقصاء ، والتحدي الأساسي أمام المجلس والحركة السياسية الكردية عموماً في سوريا الجديدة هو في الانتقال من مرحلة الدفاع عن الوجود والحقوق إلى مرحلة المساهمة الفعلية في بناء الدولة وصياغة العقد الوطني الجديد. فنجاح هذا التحول لن يحدد مستقبل المجلس وحده، بل سيؤثر أيضاً في طبيعة المشاركة الكردية في الحياة السياسية السورية، وفي قدرة الكرد على تحويل عقود من النضال والتضحيات إلى مشروع وطني ديمقراطي يسهم في بناء دولة تتسع لجميع السوريين.