حسن قاسم
يثير الحديث عن مشاريع أو سيناريوهات تستهدف وضع قوات البيشمركة تحت إمرة الحكومة الاتحادية بصورة مباشرة جملة من التساؤلات السياسية والدستورية، ليس فقط حول مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل، بل حول مستقبل التجربة الفيدرالية في العراق برمتها.
فمن الناحية الدستورية، لا تُعد قوات البيشمركة مجرد تشكيل عسكري حزبي أو قوة محلية طارئة، بل تم الاعتراف بها ضمن المنظومة الدستورية العراقية باعتبارها القوة الرسمية لإقليم كوردستان. ومن هذا المنطلق، فإن أي محاولة للتعامل مع البيشمركة بوصفها حالة مشابهة لأي تشكيل مسلح خارج إطار الدولة تتجاهل الخصوصية القانونية والسياسية التي قامت عليها الفيدرالية العراقية بعد عام 2003.
لقد أثبتت قوات البيشمركة، وفي مقدمتها القوات التي واجهت تنظيم داعش في أصعب المراحل، أنها كانت خط الدفاع الأول عن كوردستان وعن أجزاء واسعة من العراق عندما انهارت قطعات عسكرية كبيرة أمام هجوم التنظيم الإرهابي عام 2014. وقد قدم آلاف المقاتلين من البيشمركة تضحيات جسيمة دفاعاً عن الأرض والإنسان، وساهموا بشكل مباشر في وقف تمدد داعش وحماية مكونات متعددة من الكورد والعرب والتركمان والمسيحيين والإيزيديين وغيرهم.
لذلك فإن اختزال قضية البيشمركة في إطار مشروع سياسي يستهدف إعادة هندسة موازين القوى داخل الإقليم أو توسيع نفوذ بغداد على حساب صلاحيات كوردستان لا يخدم الاستقرار العراقي، بل يهدد أحد أهم النماذج الناجحة نسبياً في العراق المعاصر.
فإقليم كوردستان، رغم ما يواجهه من تحديات سياسية واقتصادية، ما زال يمثل مساحة من الاستقرار والأمن مقارنة بكثير من مناطق العراق والمنطقة. كما استطاع خلال العقود الماضية بناء مؤسسات مدنية وإدارية وتعليمية واقتصادية أسهمت في تعزيز التنمية وتحسين مستوى الخدمات وترسيخ التعايش بين مختلف المكونات القومية والدينية.
وفي هذا السياق، لعب الزعيم الكوردي مسعود بارزاني دوراً محورياً في ترسيخ ثقافة الشراكة وحماية حقوق المكونات المختلفة داخل الإقليم، وهو نهج ساهم في تعزيز صورة كوردستان باعتبارها نموذجاً للاستقرار والانفتاح في منطقة تعج بالصراعات.
إن أي مشروع يُنظر إليه على أنه يستهدف إضعاف خصوصية الإقليم أو تقليص صلاحياته الدستورية تحت شعار حصر السلاح قد يؤدي إلى نتائج عكسية. فبدلاً من تعزيز الثقة بين بغداد وأربيل، قد يفتح الباب أمام أزمات سياسية جديدة ويعمق الشعور لدى الشارع الكوردي بأن هناك محاولات مستمرة للانتقاص من المكاسب الدستورية التي تحققت بعد عقود طويلة من النضال والتضحيات.
ومن هذا المنطلق، يرى كثير من المراقبين أن نجاح أي مبادرة إصلاحية في الملف الأمني يجب أن يقوم على مبدأ الشراكة والاحترام المتبادل للدستور، لا على فرض معادلات سياسية جديدة تستهدف طرفاً بعينه أو توظف المؤسسات الأمنية في إطار صراعات حزبية وإقليمية.
أما الرهانات التي قد يبنيها بعض الأطراف على ضغوط خارجية أو حسابات سياسية آنية، فإنها تبقى رهانات محفوفة بالمخاطر. فاستقرار العراق لا يتحقق بإضعاف التجربة الفيدرالية في كوردستان، بل بتعزيزها وتطويرها ضمن إطار الدولة الاتحادية. كما أن مستقبل العلاقة بين بغداد وأربيل ينبغي أن يُبنى على التوافق الدستوري والشراكة الحقيقية، لا على مشاريع قد تُفسر بأنها موجهة ضد تطلعات الشعب الكوردي وحقه في إدارة شؤونه ضمن النظام الفيدرالي الذي أقره الدستور العراقي.
وعليه، فإن أي محاولة للمساس بخصوصية البيشمركة أو تحويلها إلى ورقة في صراع سياسي داخلي لن تؤدي إلا إلى زيادة التوتر وتعقيد المشهد العراقي، بينما يبقى الخيار الأكثر واقعية هو دعم إصلاح المؤسسة العسكرية الكوردستانية وتطويرها ضمن إطار الدستور، بما يحفظ وحدة العراق الاتحادي ويحمي في الوقت نفسه المكتسبات الدستورية لشعب كوردستان.