مأزق التمثيل السياسي الكردي: اختزال القضية في رموز شكلية

خوشناف سليمان

في سياق ترتيبات سياسية وعسكرية لا تزال في طور التشكل داخل سوريا، يبرز ملف التمثيل السياسي الكردي بوصفه إحدى القضايا الحساسة في المرحلة الراهنة. ولا ترتبط هذه الإشكالية بغياب التمثيل بقدر ما تتصل بطبيعة الدور الذي قد يعاد إنتاجه داخل البنية السياسية الناشئة، وما إذا كان سيتخذ شكل حضور رمزي محدود الأثر، أم يتحول إلى صيغة مشاركة فعلية في صناعة القرار.

ضمن هذا السياق، ومع التطورات المتسارعة على الأرض في الملف الكردي السوري، برزت عدة مبادرات تهدف إلى إعادة صياغة أسس المشاركة في رسم مستقبل الدولة. ومن بين هذه المبادرات ما ورد في تصريحات السيدة فصلة يوسف بشأن مشاركتها في أولى جلسات البرلمان السوري، حيث أشارت إلى نيتها الحضور بالزي الكردي وأداء القسم باللغة الكردية. ويتقاطع ذلك مع خطاب سياسي يعول على ما ينسب إلى قرار الرئيس السوري المؤقت أحمد الشرع بإدماج ممثل كردي ضمن الثلث الذي يعينه مباشرة، بما يعكس مقاربة تقوم على التعيين بوصفه آلية مركزية للتمثيل. غير أن هذا التعويل يعكس تحديات تتصل بطبيعة التمثيل السياسي، وإلى اعتماده على منطق التعيين أكثر من كونه نتاجا لشراكة سياسية مباشرة. وقد جرى التعامل مع هذه المؤشرات بوصفها دليلا على انفتاح سياسي تجاه الكرد في سوريا، غير أن هذا التوصيف يتجاهل احتمال أن تكون هذه العملية أقرب إلى إدارة رمزية للقضية، تبقي جوهر السلطة خارج أي تفاوض فعلي، وتحول الاعتراف الثقافي إلى بديل عن الحقوق السياسية.

ولا يقتصر هذا النمط أو السلوك على فصلة يوسف وحدها، بل يتكرر لدى عدد من الوجوه الكردية الأخرى، مثل مظلوم عبدي ومحمد إسماعيل، إلى جانب عدد من القادة السياسيين والعسكريين المرتبطين سابقا أو حاليا بقسد، فضلا عن شخصيات وأحزاب كردية أخرى تندرج تحت عنوان “الاندماج الديمقراطي”. غير أن هذا العنوان، في صورته الراهنة، لا يعكس اندماجا فعليا بقدر ما يشير إلى مسار من التفريغ السياسي، يجري فيه تحويل التمثيل إلى حضور محدود التأثير، وإعادة إنتاج الفاعل الكردي داخل بنية سياسية مغلقة لا تتغير قواعدها.

وتبرز المفارقة في هذا السياق في مواقف فصلة يوسف نفسها، إذ سبق لها أن أكدت أن المشاركة السياسية لا ينبغي أن تتحول إلى “مجرد ديكور أو ضيفة شرف”، وأن قيمة التمثيل تقاس بقدرته على التأثير في القرار، لا بمجرد الحضور داخل المؤسسات. غير أن الواقع الحالي يعيد إنتاج هذه الإشكالية، ولكن بصيغة أقل مباشرة: تمثيل حاضر شكليا، وغائب فعليا.

ويشير هذا المشهد، وما يرافقه من أنماط مشابهة لدى شخصيات كردية أخرى، إلى تركيز متزايد على إنتاج رموز للمشاركة — مثل الزي، واللغة، والبروتوكول — بدل البحث في طبيعة السلطة وحدودها. وضمن هذا الإطار، يمكن النظر إلى التمثيل بوصفه جزءا من المشهد السياسي العام، وليس بالضرورة طرفا فاعلا في صياغته.

ولا تكمن الإشكالية في المظاهر الثقافية بحد ذاتها، بل في توظيفها ضمن سياقات سياسية قد تعكس اختلالا في طبيعة المشاركة، حيث تطرح بوصفها حضورا رمزيا أكثر من كونها شراكة فعلية.

ختاما، لا يقاس التمثيل السياسي بحجم الرموز المعروضة داخل المؤسسات، بل بقدرته الفعلية على التأثير في القرار. وما دون ذلك قد ينظر إليه بوصفه شكلا من أشكال إدارة الاختلاف داخل البنية السياسية، أكثر من كونه مشاركة سياسية مكتملة الأبعاد.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

أ. د. سربست نبي القابلية لإقناع الذات وخداعها إزاء الواقع، هو استعداد وسلوك نفسي مشترك ينشأ لدى الجماعات والأفراد، الذين بلغوا درجة من العجز المطلق إزاء فهم واقعهم وتفسيره بعد أن فُرض عليهم قسراً، واستسلموا فعلياً له. ورغم ذلك يلجؤون إلى ميكانيزمات لخداع الذات والتحايل عليها عبر إسباغ معنى أو دلالة معاكسة لهذا الواقع كما هو بالفعل. فالأمم تخدع نفسها…

ماجد ع محمد إذا ما صدق موقع “أكسيوس” بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب اختارت رئيس إقليم كردستان العراق نيجيرفان بارزاني ليكون قناة خلفية للتواصل مباشرة مع قيادة “الحرس الثوري” الإيراني، بعدما ساورت واشنطن شكوك بشأن صلاحيات المفاوضين الإيرانيين لإبرام اتفاق ينهي الحرب. فهذا يعني بأن بارزاني حلقة وصل مهمة وفاعل خير وليس محضر شر، وفي العرف الإنساني يُكافأ فاعل…

عبد الجابر حبيب لا أعتقد أن المشكلة في أن ننتقد صلاح الدين أو نعيد قراءة دوره في التاريخ، فهذا حق مشروع، لكن المشكلة تبدأ عندما ننظر إلى التاريخ بعين اليوم، ثم نحاكم شخصيات الماضي وفق مفاهيم سياسية وقومية لم تكن موجودة في زمنها. من يقول إن صلاح الدين قصر بحق الكورد، وخدم غير هم، ولم يسعَ إلى تأسيس دولة كوردية،…

صلاح بدرالدين قبل مائة عام بدأت معالم هذه المدينة بالظهور مع تواجد حامية الانتداب الفرنسي على التلة المقابلة لمدينة نصيبين – التركية – ووضع المهندسون الفرنسييون الخرائط ، واللبنة الأولى لبناء مدينة على نهر – جقجق – المتدفق من ينابيع وادي – بونصرا – قبل تغيير مجراه – في ولاية ماردين بكردستان تركيا . هناك في المنطقة الكردية السورية وأطرافها…