جولة توم باراك في المنطقة: بين ضبط الإيقاع الإقليمي ومستقبل الكورد

حسن قاسم
تثير جولة المبعوث الأميركي في المنطقة جملة من التساؤلات الحساسة، لا سيما أنها تأتي في توقيت بالغ التعقيد، حيث تتشابك ملفات العراق وسوريا وتركيا وإيران ضمن مشهد إقليمي يعاد تشكيله على نار هادئة. ومن الواضح أن واشنطن لا تتحرك اليوم بمنطق إدارة الأزمات فقط، بل بمنطق إعادة هندسة التوازنات بما ينسجم مع أولوياتها الاستراتيجية الجديدة.
في العراق، يبدو أن ملف سلاح الميليشيات يحتل موقعاً متقدماً في أجندة باراك. فواشنطن تدرك أن بقاء السلاح خارج إطار الدولة يهدد استقرار العراق ويضعف مشروع الدولة الوطنية. لكن السؤال الأهم: هل تمتلك الولايات المتحدة الإرادة الكافية لتفكيك هذا الملف، أم أنها ستكتفي بإعادة تنظيمه واحتوائه؟
المؤشرات الحالية توحي بأن واشنطن لا تريد مواجهة مفتوحة مع الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، لكنها في الوقت ذاته تريد تقليص نفوذها وإعادة ضبط قواعد الاشتباك. وهذا يعني أن المرحلة المقبلة قد تشهد ضغوطاً سياسية وأمنية لإعادة تعريف دور هذه القوى، وربما دمج بعضها ضمن مؤسسات الدولة بشروط جديدة.
غير أن قراءة تحركات باراك لا يمكن فصلها عن العامل التركي. فأنقرة باتت لاعباً مركزياً في حسابات واشنطن الإقليمية، خصوصاً بعد الحرب في غزة والتوتر مع إيران. وهنا يبرز سؤال مشروع: هل تتحرك واشنطن اليوم بما يخدم الأجندة التركية؟
الواقع أن جزءاً من التحركات الأميركية يتقاطع فعلاً مع المصالح التركية، خاصة في سوريا والعراق، حيث تعتبر تركيا أن أي مشروع قومي كوردي مستقل يمثل تهديداً مباشراً لأمنها القومي. لكن هذا لا يعني تطابقاً كاملاً؛ فواشنطن تنظر إلى تركيا كحليف وظيفي، لا كصاحب قرار نهائي.
أما بالنسبة للكورد، وهم الحليف الأكثر ثباتاً للولايات المتحدة في الحرب ضد تنظيم الدولة الاسلامية ، فإن المشهد يبدو أكثر تعقيداً. الكورد دفعوا أثماناً باهظة في مواجهة الإرهاب، وقدموا نموذجاً مستقراً نسبياً في إدارة مناطقهم، سواء عبر حكومة اقليم كوردستان أو عبر الإدارة الذاتية في روجافاي كوردستان .
لكن السياسة الأميركية، كما أثبتت التجارب، تحكمها المصالح لا الالتزامات الأخلاقية. ولذلك فإن مستقبل الكورد مرهون بقدرتهم على تحويل تضحياتهم العسكرية إلى مشروع سياسي متماسك، لا بالاكتفاء بدور الحليف الميداني.
في هذا السياق، يثار جدل واسع حول ما يسمى بـ”الاندماج الديمقراطي”. من حيث المبدأ يبدو المفهوم جذاباً، لكنه في التطبيق قد يتحول إلى صيغة ناعمة لصهر الهوية القومية للكورد داخل بنية مركزية جديدة تعيد إنتاج الإنكار التاريخي للحقوق القومية. فالاندماج إذا لم يقترن باعتراف دستوري واضح بالشراكة القومية واللامركزية السياسية، فإنه يصبح مجرد إعادة تدوير للحكم المركزي بأدوات حديثة.
أما فيما يتعلق بملف حل الميليشيات، فمن الخطأ وضع قوات البيشمركة في السلة نفسها. البيشمركة ليست ميليشيا طارئة، بل مؤسسة عسكرية دستورية معترف بها في العراق، ولها شرعية قانونية وسياسية ودور تاريخي في حماية إقليم كوردستان ومكافحة الإرهاب. وبالتالي فإن أي مشروع لإعادة تنظيم السلاح في العراق لا يمكن أن يشمل البيشمركة إلا ضمن إطار التنسيق الدفاعي الاتحادي، وليس التفكيك أو الإلغاء.
في النهاية، يبدو أن جولة باراك تحمل رسائل متعددة: ضبط السلاح في العراق، تهدئة الجبهات مع إيران، طمأنة تركيا، وإعادة ترتيب المشهد السوري. لكن وسط كل هذه الحسابات، يبقى السؤال الكوردي مفتوحاً: هل ستختار واشنطن البراغماتية على حساب حلفائها، أم أنها ستدرك أن استقرار المنطقة يبدأ بالاعتراف بحقوق شعوبها، وفي مقدمتهم الكورد؟
الجواب لم يتضح بعد، لكن التاريخ يقول إن الشعوب التي لا تحمي مشروعها بنفسها، غالباً ما تتحول إلى بند مؤجل في دفاتر القوى الكبرى.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

اكرم حسين الحديث عن مسؤولية «الكرد» عن ممارسات قوات سوريا الديمقراطية، وتحميلهم جماعياً نتائج سياسات وممارسات هذه القوة، هو خلط سياسي وأخلاقي لا يخدم الحقيقة ولا وحدة البلاد. أولاً: قسد لم تدّعِ يوماً أنها تمثّل الكرد السوريين ، ولم تكن مفوضة بالحديث باسمهم. بل إن مشروعها السياسي، منذ نشأته، قام على مفهوم «الأمة الديمقراطية»، وهو تصوّر عابر للهويات…

عبدالباقي اليوسف تقتضي لحظات التحول التاريخية في الشرق الأوسط نظرة واقعية تفكك المشهد بعيداً عن الشعارات المستهلكة؛ وما يشهده الإقليم اليوم من تسارع محتدم للأحداث—من الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران إلى إعادة رسم خرائط النفوذ—ليس مجرد تفاصيل منفصلة، بل تجلٍّ لإعادة ترتيب واسعة لموازين القوى. وفي قلب هذه العاصفة، يأتي الموقف التركي الراهن تجاه القضية الكوردية ليرسم علامات استفهام كبرى؛ موقفٌ…

عبد الجابر حبيب لا أدري لماذا تسلل إلى ذهني مسلسل “صح النوم”، وبالتحديد ذلك المشهد الذي يحاول فيه حسني البرظان كتابة مقالته الشهيرة. يبدأ بثقة: “إذا أردنا أن نعرف ماذا يجري في إيطاليا، فعلينا أن نعرف ماذا يجري في البرازيل.” ثم يتكفل غوار بإفساد كل شيء، فلا يكتمل المقال؛ لأن الواقع المؤلم الذي يعيشه كاتب المقال كان أثقل من أن…

فيصل إسماعيل إسماعيل الحلقة الثانية: ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان… من الفكرة إلى المبادرة إذا كان تكرار الاعتداءات على إقليم كوردستان قد أصبح تهديدًا للاستقرار، وإذا كانت بيانات الإدانة لم تعد كافية لردعها، فإن السؤال الطبيعي الذي يطرح نفسه هو: ما البديل؟ البديل، برأيي، هو فتح نقاش دولي جاد حول إنشاء ميثاق أمن دولي لإقليم كوردستان، أو إطلاق مبادرة أممية…