بين الحلب والإرضاع السياسي

كفاح محمود

  منذ سقوط هيكل الدولة العراقية عام 2003، لم تعد المناصب العامة مجرد مواقع لخدمة الناس أو مسؤوليات وطنية مؤقتة، بل تحولت تدريجيًا إلى مغانم سياسية مفتوحة، تُقاس قيمتها بما تدرّه من امتيازات ورواتب وحمايات وعقود ونفوذ، وهكذا نشأت طبقة سياسية جديدة، لا تتصارع غالبًا على المبادئ أو البرامج بقدر ما تتقاتل على مصادر “الحلب والإرضاع” السياسي، حيث تحولت الدولة إلى بقرة ضخمة تُوزَّع أثداؤها بين الأحزاب والجماعات والتيارات والمتنفذين.

  ففي أغلب الدول الحديثة، يُنظر إلى عضوية البرلمان أو الوزارة بوصفها تكليفًا عامًا مؤقتًا، يخضع للمحاسبة والرقابة، وتبقى امتيازاته ضمن حدود معقولة لا تجعل المنصب مشروعًا للثراء أو الاستثمار السياسي، أما في العراق، فقد تضخمت الامتيازات إلى درجة جعلت كثيرًا من المناصب أشبه بمشاريع تجارية مغرية، تُباع وتُشترى وتُدار بمنطق الحصص والولاءات.

  ومع مرور السنوات، لم يعد التنافس الانتخابي قائمًا على الرؤى والخطط بقدر ما أصبح صراعًا على الوصول إلى “مراكز الإرضاع السياسي”؛ أي المواقع التي تمنح أصحابها القدرة على توزيع المنافع وشراء الولاءات وتغذية شبكات النفوذ، ومن هنا تمددت ظاهرة المحاصصة، لا بوصفها خللًا إداريًا فحسب، بل كنظام اقتصادي وسياسي متكامل، يعيش على إعادة تدوير الامتيازات وتقاسم الغنائم.

  الأخطر من ذلك أن هذه الثقافة لم تتوقف عند حدود الطبقة السياسية، بل تسربت إلى المجتمع نفسه، حتى غدا كثيرون ينظرون إلى الوظيفة العامة باعتبارها فرصة للحلب لا للخدمة، وإلى الدولة باعتبارها مصدر إعاشة للأحزاب والحواشي والمقربين، لا ككيان وطني جامع، وهكذا تحولت السياسة من إدارة للشأن العام إلى سوق كبيرة للمساومات، تُقاس فيها قيمة الأشخاص بقدرتهم على جلب المكاسب لا بالكفاءة أو النزاهة.

  ولعل من أكثر المفارقات قسوة أن البلدان التي تُسمى “نامية” غالبًا ما تمنح مسؤوليها امتيازات تفوق ما يحصل عليه نظراؤهم في دول أكثر تقدمًا واستقرارًا، ففي كثير من الديمقراطيات الراسخة، يغادر الوزير أو النائب منصبه ليعود مواطنًا عاديًا بلا جيوش من الحمايات ولا مواكب مترفة ولا تقاعدات خيالية، أما في العراق، فقد تحولت بعض المناصب إلى أبواب دائمة للنفوذ والثروة، حتى أصبح التكالب عليها يخرجها من هويتها الوطنية ويحيلها إلى بازار سياسي رخيص.

  إن أخطر ما أنتجه “الحلب والإرضاع السياسي” ليس فقط استنزاف المال العام، بل تشويه معنى الدولة نفسها، فحين تتحول السلطة إلى وسيلة تغذية متبادلة بين القوى المتنفذة، يصبح الوطن كله مجرد مزرعة مفتوحة لتسمين الفساد وإضعاف المؤسسات وإفقار الناس، وحينها لا تعود السياسة فن إدارة الدول، بل فن إدارة الحلب.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أحمد بلال يثير شعار «أخوة الشعوب» الكثير من التساؤلات، خاصة عندما يترافق مع تصريحات تؤكد أن عصر الدولة القومية قد ولى. فعندما يصرّح قياديون في منظومة KCK، ومن بينهم آلدار خليل، بأن عصر الدولة القومية أصبح من الماضي، يبرز سؤال جوهري: كيف يمكن الحديث عن أخوة الشعوب إذا كنا قد تجاوزنا القوميات التي تُعرّف هذه الشعوب وتمنحها خصوصيتها؟ من…

Prof. Dr. Sarbast Nabi القطيع الذي اعتاد على التبعية وتغييب عقله واجترار الشعير الايديولوجي محال عليه أن يفهم ما تقوله عزيزي.. لن نهاب صراخ الجهلة وزوابع تهديدهم ووعيدهم لأننا لم نخشى يوماً مرشدي معلميهم أمثال الأسد وأردوغان، دعهم في غيهم يعمهون. سنواصل حتى اخر نفس في صدورنا وآخر ومضة نقد في عقولنا. لن يردعونا، دماء أبناء وبنات شعبنا…

إبراهيم اليوسف أعلنت أسرة الشخصية الاجتماعية عثمان بهلوي – عثمان عثمان – مع الدقائق الأولى من صباح اليوم، أن قلب عميدها. أحد أوائل المحامين الكرد في- قامشلي- توقف عن النبض، بعد تدهور وضعه الصحي- تدريجياً- خلال الأشهر الماضية. وكان الأطباء السويديون في استوكهولم، حيث يقيم منذ حوالي عشرين سنة، قد أعلنوا يأسهم من حالته، فعاد إلى البيت ليتلقى الرعاية تحت…

لوند حسين* منذُ أن تعرضت كُردستان للتقسيم بين الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية، ثم أُلحقت أجزاؤها بالدول التي نشأت لاحقاً في المنطقة وفقَ اتفاقيات سايكس-بيكو، دخل الشعب الكُردي مرحلة طويلة من الحرمان من حقوقِهِ القومية والسياسية والثقافية؛ وعلى امتداد أكثر من قرن، واجه الكُرد في مختلف أجزاء كُردستان سياسات مُتباينة في أدواتها، لكنها تشابهت في كثير من الأحيان في إنكار الهوية الكُردية،…