ماهين شيخاني.
مقدمة: تاريخ أسبق من المنظرين
يبدو أن بعض الأفراد في الزمن المعاصر اكتشفوا فجأة أن هناك علاقة تاريخية بين الكورد والعرب، فانبروا يمارسون دور “المصلحين الاجتماعيين” و”منظري العلاقات المجتمعية”، وكأنهم اكتشفوا أمْراً لم يكن موجوداً من قبل.
لكن الحقيقة التي يتجاهلها هؤلاء، أو يتناسونها، أن العلاقات الكوردية – العربية ضاربة في عمق التاريخ، وأن جذورها تمتد لمئات السنين قبل أن يولد أي من هؤلاء المتفلسفين والمتصدرين للمشهد.
أولاً: جذور العلاقة: تعايش أقدم من كل النظريات
على مر القرون، عاش الكورد والعرب في المنطقة نفسها، على ضفاف دجلة والفرات، وفي جبال كردستان ووديانها، وفي مدن الموصل وكركوك والحسكة وحلب ودمشق. لم يكونوا غرباء عن بعضهم، بل كانوا جيراناً وشركاء في الحياة اليومية: في الأسواق، والحقول، والقرى، والمدن، بل وفي البيوت نفسها من خلال الزواج المختلط والمصاهرة.
هذا التعايش الطويل لم يكن يحتاج إلى “خبراء علاقات عامة” أو “منظرين اجتماعيين” ليشرحوا للناس كيف يتعاملون مع بعضهم. لقد أثبتت الحياة اليومية عبر المئات من السنين أن الكورد والعرب قادرون على التعايش بسلام، واحترام خصوصيات كل طرف، والعمل معاً في السراء والضراء.
ثانياً: ظاهرة “المتفزلكون” – حين يصبح ترطيب الأجواء مهنة
ما يثير الاستغراب هو ظهور بعض الأفراد الذين يحاولون ترويج أنفسهم كحلقة وصل بين الكورد والعرب، وكأن هذه العلاقة كانت في أزمة تحتاج إلى “منقذين” أو “وسطاء”. يظهر هؤلاء في وسائل الإعلام، وفي الندوات، وفي منصات التواصل الاجتماعي، وهم يتحدثون بلغة “الترطيب” و”التقريب”، وكأنهم يمارسون فضلاً على طرف أو على المجتمعين معاً.
لكن في كثير من الأحيان، يكون لدى هؤلاء أهداف أخرى:
البحث عن شهرة عبر إثارة موضوع حساس.
الحصول على منصب أو نفوذ من خلال استغلال القضية الكردية.
إلهاء الناس عن المطالب الحقيقية للكورد (حقوق ثقافية، إدارية، سياسية) تحت ستار “التقارب” و”الوئام”.
الصحيح أن العلاقات الكوردية – العربية لا تحتاج إلى “مترطيبين جدد” بقدر ما تحتاج إلى اعتراف متبادل بالحقوق، واحترام للهوية، وتفاهم حقيقي يقوم على المساواة والعدالة، لا على “ترطيب الأجواء” الذي قد يكون غطاءً لتمرير سياسات تهميش أو تجاهل للمطالب الكوردية المشروعة.
ثالثاً: لكل ذي حق حقه – بين الترطيب والاعتراف
الجملة الأهم هنا: “لكل ذي حق حقه”. هذه المقولة تعني أنه لا يمكن بناء علاقات صحية بين القوميات على حساب حقوق أحدهم. فالكورد ليسوا ضيوفاً على المنطقة، ولا هم أقلية “منحة” من قبل أحد، بل هم جزء أصيل من نسيج المنطقة، ولهم حقوق تاريخية وسياسية وثقافية يجب الاعتراف بها.
محاولات “ترطيب الأجواء” التي تتجاهل هذه الحقائق قد تكون مسيئة للكورد:
لأنها تتعامل معهم وكأنهم “طرف ثانٍ” يحتاج إلى من يشفع له أو يقربه من الآخرين.
لأنها تختزل قضية عادلة في مجرد “علاقات عامة” أو “تحسين صورة”.
لأنها تخلق وهم أن المشكلة هي في “سوء الفهم” فقط، وليس في سياسات التهميش والإنكار التي مورست على الكورد لعقود.
العلاقات الكوردية – العربية لا تحتاج إلى “ترطيب” بقدر ما تحتاج إلى عدالة وإنصاف. عندما يحصل الكورد على حقوقهم كاملة، وعندما يعترف الجميع بتاريخهم وهويتهم دون توجس أو تخوين، فإن الأجواء ستكون “مرطبة” بشكل طبيعي، دون حاجة إلى من يمارس ذلك كحرفة أو مهنة.
رابعاً: من يملك الحق في الحديث عن العلاقة؟
ربما كان أكثر من يملك الحق في الحديث عن العلاقات الكوردية – العربية هم:
أبناء القرى المختلطة التي عاش فيها الكورد والعرب جيراناً لقرون.
الفلاحون والعمال الذين تقاسموا الخبز والماء والعمل تحت الشمس.
الأدباء والفنانون من الجانبين الذين تناولوا هذه العلاقة في إبداعاتهم.
أما أولئك الذين ظهروا فجأة على الساحة، وبدأوا يتحدثون بصفة “محللين اجتماعيين” أو “وسطاء للتقارب”، وهم يمارسون لعبة “ترطيب الأجواء” وهم أبعد ما يكونون عن نبض الشارع وعن تاريخ المنطقة، فإن عملهم يظل مشبوهاً في نيته، محدود الأثر، وغالباً ما يكون الهدف منه شخصياً أكثر مما هو جماعي.
خاتمة: العلاقة أصلها متين، فلا داعي للمنظّرين الجدد
العلاقات الكوردية – العربية أقدم من أن تُبنى أو تُهدم بمبادرات فردية هنا أو هناك. لقد أثبت التاريخ نفسه أن التعايش بين الكورد والعرب ممكن ومستمر، رغم كل الصعاب والظروف القاسية.
لكن لكي تستمر هذه العلاقة بكرامة واحترام، يجب أن تقوم على الاعتراف بالحقوق، وليس على “ترطيب الأجواء” كمسكنات وقتية. وأي جهد لتحسين العلاقة لا يأتي في سياق إحقاق حقوق الكورد التاريخية سيكون مجرد “أسبرين” يخفي الوجع دون أن يعالجه.
“العلاقات بين الشعوب لا تُبنى بالخطابات الرنانة، بل بالعدل الذي يُشعر الطرف الآخر بأنه شريك، لا ضيفاً مؤقتاً.”
30/6/2026