الكرد في مواجهة عاصفة توم باراك (قراءةاستراتيجية في خيار الوحدة أو الانهيار ).

د. مرشد اليوسف
في المشهد الجيوسياسي المتقلب لمنطقة الشرق الأوسط، تبرز فرضية عودة شخصية نافذة – نُطلق عليها اسم “توم باراك” كرمز لقائد يتمتع بسلطة القطب الأكبر في العالم – تعمل بشكل منهجي لصالح المشروع التركي أولاً.
في هذه الأجواء، يجد الكرد – المقسمون بين أربع دول (تركيا، سوريا، العراق، إيران) – أنفسهم أمام “امتحان عسير” .
و الخيار واضح في ظاهره، معقد في جوهره: فالاتحاد سبيلاً للصمود، و التفرق سقوطاً قد يمتد لأجيال.
ولو نجح الكرد في تجاوز خلافاتهم وتشكيل كيان سياسي وعسكري موحد (على الأقل تنسيقياً)، فإن نقاط القوة لديهم كثيرة و يمكن أن تظهر انطلاقا من العمق الاستراتيجي الجغرافي ، حيث تمتد المناطق الكردية في سوريا (روج آفا) والعراق (إقليم كردستان) بشكل متصل تقريباً، مع وجود الامتداد في إيران وتركيا.
والاتحاد يخلق كتلة جغرافية يصعب اختراقها، وتوفر عمقاً دفاعياً وموارد طبيعية (نفط كردستان العراق ونفط وغاز روجافا ).
و تمتلك القوات الكردية (البيشمركة، قوات سوريا الديمقراطية – قسد، وحدات حماية الشعب/المرأة) خبرة متراكمة في حرب العصابات والحرب النظامية ضد تنظيم داعش والجيش التركي. وهذه الخبرة تشكل رادعاً إذا تم توحيد القيادة.
و أثبت الكرد تاريخياً قدرتهم على التحالف مع قوى دولية (التحالف ضد داعش، الولايات المتحدة، روسيا أحياناً).
و الوحدة تمنحهم ثقلاً تفاوضياً أكبر محليا وخارجيا .
وفي لحظات الخطر الوجودي، تميل المجتمعات الكردية إلى الالتفاف حول قياداتها.
والنخب السياسية والعسكرية الكردية لديها خبرة في إدارة الأزمات، رغم خلافاتها.
وفي حال بقاء التفرق هو السمة الغالبة، فإن نقاط الضعف ستجعل السقوط النهائي مرجحاً .
و الانقسام السياسي العميق بين الحزب الديمقراطي الكردستاني (البارزاني) والاتحاد الوطني الكردستاني (الطالباني)، وبين المجلس الوطني الكردي (المعارض لقسد) والإدارة الذاتية في سوريا، إضافة إلى حزب العمال الكردستاني (المصنف إرهابياً من تركيا والغرب). هذه الانقسامات وغيرها تعيق تشكيل موقف موحد.
والتفرق والإنقسام يزيد من هشاشة الاقتصاد ويجعل حصارالحكومات أكثر فعالية.
كما أن الصراع على الزعامة يضعف القدرة على اتخاذ القرارات الاستراتيجية .
والولاء للجهات الدولية والحكومات يجعل الكرد عرضة للابتزاز والتخلي عند تغير المصالح.
وعلى الرغم من قوة العاصفة التركية – التوم باراكية ، هناك فرص يمكن للكرد استثمارها، خصوصاً إذا تحركوا بشكل موحد.
ولا خيار وسط للكرد بين الاتحاد الاستراتيجي الشامل أو التآكل التدريجي حتى الانهيار.
ونقاط قوتهم مشروطة بالوحدة، ونقاط ضعفهم تكمن في تفرقهم. والفرص موجودة لكنها لا تُستثمر إلا عبر موقف موحد، والتهديدات التركية لن تكون قابلة للردع إلا بجبهة كردية متماسكة تعيد تعريف نفسها من “أطراف متناحرة” إلى “كتلة سياسية-عسكرية موحدة”.
ولكن السؤال الأصعب هو :
هل تدرك القيادات الكردية أن ثمن التفرق هو السقوط لمئة عام أخرى ، أم أن منطق المحاور الإقليمية والتنافس الشخصي سيبقيانهم أسرى “الامتحان العسير” ؟
والأسابيع والأشهر القادمة ستكون كفيلة بإظهار ما إذا كان وعي الخطر سينتج عن إرادة تاريخية جديدة، أم أن الكرد سيدفعون ثمن تفرقهم مرة تلو الأخرى، كما فعلوا في السابق.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

عبدالرحمن کورکی (مهابادي)* في الآونة الأخيرة، وبشكل خاص بعد حرب الأربعين يوماً، يقوم النظام الديكتاتوري الحاكم في إيران بإعدام الشباب الإيراني تحت ذرائع مختلفة ومفبركة. كيف تعمل السلطة القضائية في النظام الإيراني؟ ممَ يخشى النظام؟ ولماذا يرتعب من الكشف عن الهوية الحقيقية للسجناء؟ لماذا ينتفض الشباب احتجاجاً ضد النظام الحاكم؟ هذه كلها تساؤلات يجب النظر إليها بعمق والغوص في خفاياها…

بدعوة من مركز الجالية الكردستانية وجمعية آشتي شارك وفد من ممثلية أوروبا للمجلس الوطني الكردي في سوريا ضم الوفد كل من عبد الكريم حاجي رئيس الممثلية ومحمد امين عمر عضو مكتب الرئاسة وكاميران خلف مسؤول مكتب العلاقات ورئيس محلية بلجيكا بحري بشير وآراس محمد إسماعيل في ندوة سياسية تناولت قرار البرلمان البلجيكي المتعلق بحقوق الشعب الكردي في كردستان سوريا. وحضر…

محمود أوسو بين فترة وأخرى تطل علينا أصوات تدعي الأكاديمية لتنكر وجود الكرد في سوريا، وآخرها ما صرح به حسين الشرع، والد الرئيس أحمد الشرع، من نفي لأصل الكردفي البلاد ووصفهم بـ الغرباء السؤال البسيط هل كانت سوريا موجودة أصلاً عندما كان الكرد يبنون دمشق وحلب وحماة وقلعة حصن الاكراد وقلعة حلب وهل شرف المهنة الأكاديمية يسمح…

مموجان كورداغي السؤال الأبرز الذي يبادر إلى عقل الإنسان السوي هو كيف لشعب أن يدعم ويساند منظمة تستنزف كل طاقاته البشرية وتدمر موارده المادية وتضر بمصالحه القومية فهو أمر غير منطقي وغير سليم ولابد من أن يكون هناك خلل ما. ومع ذلك ترى هذا الشعب يساند من يثقل كاهله بالأعباء و يحد من فرص تقدمه وتدعم وبقوة من يصبح…