د . مرشد اليوسف
الإدارة الذاتية في روجافا وشمال شرق سوريا استثمرت في الأحزاب الكردية وعددها بالعشرات ومعظمها أحزاب من نوع الكنبة وعدد أعضاء البعض منها لايتجاوز العشرات .
ورضيت تلك الأحزاب بسبب ضعفها وقلت حيلتها أن تدور في فلك الإدارة الذاتية دون فعالية .
بل قبلت أن تكون ديكور إلى جانب الإدارة و لم تفلح في هذا الدور أيضا .
لذا فإن الاستثمار في المجتمع المدني و النقابات والفعاليات المجتمعية والاتحادات النسوية وغيرها .
وبشكل عام العمل على تطوير قوى المجتمع الكردي يمكن أن يقلب المعادلة إلى الحالة السياسية الإيجابية .
وهذا الموضوع يلامس الإشكالية البنيوية في الحياة السياسية الكردية في روجافا و شمال شرق سوريا، وهي العلاقة بين القوة السياسية المهيمنة وبين المجتمع المنظم. فحين تصبح الأحزاب الصغيرة والضعيفة معتمدة على السلطة السياسية أو على الحزب الأقوى، فإنها تفقد تدريجياً قدرتها على تمثيل المجتمع أو إنتاج مبادرات مستقلة، وتتحول إلى كيانات تدور في فلك المركز السياسي بدلاً من أن تكون شريكاً حقيقياً في صنع القرار.
ويمكن القول إن تجربة الإدارة الذاتية خلال السنوات الماضية ركزت بدرجة كبيرة على بناء المؤسسات الأمنية والعسكرية والإدارية، وهو أمر فرضته ظروف الحرب ومواجهة تنظيم الدولة الإسلامية والتحديات الإقليمية.
و لكن بناء المجتمع السياسي لم يتطور بالوتيرة نفسها.
فبدلاً من نشوء حياة حزبية تنافسية وقادرة على إنتاج نخب جديدة، ظهرت عشرات الأحزاب التي بقي معظمها محدودة التأثير الجماهيري والتنظيمي.
ومن المنظور السوسيولوجي، فإن قوة أي مشروع سياسي لا تقاس بعدد الأحزاب الموجودة على الورق، بل بوجود مجتمع مدني حيّ يمتلك استقلاليته النسبية.
فالنقابات المهنية، واتحادات العمال، والمنظمات النسوية، والروابط الثقافية، والاتحادات الطلابية، والجمعيات التعاونية، تمثل جميعها مدارس لإنتاج القيادات الاجتماعية والسياسية.
و هذه المؤسسات تخلق فضاءً عاماً للنقاش والمساءلة، وتمنع احتكار السياسة من قبل حزب أو تيار واحد.
إن الاستثمار في المجتمع المدني الكردي قد يكون أكثر فائدة على المدى الطويل من الاستثمار في الأحزاب الضعيفة التي لا تمتلك قواعد اجتماعية حقيقية.
والمجتمع المدني القوي يستطيع
تعزيز المشاركة الشعبية في صنع القرار.
ومراقبة أداء المؤسسات العامة ومحاسبتها.
زتقوية الهوية الديمقراطية للمجتمع.
وخلق توازن بين السلطة والمجتمع.
وحماية المكتسبات السياسية من الارتباط بمصير حزب واحد أو زعيم واحد.
كما أن الحركة النسوية الكردية تمتلك فرصة خاصة في هذا المجال، لأنها أثبتت خلال السنوات الماضية قدرة أكبر على التنظيم المجتمعي مقارنة بالعديد من الأحزاب التقليدية. وينطبق الأمر ذاته على الاتحادات المهنية والفعاليات الثقافية والشبابية إذا مُنحت هامشاً أوسع من الاستقلالية والحرية السياسية .
وفي النهاية، فإن أي تجربة حكم محلي أو إدارة ذاتية لا تستطيع الاستمرار بالاعتماد على الشرعية العسكرية أو الحزبية فقط. والاستقرار الحقيقي يأتي عندما يتحول المجتمع نفسه إلى شريك في إدارة الشأن العام.
ومن هنا تبدو فكرة الانتقال من «الاستثمار في الأحزاب » إلى «الاستثمار في المجتمع المنظم» واحدة من أهم القضايا التي قد تحدد مستقبل التجربة الكردية في روجافا خلال السنوات المقبلة، سواء بقيت الإدارة الذاتية بصيغتها الحالية أو تطورت إلى نموذج سياسي جديد أكثر انفتاحاً وتشاركية.