نوري بريمو
كثرت الأخبار والأحاديث في الآونة الأخيرة حول مشكلة يتم إفتعالها بين الحين والآخر، مفادها المطالبة بتسليم سلاح البيشمركة للجيش العراقي بذريعة أحقية ضبط السلاح بيد الدولة!؟، ومع الأسف يلقى هذا الكلام الذي يُرادُ به باطل، إرتياحاً لدى بعض الجهات الشوفينية التي يحلو لها إجترار الماضي والسعي لعرقلة الفدرَلة والدستور ومحاولة إدارة عقارب ساعة العراق إلى الوراء أي إلى عهود النظام المركزي الفاشي الذي كان يطغى ويستفرد بالبلاد والعباد ويتفنّن في توزيع المظالم على كل العراقيين بمختلف إنتماءاتهم القومية والدينية والطائفية.
وللحديث عن هذا الموضوع الشائك، لابد من العودة قليلا إلى الماضي كشاهد على الأحداث، فمنذ أن تشكلت الدولة العراقية في بداية القرن العشرين بموجب اتفاقيه (سايكس بيكو) التي جزّأت كوردستان إلى أربعة أجزاء وألحقت إقليم كوردستان بالعراق، تشكلت في هذا البلد قوتان مسلحتان، هما القوات المسلحة العراقية وقوات البيشمركة الكوردستانية، ولكل منهما تاريخها الذي يشهد على أهدافها وسلوكها ومسيرتها، فالانظمة العراقية المتعاقبة استخدمت الجيش العراقي مراراً وتكراراً وفي كثير من المراحل كأداة قمعية لارتكاب المظالم ضد العراقيين والمجازر ضد الكورد والحروب ضد الجوار كالكويت وايران وغيرهما، أما القيادة الكوردستانية فلم تستخدم البيشمركة في أي هجوم مسلح ضد الآخرين، ومنذ أن قام القائد الوطني الكورستاني الخالد مصطفى بارزاني بشكل رسمي بتأسيسها قُبَيل وخلال إعلان جمهورية كوردستان في مهاباد والذي كان وزير دفاعها آنذاك، فقد وضع للبيشمركة هدف وحيد وهو الدفاع المشروع عن الكورد وكردستان وعدم تجاوز حرمات وحدود الآخرين وخصوصاً الجيران، ولعل الشهود الأكثر دلالة على أن البيشمركة هي قوه دفاعية وليست هجومية، هي أنها وُلِدَت من رحم كوردستاني ونظمت نفسها بنفسها بشكل طوعي وتعاظم دورها في سهول وجبال كوردستان وكانت وستبقى درعاً واقياً لكوردستان، وقد قدمت مئات الألاف من الشهداء والتضحيات الجسيمة التي جعلتها وقوداً بشرياً لكل الثورات الكوردية وخاصة ثورتي أيلول وكولان وإبان الهجرة المليونية وغيرها، وفيما بعد تصدّت لغزوات محتلف المجاميع االمسلحة المتطرفة التي كانت تعربد في العراق واستهدفت اقليم كوردستان ولعلّ أبرزها تنظيم داعش الذي غزى شنكال ومخمور وسعى لغزو عموم كوردستان ومن ثم تركيا ومنها إلى أوروبا، أما آخر دفاعات البيشمركة عن كوردستان فقد خاضت أشرف المعارك ضد ميليشيات الحشد الشعبي التي غزت كركوك وإخواتها وكادت أن تغزو الإقليم برمته لولا بسالة قوات البيشمركة التي تصدّت لها، ولذا فقد كانت وستبقى تمثل إرادة شعب كوردستان الذي قدم ملايين الضحايا البشرية في دروب الحرية والبقاء.
وبناء على ماسبق وليس لإستذكار الماضي الرديئ وأنما لتبيان جزء من الحقائق، وبما أن صاحب الحق سلطانٌ كما يُقال، فإن الرأي العام الكوردي يعطي الحق لنفسه ويتساءل: بأي حق يطالب البعض بتسليم سلاح البيشمركة إلى جيش ذو تاريخ مكتظ بحملات الأنفال والقتل الجماعي والتطهير العرقي ضد الكورد أو بالأحرى تسليمه إلى جهة كان أسلافها يقطعون أعناق الكورد وهي الآن تقطع أرزاقهم وتحاربهم بلقمة العيش وتحاصرهم وتشكل خطراً على حاضر ومستقبل كوردستان، إذ لا يُلدَغ المؤمن من جُحرٍ مرتين، وليس من العقلانية أبداً التخلي عن سلاح هذه القوات التي كانت وستبقى بيت الأمان الكوردستاني وحامية أرضه وعِرضه وباقي مقدساته، بالإضافة إلى أن البيشمركة هي قوة عسكرية نظامية ومعترف بها في الدستور العراقي لعام 2005 م.
وأخيراً وليس آخراً فإن لسان حال الشارع الكوردي في كل أنحاء كوردستان، يعتبر هذا المطلب خط أحمر، ويصيح بأعلى صوته ويناشد القيادة السياسية الكوردستانية وخاصة الزعيم والقائد مسعود بارزاني، بأن يرفض تسليم سلاح البيشمركة للجيش العراقي، لأنه سلاح ذاتي وأهلي متوارث عبر الأجيال الكوردستانية المتعاقبة، وهو سلاح مقدس ومأمون عليه في عُهدة البيشمركة الذين هم أنبل وأأمَمن وأطهر بني البشر على الإطلاق.
6-6-2026