من بارزان إلى أربيل: حقوق كوردستان بعد أيلول

مهند محمود شوقي

في الأول من أيلول عام 1961، لم يكن أحد في العراق يتوقع أن ما بدأ في جبال كوردستان سيستمر لعقود طويلة ويعيد رسم خرائط السياسة الداخلية للدولة. هناك، انطلقت ثورة أيلول بقيادة مصطفى بارزاني، في لحظة كانت فيها العلاقة بين بغداد والمكوّن الكردي تتجه نحو الانفجار بعد سنوات من الوعود غير المنفذة منذ سقوط النظام الملكي عام 1958. لم تكن المسألة مجرد تمرد مسلح كما صوّرها البعض في حينها، بل تعبيرًا عن أزمة سياسية أعمق تتعلق بشكل الدولة العراقية نفسها: من يملك القرار، وكيف تُدار التعددية القومية داخل بلد خرج حديثًا من حقبة استعمارية وملكية وانقلب إلى جمهوريات متعاقبة تبحث عن توازن لم تستقر عليه.

خلال الستينيات، تحولت جبال كوردستان إلى ساحة حرب طويلة غير متكافئة، لكنها في الوقت نفسه كانت ساحة تفاوض مفتوح. هذا المسار المتداخل انتهى إلى اتفاق 11 آذار 1970 بين الحكومة العراقية والحركة الكردية، وهو أول اعتراف رسمي مبدئي بحقوق الحكم الذاتي للكرد. لكن الاتفاق، الذي رحبت به عواصم إقليمية ودولية حينها، لم يكتمل تنفيذه، لتعود دورة التوتر مجددًا بشكل أكثر حدة في منتصف السبعينيات. بعد وفاة الملا مصطفى بارزاني عام 1979 في الولايات المتحدة، دخلت الحركة الكردية مرحلة إعادة تشكيل عميقة، انتقلت فيها القيادة إلى نجله مسعود بارزاني. ومع تصاعد الصراع الإقليمي في الثمانينيات، ثم انهيار العراق العسكري بعد حرب الخليج 1991، اندلعت انتفاضة واسعة في كوردستان، انتهت عمليًا إلى خلق واقع إداري جديد خارج سيطرة بغداد، تحوّل لاحقًا إلى الأساس الفعلي لإقليم كوردستان.

في عام 1992، جرت أول انتخابات برلمانية كردية، لتبدأ مرحلة الحكم الذاتي المؤسسي، رغم الحصار والانقسام الداخلي في بعض الفترات. ثم جاء سقوط نظام صدام حسين عام 2003 ليعيد صياغة العلاقة بين أربيل وبغداد بالكامل، وصولًا إلى دستور 2005 الذي اعترف بإقليم كوردستان ككيان اتحادي ضمن الدولة العراقية، مع ترك ملفات حساسة دون حل، أبرزها المادة 140 الخاصة بالمناطق المتنازع عليها، وملف النفط والميزانية. لكن ما بعد 2005 لم يكن استقرارًا بقدر ما كان انتقالًا إلى شكل جديد من الخلاف: خلاف دستوري واقتصادي بدل المواجهة العسكرية. ففي الوقت الذي كانت فيه بغداد تحاول إعادة بناء الدولة المركزية، كانت أربيل تبني مؤسسات إقليمية أكثر استقلالًا في الإدارة والاقتصاد.

في هذه المرحلة، برز مسرور بارزاني كرئيس لحكومة إقليم كوردستان في سياق مختلف تمامًا عن الأجيال السابقة، حيث لم تعد التحديات مرتبطة بالحرب أو الصراع المسلح، بل بإدارة اقتصاد معقد، وأزمة مالية متكررة، وعلاقة غير مستقرة مع الحكومة الاتحادية بشأن الرواتب والإيرادات النفطية.

خلال السنوات الأخيرة، دفع مسرور بارزاني باتجاه إصلاحات إدارية واقتصادية شملت التحول الرقمي في الخدمات الحكومية، وتوسيع استخدام النظام المصرفي في صرف الرواتب، ومحاولة تقليل الاعتماد على الاقتصاد النقدي التقليدي. هذه الخطوات، رغم طابعها الفني والإداري، تحمل بعدًا سياسيًا واضحًا يتعلق بترسيخ مؤسسات الدولة داخل الإقليم، وتعزيز القدرة التفاوضية مع بغداد ضمن الإطار الدستوري القائم. في المقابل، لا تزال الملفات الجوهرية العالقة منذ عقود حاضرة: تفسير الدستور، توزيع الثروة، مستقبل المناطق المتنازع عليها، وحدود الفيدرالية نفسها. وهي ملفات لم تُحسم رغم مرور أكثر من عقدين على النظام السياسي الجديد في العراق.

من ثورة أيلول عام 1961 إلى اليوم، يتضح أن القضية الكردية لم تكن مرحلة مؤقتة في تاريخ العراق، بل مسارًا طويلًا من إعادة تعريف الدولة والعلاقة بين مكوناتها. ما تغيّر خلال هذه العقود ليس جوهر الأسئلة، بل أدوات التعامل معها: من الجبل إلى الدستور، ومن البندقية إلى المؤسسات.

لكن النتيجة النهائية ما زالت مفتوحة. فبين بارزان وأربيل، وبين 1961 و2026، يبقى السؤال نفسه حاضرًا بصيغ مختلفة: كيف يمكن تحويل الاعتراف الدستوري إلى استقرار سياسي دائم داخل دولة لم تستقر بعد على تعريف نهائي لشكلها الاتحادي؟

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

نوري معزول إلى كل من يهاجمون السيدة فصلة يوسف بسب عضويتها في مجلس الشعب السوري … من كان بيته من زجاج لايرمي الناس بالحجارة . قد نختلف سياسيا وفكريا،وقد نرفض أو نؤيد أي موقف،لكن لايحق لأحدأن يمحو تاريخ أمرة كردية عاشت سنوات طويلة من عمرها من أجل قضيتها وشعبها ،وقدمت ما آمنت به وفق قناعاتها وظروفها السياسية . قد نختلف…

الياس رمو اكراد سوريا خرجوا من عنق الزجاجة . واصبحوا قضية في طريقها إلى النصر المحتم . جاهل سياسة من يتوهم بان اكراد سوريا اصبحوا في حالة انحدار وتراجع . نظام الاسد استغل البعض من الكرد تحت مسميات نترفع عن ذكرها .ولكن ذاك النظام البائس اعتبرنا مجرد بندقية للإيجار وليس قضية عادلة تستحق الإنصاف . ومن كان يجد في سيطرة…

فيصل اسماعيل إن مقاطعة جماعة قنديل لانتخابات مجلس الشعب لم تكن موقفاً وطنياً مبدئياً كما يحاولون تصويره، بل جاءت نتيجة إدراكهم المسبق بأن الشارع الكردي لم يعد يثق بشعاراتهم ولا بمشاريعهم العابرة للحدود. فالكثير من أبناء الشعب الكردي باتوا يعرفون جيداً من أين تأتي قرارات هذه الجماعة، ولصالح أي أجندات تعمل، ولذلك فقدت قدرتها على إقناع الناس بأنها تمثل تطلعات…

إبراهيم كابان منذ بداية الأزمة السورية، امتلك الكرد فرصة سياسية وعسكرية غير مسبوقة في تاريخهم المعاصر داخل سوريا. للمرة الأولى، ظهرت قوة عسكرية كردية منظمة، وإدارة ذاتية تمتلك مساحة جغرافية واسعة، وعلاقات دولية مباشرة مع القوى الكبرى، إضافة إلى حضور سياسي فرض نفسه على طاولة النقاش السوري والإقليمي. غير أن هذه الفرصة التاريخية لم تُدار بعقلية بناء مشروع طويل الأمد،…