اتفاق أم هدنة مؤجلة؟ قراءة في تفاهم ترامب – إيران وحدود المرحلة المقبلة

حسن قاسم
ما تم الإعلان عنه بين إدارة دونالد ترامب وإيران لا يمكن وصفه، حتى الآن، باتفاق تاريخي أو تسوية نهائية بقدر ما هو مذكرة تفاهم مؤقتة تمتد لستين يوماً، أشبه بفترة اختبار نوايا بين طرفين أنهكتهما المواجهة المباشرة وغير المباشرة. فالمعطيات المتوافرة تشير إلى أن ما جرى هو إطار أولي لوقف التصعيد وفتح المجال أمام مفاوضات أكثر تعقيداً، لا سيما في القضايا الجوهرية التي لم تُحسم بعد.
من المبكر الحديث عن انتصار إيراني كما تحاول طهران تسويقه داخلياً، كما أنه من المبالغة اعتبار ما تحقق إنجازاً لسلام دائم كما يروّج له ترامب. الحقيقة السياسية تبدو أكثر تعقيداً؛ فالطرفان وصلا إلى نقطة استنزاف جعلت التهدئة ضرورة تكتيكية لا خياراً استراتيجياً.
القراءة الواقعية لهذا التفاهم تؤكد أن الملفات الكبرى لا تزال معلقة، وفي مقدمتها ثلاثة ملفات مصيرية:
أولاً، الملف النووي الإيراني، وهو جوهر الصراع وأساس المخاوف الغربية والإقليمية. فالتفاهم الحالي لم يقدم تصوراً واضحاً لمصير تخصيب اليورانيوم أو تفكيك البنية النووية الإيرانية، بل أرجأ ذلك إلى جولات لاحقة.
ثانياً، ملف الأذرع الإيرانية والنفوذ الإقليمي، وهو الأخطر بالنسبة للأمن العربي، إذ أن بقاء نفوذ إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن يعني أن أسباب التوتر لم تُعالج فعلياً.
ثالثاً، ملف العقوبات الاقتصادية، حيث تسعى طهران إلى تخفيفها أو رفعها مقابل تنازلات محددة، بينما تستخدم واشنطن هذه الورقة كأداة ضغط رئيسية لإخضاع إيران لشروطها.
هنا تكمن المعضلة الحقيقية: إذا كانت إيران قد وافقت بالفعل على اثني عشر بنداً أساسية كما تسرّب بعض المراقبين، فإن ذلك لا يمكن تفسيره إلا بوصفه تراجعاً كبيراً في الخطاب السياسي الإيراني، وربما هزيمة استراتيجية فرضتها موازين القوة والاختناق الاقتصادي والعسكري. فالدولة التي كانت تتحدث عن تغيير موازين المنطقة وجدت نفسها مضطرة للعودة إلى طاولة التفاوض من موقع أضعف.
لكن رغم ذلك، لا يمكن الحديث عن استسلام كامل، لأن إيران تاريخياً بارعة في كسب الوقت وإعادة التموضع. وهي غالباً ما تستخدم الهدن المؤقتة لإعادة ترتيب أوراقها، خصوصاً في لحظات الضغط القصوى.
أما على مستوى الأمن العربي، فإن الصورة لا تزال ضبابية، وخصوصاً بالنسبة لدول الخليج العربي التي تراقب بقلق مستقبل هذا التفاهم. فهذه الدول تدرك أن أي اتفاق لا يتضمن تحجيماً فعلياً للمشروع الإقليمي الإيراني لن يكون كافياً لضمان استقرار طويل الأمد.
ومن زاوية الاقتصاد الدولي، فإن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل أولوية عالمية، نظراً لكونه ممراً حيوياً يمر عبره نحو خمس صادرات الطاقة العالمية. وقد انعكس مجرد الإعلان عن التهدئة مباشرة على أسعار النفط والأسواق المالية العالمية، ما يؤكد أن أمن هذا المضيق ليس شأناً إقليمياً فقط بل قضية اقتصادية دولية بامتياز.
السؤال الأهم الآن ليس: هل وُقّع الاتفاق؟
بل: هل تستطيع الأطراف تجاوز الملفات المؤجلة خلال مهلة الستين يوماً؟
فإذا نجحت هذه المرحلة في إنتاج حلول فعلية للنووي والعقوبات والنفوذ الإقليمي، فقد نكون أمام بداية تحول استراتيجي في الشرق الأوسط. أما إذا فشلت، فإن ما جرى لن يكون سوى هدنة قصيرة تسبق جولة جديدة من الصراع، ربما أكثر خطورة من سابقاتها.
الشرق الأوسط اليوم لا يعيش سلاماً، بل يعيش استراحة محاربين، والستون يوماً القادمة وحدها كفيلة بكشف ما إذا كان العالم أمام ولادة نظام إقليمي جديد، أم مجرد إعادة تدوير للأزمة بصيغة مؤقتة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

د . مرشد اليوسف تدخل قامشلو مئويتها الثانية وهي تحمل مئة عام من الذاكرة، بكل ما فيها من أفراح وأحزان، ونجاحات وإخفاقات، وتحولات سياسية واجتماعية تركت بصماتها على المدينة وأهلها. لكن قامشلو اليوم ليست قامشلو التي عرفناها قبل عقود. فقد أنهكتها سنوات الأزمة السورية، وأثقلت بنيتها التحتية، وتراجعت خدماتها، وفقدت بعضاً من ملامحها الجميلة. وليس من الإنصاف أن نحمّل…

إبراهيم محمود ” إلى صديقي الذي لما يزل حياً يرزق: الأستاذ والكاتب حينها: وليد حسو، الشاهد على مأساة ما حدث ، وشهود عيان كانوا طلابي ذات يوم في ديركا حمكو” ما ليس عنواناً لا بأس أن أنير بعضاً مما يخصُّ تبعات مقال ” جان دوست… كاتبٌ في مواجهة ثقافة الشتيمة.” لكاتبها الأستاذ ” عاكف حسن “، في موقع ” ولاتى…

جمعة عكاش Jomaa Akkash اليوم سنغني وسنطلق الألعاب النارية ونلبس من أجمل ملابسنا وسنعقد حلقات الدبكة الكردية والعربية والسريانية وكاننا في “الجنة” هكذا نحن شعوب القامشلي وزالين وقامشلو نحب الحياة، لكن في الحقيقة واقع مدينتنا – عاصمتنا كارثي للغاية. إذا كانت دمشق أسوء مدينة للعيش في العالم…

محمود أوسو نحن لا نكتب عن التاريخ لنتفاخر بالماضي، ولا عن الدين لنكفر أحداً، ولا عن السياسة لنشتم قومية أو نقدس قومية. نكتب لأن السكوت خيانة، والحوار واجب. من يظن أننا عندما نكتب عن حدث تاريخي أو ديني أو اجتماعي، هدفنا إهانة دين أو قومية، فهو لم يفهم حرفاً مما نكتب، ولم يفهم معنى أن تكون إنساناً. نحن نحترم…