أحمد بلال
أن ما يرد في المقال هو رأي وتحليل شخصي.
عندما قرأت هذه العبارة على شاشة التلفزيون اليوم، تذكرت فورًا مثلًا شعبيًا متداولًا لدينا نحن أبناء عفرين.
يُقال إن طبّالين تشاجرا، فرمى أحدهما الآخر بحجر، ثم صاح به مباشرة: “اخفض رأسك، لقد رميتك بحجر!”. وعلى حد علمي، لم يُذكر في منطقتنا أن طبّالًا قتل طبّالًا آخر، رغم وجود حوادث كثيرة قُتل فيها أشخاص على يد أقرب الناس إليهم. وأذكر هذا المثل مع كامل احترامي لفئة الطبّالين من المجتمع الكردي في عفرين، فالمقصود هو المثل الشعبي وما يحمله من دلالة سياسية لا أكثر.
هذا المثل يتبادر إلى ذهني كلما تابعت العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران. ففي الظاهر يبدو العداء بين الطرفين بلا حدود، وهو مستمر منذ أزمة احتجاز موظفي السفارة الأمريكية في طهران عام 1979. فمنذ ذلك الحين نسمع عن العقوبات الاقتصادية، وتجميد الأموال والأصول الإيرانية، والتهديدات العسكرية، والتصريحات المتبادلة التي توحي بأن الطرفين في حالة صراع دائم.
لكن عندما ننظر إلى ما جرى خلال العقود الماضية، تظهر أمامنا وقائع تدفع إلى طرح أسئلة مختلفة. ومن أبرز تلك الوقائع فضيحة “إيران–كونترا” أو ما عُرف إعلاميًا بـ”إيران غيت”، عندما كُشف عن وصول أسلحة أمريكية إلى إيران في وقت كانت فيه الحرب العراقية الإيرانية مشتعلة. وبغض النظر عن تفاصيل القضية وأهدافها، فقد أثبتت أن ما يجري خلف الأبواب المغلقة ليس دائمًا مطابقًا لما يقال على المنابر السياسية أو في وسائل الإعلام.
واليوم، ومع كل جولة جديدة من التصعيد، يبدو المشهد وكأنه يتحرك بين الحرب والتفاوض في آن واحد. فكلما ارتفعت حدة التهديدات، ظهرت في المقابل قنوات اتصال ومفاوضات ورسائل غير مباشرة. وكأن المنطقة تعيش على إيقاع بورصة سياسية ترتفع فيها أسهم الحرب ثم تنخفض، بينما تدفع دول وشعوب المنطقة ثمن هذا الصراع المستمر.
وفي الفترة الأخيرة سمعنا عن مقتل عدد من القادة الإيرانيين نتيجة العمليات العسكرية. وبرأيي الشخصي، فإن القسم الأكبر من هذه العمليات يرتبط بالضربات الإسرائيلية أكثر من ارتباطه بالعمليات الأمريكية المباشرة، رغم أن الطرفين يلتقيان في كثير من الأهداف المتعلقة بإضعاف النفوذ الإيراني في المنطقة.
ومن وجهة نظري، ما زال بقاء النظام الإيراني، بصيغته الحالية، يخدم في بعض الجوانب مصالح استراتيجية أمريكية. فوجود خصم معروف ومحدد قد يكون في بعض الأحيان أكثر فائدة من الدخول في مرحلة مجهولة النتائج. أما إسرائيل، فهي تنظر إلى إيران باعتبارها القوة الإقليمية الأكبر القادرة على منافستها وعرقلة مشاريعها الاستراتيجية، ولذلك تسعى باستمرار إلى إضعاف قدراتها السياسية والعسكرية والاقتصادية.
ولهذا أرى أن الخلاف لا يدور فقط حول البرنامج النووي الإيراني أو النفوذ الإقليمي، بل يمتد إلى مستقبل إيران نفسها. فحتى الآن لا يبدو أن هناك اتفاقًا كاملًا بين الولايات المتحدة وإسرائيل حول شكل النظام الذي يمكن أن يحكم إيران في حال حدوث تغيير جذري هناك، ولا حول طبيعة الدولة التي قد تنشأ بعد ذلك.
لقد رأينا خلال السنوات الماضية حجم التأثير الأمريكي في رسم التحولات السياسية في المنطقة. وفي هذا السياق، لا يمكن تجاهل التصريح الذي أدلى به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما قال عن الرئيس السوري أحمد الشرع إنه الشخص الذي “وضعه هناك بشكل أساسي”. وسواء اتفقنا أو اختلفنا مع هذا التوصيف، فإنه يعكس الطريقة التي تنظر بها واشنطن إلى دورها وقدرتها على التأثير في مسار الأحداث الإقليمية.
ولهذا أعتقد أن الحرب الدائرة اليوم لا تتعلق بإيران وحدها، بل بمستقبل الشرق الأوسط بأكمله. وإذا استمرت المواجهة واتسعت دائرتها، فقد لا تكون نتائجها مقتصرة على تغيير موازين القوى، بل ربما تمتد إلى إعادة رسم الخريطة الجيوسياسية للمنطقة.
وقد يكون العالم أمام مرحلة تشهد تراجعًا للترتيبات التي نشأت بعد اتفاقية سايكس – بيكو، وظهور واقع سياسي جديد مختلف عما عرفناه خلال القرن الماضي. وفي حال تحقق مثل هذا التحول الكبير، فإن بعض القوميات والشعوب التي ما زالت تطالب بحقوقها القومية قد تجد نفسها أمام فرص تاريخية جديدة، وقد نشهد ظهور كيانات أو دول جديدة، مثل دولة كردية أو دولة بلوشية، أو غيرها من الكيانات التي قد تفرضها المتغيرات الإقليمية والدولية.
لكن كل ذلك ما يزال في إطار الاحتمالات والتوقعات السياسية، لأن مستقبل المنطقة لم يُحسم بعد، وما زالت موازين القوى والمصالح الدولية والإقليمية تتصارع على تحديد شكله النهائي.
ويبقى السؤال: هل نحن أمام صراع يتجه نحو الحسم، أم أمام جولة جديدة من لعبة المصالح التي تستمر فيها الضربات والمفاوضات معًا، بينما تدفع شعوب المنطقة الثمن الأكبر؟