أعياد .. أصدقاء الطفولة

المهندس باسل قس نصر الله

كنّا بعمر الثماني سنوات تقريباُ عندما بدأنا نتعرف على أصدقاء طفولتنا في المدرسة

كانت مدرسة “الأخوة المريميينLes frères maristes” في حلب التي يديرها الرهبان، كبيرة بما لا يٌقاس .. وأعطت الكثير من الأسماء اللامعة في الحياة السورية.

أهم شيء في هذه المدرسة أنها أنتجت صداقات طفولة استمرّت بحدود ستين سنة بالنسبة لنا كما لمن سبقونا أو الذين لحقوننا.

أيام لم نكن نعرف – ولا نفهم – الفارق الطائفي بين المسيحي من المسلم أو اليهودي، ولا لتقسيماتهم الفرعية

كنّا في صفوف دراسيٍة واحدة، وعلى مقاعد مرسومة من طفولتنا، ندرس ونضحك ونقلّد الأساتذة ونلعب في الفسحات ونتبادل الطعام ونشرب الماء من حنفياتٍ تحمل بصمات شفاهنا.

ثم نعود لندرس و”نّشخبط” على صفحات دفاترنا ونترك آثار شقاواتنا على المقاعد الدراسية فنحفر أسمائنا عليها لنخلّد ذكرانا.

هكذا كنا أطفالاً … وبقينا هكذا كباراً …

تعوّدنا أن نجتمع في الشهر مرتين لكل من بقي في حلب، وأيضاً يجمعنا صديق طفولتنا “أحمد ميري” في اليوم الثاني من عيدي الفطر والضحى .. فنلتقي عنده بكل الغائبين والمغتربين الذين أخذتهم الدنيا بعيداً للعمل في أصقاع العالم .. فيصبح اللقاء ضحكات وأصوات ونعود أطفلاً في المدرسة، نسترجع ذكريات جميلة عشناها معاً، ونتذكر هذا الأستاذ أو ذاك ونترحّم عليهم، وهذا الراهب أو الآخر ونقلّد الجميع مع ضحكنا خلال تذكّرنا لإحدى المواقف واللطائف.

بهذه اللقاءات نختصر آلاف المحاضرات حول الإخاء الديني والكثير من القبلات الفولوكلورية بين المرجعيات الدينية.

بهذه اللقاءات البسيطة نعيد رسم خارطة المحبة الإنسانية بدلاً من كرنفالات الإبتسامات الزائفة.

بهذه الضحكات الصادرة من قلوبنا، لأصدقاء طفولة كانو صغاراً، أخذتُ مناعة أكثر، من خوفٍ ينتابني على مستقبلٍ تتلاعب به الأقدار.

أحبكَم أصدقاء طفولتي المدرسية، وأبناء وطني وسوريتي.

وتعود بي الذكرى إلى بساطتنا في محبتنا جميعنا – كأصدقاء طفولة – لبعضنا البعض،

بدون عُقدٍ دينية ..

بدون معرفة مَن مِن الأطفال هو مسلم أو مسيحي أو يهودي، سني أو شيعي، درزي أو كاثوليكي أو أرثوذكسي والكثير من الطوائف التي تشكّل مزهرية سورية .. وببراءة وُلدت صداقتنا ومحبتنا

نذهب  إلى معايدات ولقاءاتنا، كرجالٍ كانوا أطفالاً في مدارسهم، وشريط الذكريات يمرّ والأيام والسنين تُغيّرنا، لكن قلوبنا ما زالت متعلقة بهؤلاء الصغار المشاغبين ببراءة، مع ذكريات الماضي التي كأنها لم تتجاوز أكثر من نصف قرن.

يا صديقي ويا أصدقائي

مهما كنتم

مسيحيون أو مسلمون أو يهود أو من أية ملةٍ كنتم.

أحبكم يا أخوتي ويا ابناء سوريتي .. رغم أنف الجميع.

اللهم اشهد اني بلغت

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…