الثبات على الحقوق أم سياسة المساومة؟

خالد حسو

في خضم السجالات السياسية التي تشهدها الساحة الكوردية بين الحين والآخر، يبرز سؤال جوهري يتجاوز حدود التنافس الحزبي والاصطفافات السياسية التقليدية: هل يمكن الحفاظ على الحقوق القومية من خلال الثبات على المبادئ، أم أن المساومة والتنازل يشكلان الطريق الأمثل للتعامل مع التحديات والمتغيرات؟

هذا السؤال لا يتعلق بحزب بعينه بقدر ما يتعلق بطبيعة المشروع السياسي الذي يحمله كل طرف، وبالمنهج الذي يتبناه في التعامل مع القضايا المصيرية للشعب الكوردي. فالتعددية السياسية حقيقة راسخة في إقليم كوردستان، وهي جزء من أي تجربة ديمقراطية سليمة، لكن التعددية لا تعني بالضرورة تساوي المشاريع السياسية في الرؤية أو الأداء أو القدرة على حماية المكتسبات الوطنية.

من هنا، فإن الدفاع عن النهج البارزاني والحزب الديمقراطي الكوردستاني لا ينبغي أن يُفهم على أنه تعصب حزبي أو رفض للرأي الآخر، بل باعتباره دفاعاً عن مدرسة سياسية ارتبط اسمها تاريخياً بالنضال القومي الكوردي وبالسعي المستمر لترسيخ الحقوق القومية وحماية المكتسبات التي تحققت عبر عقود طويلة من التضحيات.

لقد أثبتت التجارب السياسية المعاصرة أن الشعوب التي تفرط بحقوقها تحت ضغط الظروف أو بحجة الواقعية السياسية تجد نفسها لاحقاً أمام خسائر أكبر مما كانت تحاول تجنبه. فالواقعية السياسية لا تعني التخلي عن الثوابت، كما أن المرونة لا تعني التفريط بالمبادئ. هناك فارق جوهري بين إدارة الأزمات بحكمة وبين تحويل الحقوق الوطنية إلى أوراق تفاوض قابلة للتنازل في كل مرحلة.

إن جوهر الخلاف في كثير من الأحيان لا يكمن في البرامج الانتخابية أو توزيع المقاعد البرلمانية، بل في النظرة إلى القضية القومية نفسها. فهناك من يرى أن الحقوق الوطنية تمثل ثوابت غير قابلة للمساومة، بينما ينظر إليها آخرون باعتبارها ملفات سياسية يمكن إعادة تعريفها أو التراجع عنها وفقاً لموازين القوى والضغوط القائمة.

وفي هذا السياق، فإن اختزال المشهد السياسي في أرقام المقاعد أو النتائج الانتخابية المؤقتة يمثل قراءة قاصرة لطبيعة العمل السياسي. فالشرعية السياسية لا تُبنى على دورة انتخابية واحدة، بل على التاريخ النضالي، وحجم التأثير في صناعة القرار، والقدرة على الدفاع عن مصالح الشعب في اللحظات المفصلية.

لقد شهد التاريخ الكوردي محطات كثيرة أثبتت أن المكتسبات الكبرى لم تتحقق نتيجة التردد أو التنازل، بل كانت ثمرة الإصرار والصمود والتمسك بالحقوق. كما أن التحديات التي واجهها الشعب الكوردي عبر العقود لم تكن لتُواجه لولا وجود قوى سياسية آمنت بأن الحقوق القومية ليست موضوعاً للمساومة، بل مسؤولية وطنية تتطلب الثبات والدفاع المستمر.

إن النقد السياسي حق مشروع، والاختلاف في الرأي ظاهرة صحية، لكن من غير المقبول أن يتحول الدفاع عن الثوابت الوطنية إلى تهمة، أو أن يُصوَّر التمسك بالحقوق القومية على أنه تشدد، بينما يُقدَّم التراجع عنها بوصفه حكمة أو واقعية سياسية.

في النهاية، يبقى الفارق واضحاً بين نهج يسعى إلى حماية الحقوق وتعزيزها مهما كانت التحديات، ونهج آخر يعتقد أن التنازل المؤقت يمكن أن يصنع حلولاً دائمة. والتجارب التاريخية للشعوب تؤكد أن ما يُنتزع بالنضال والثبات لا يُحفظ إلا بالموقف الصلب والإرادة السياسية الواضحة، أما سياسة المساومة فلا تنتج في كثير من الأحيان سوى مزيد من التنازلات.

ولهذا، فإن الدفاع عن نهج الثبات ليس دفاعاً عن حزب أو شخص، بل دفاع عن فكرة سياسية مفادها أن الحقوق القومية لا تُصان بالتردد، ولا تُحفظ بالمساومات، وإنما بالإيمان بها والتمسك بها والعمل من أجلها جيلاً بعد جيل.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

بنكين محمد في لحظة تبدو للوهلة الأولى إدارية عابرة، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب تعيين توم براك مبعوثاً رئاسياً مشتركاً إلى كل من سوريا والعراق. غير أن القراءة المتأنية لهذا القرار تكشف أنه ليس مجرد إعادة توزيع مهام، بل انعكاس لتحول أعمق في الرؤية الأميركية تجاه الإقليم، عنوانه: إدارة الأزمات عبر هندسة النفوذ لا عبر الجيوش. لم تعد واشنطن تنظر…

كفاح محمود ثمة لغة جديدة تتسلل إلى ملف السلاح في العراق، لغةٌ ينبغي التوقف عندها طويلاً، فالحديث لم يعد عن «نزع» سلاح الفصائل المسلَّحة الخارجة عن مظلة «هيئة الحشد الشعبي»، بل عن «السيطرة» عليه و«حصره بيد الدولة». وبين الفعلين فارقٌ جوهري لا ينبغي أن يمرّ مرور الكرام: النزع يعني التفكيك والإنهاء، أما السيطرة فتعني الاحتواء وإعادة التوظيف، والمفارقة أن هذا…

إبراهيم اليوسف تحتفظ الذاكرة السورية بأسماء كثيرة ارتبطت بسنوات القمع والاعتقال والاختفاء، إلا أن اسم د. رانيا العباسي ظل يحتل مكانة خاصة، لأن القضية كانت منذ لحظتها الأولى، ذات خصوصية، تتعلق بحيوات أسرة كاملة اختفت دفعة واحدة – كرمز عن آلاف العائلات التي زالت في سنوات الرعب – تاركة وراءها أسئلة ما زالت معلقة في الضمير السوري، وفي ضمير العالم…

مهند محمود شوقي في حياة بعض الصحفيين، لا تكون المهنة اختياراً عادياً يُحسم بعد التخرج، بل تشبه طريقاً يتشكل بهدوء من الذاكرة والانتماء والأسئلة القديمة عن الذات. بالنسبة لي، لم يكن الإعلام محطة مهنية فقط، بل امتداداً طبيعياً لتاريخ عائلي، ولأرض ظلت حاضرة في داخلي حتى وأنا بعيد عنها. تنحدر عائلتي من قضاء كويسنجق في كوردستان، لكن حياتها حملت ملامح…