مرحلة حساسة تتطلب مراجعة شجاعة ومسؤولية وطنية

حسن قاسم

تمرّ القضية الكوردية في سوريا اليوم بمرحلة شديدة الحساسية والخطورة، في ظل تحولات سياسية وأمنية متسارعة تفرض على الجميع إعادة النظر في طبيعة الأداء السياسي وآليات العمل الوطني. فالتحديات الراهنة لم تعد تحتمل الارتجال أو ردود الفعل العاطفية، بل تتطلب منهجية علمية وواقعية سياسية تستند إلى قراءة دقيقة للواقع وموازين القوى.

إن ضياع البوصلة السياسية لدى كثير من الفاعلين في الوسط الكوردي السوري خلق حالة من الإرباك والضبابية، وأدى إلى تراجع القدرة على تحديد الأولويات الوطنية والقومية. ولا يمكن إنكار حقيقة وجود اختلافات جوهرية في وجهات النظر بين أطراف الحركة السياسية الكوردية حول طبيعة الحقوق والواجبات ضمن إطار الدولة السورية ومستقبل شكل العلاقة معها. وهذا أمر طبيعي في أي حركة سياسية حية، بل قد يكون مصدر غنى إذا أُحسن التعامل معه.

لكن المشكلة الكبرى تكمن في أن هذه الاختلافات لم تُدار ضمن أطر سياسية ناضجة، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى خلافات تناحرية وصراعات داخلية استنزفت الطاقات، وأضعفت الأداء السياسي، وأفقدت الشارع الكوردي الثقة بكثير من قياداته. وكانت النتيجة خسائر سياسية وميدانية كبيرة، دفعت القضية الكوردية ثمناً باهظاً لها في لحظات مصيرية.

لقد شكّل مؤتمر وحدة الخطاب والموقف في حينه بارقة أمل حقيقية لإمكانية تجاوز الانقسامات وبناء رؤية مشتركة، إلا أن تلك الفرصة أُجهضت سريعاً قبل أن تتحول إلى مشروع عملي، بفعل حسابات ضيقة وتدخلات عطلت مسارها. وهذا يعكس حجم الأزمة البنيوية التي تعاني منها الحركة السياسية الكوردية، حيث ما تزال المصالح الحزبية والشخصية تتقدم على المصلحة القومية العامة.

من المؤسف أيضاً أن بعض القوى السياسية باتت تلجأ إلى تصدير خلافاتها إلى الشارع عبر مناصريها، وتحويل الجمهور إلى أداة في معاركها الداخلية، الأمر الذي يساهم في تشويه الوعي الجمعي وإبعاد الجماهير عن جوهر القضية الأساسية: النضال من أجل الحقوق القومية، والسياسية، والثقافية، والاجتماعية للشعب الكوردي في سوريا.

القضية الكوردية في سوريا ليست قضية ظرفية أو مطلباً عابراً، بل هي قضية شعب أصيل يعيش على أرضه التاريخية، وله حق مشروع في الدفاع عن هويته ووجوده وحقوقه ضمن أي صيغة وطنية مستقبلية. لذلك فإن نشر الأكاذيب، وبث السموم، ورفع الشعارات غير الواقعية، لا يخدم إلا أعداء هذه القضية.

إن المرحلة المقبلة تتطلب عملية مراجعة شاملة ومسؤولة، تبدأ بمحاسبة كل من أساء إلى هذه القضية، وكل من استغلها لتحقيق مكاسب شخصية أو حزبية. كما تتطلب بناء مشروع سياسي جديد قائم على أسس علمية، ورؤية استراتيجية واضحة، وثوابت قومية راسخة.

صحيح أن لكل تجربة كبواتها، لكن الشعوب الحية تتعلم من هزائمها وتنهض من جديد. والشعب الكوردي في سوريا، رغم كل ما مر به من انتكاسات، ما زال يمتلك القدرة على إعادة تنظيم صفوفه، وتوحيد خطابه، وبناء حالة نضالية جديدة أكثر وعياً وصلابة، تكون قادرة على حماية الحقوق وتحقيق الطموحات الوطنية المشروعة.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبداللطيف محمد أمين موسى تُشير كافة التقارير والأبحاث والدراسات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي والقومي، الصادرة عن أهم مراكز الأبحاث والدراسات وخبرائها، إلى إمكانية عودة التصعيد الشامل، وبصورة أكبر وأكثر تأثيراً، إلى المنطقة. كما تؤكد أن هذا التصعيد سيختلف عن حرب 12 يوماً وحرب 28 فبراير من حيث التأثير على أمن المنطقة وأمن الطاقة، بسبب تعقيدات هذه الأزمة، ولاسيما الأبعاد…

فيصل اسماعيل على امتداد العقود الماضية، لم تكن العلاقة بين الكرد وبعض عشائر الجوار العربية مجرد خلافات عابرة فرضتها ظروف سياسية مؤقتة، بل مرت بمحطات تركت جراحًا عميقة في ذاكرة أبناء المنطقة. فمنذ تطبيق مشروع الحزام العربي، مرورًا بأحداث قامشلو عام 2004، ثم سنوات الحرب السورية، تراكمت أحداث ساهمت في تعميق فجوة الثقة بين الجيران، ودفعت ثمنها جميع المكونات دون…

يتابع منتدى الكلمة الحرة بقلق بالغ الدعوات إلى إقامة خيمة حرب في بلدة الميلبية جنوب محافظة الحسكة، ويؤكد أن مثل هذه الخطوات لا تخدم مصلحة الوطن، بل تعيد إنتاج خطاب الصراع والانقسام في وقت يحتاج فيه السوريون إلى ترسيخ ثقافة الحوار والتعايش. لقد أنهكت سنوات الحرب أبناء سوريا جميعًا، وخلفت مآسي إنسانية وخسائر كبيرة، ولم يعد هناك ما يبرر العودة…

كفاح محمود في الطب، لا تُعد الحمى مرضًا بحد ذاتها، بل رسالة يبعثها الجسد ليقول إن شيئًا غير طبيعي يحدث في داخله، إنها إنذار مبكر، يعلن أن معركة تدور بين جهاز المناعة وسبب خفي، قد يكون فيروسًا أو بكتيريا أو التهابًا، لذلك لا ينشغل الطبيب بخفض الحرارة وحده، بل يبحث أولًا عن مصدرها، لأن اختفاء الحمى لا يعني دائمًا زوال…