مقاطعة انتخابات مجلس الشعب… هروب قنديل من السقوط أمام الشارع الكردي

فيصل اسماعيل

إن مقاطعة جماعة قنديل لانتخابات مجلس الشعب لم تكن موقفاً وطنياً مبدئياً كما يحاولون تصويره، بل جاءت نتيجة إدراكهم المسبق بأن الشارع الكردي لم يعد يثق بشعاراتهم ولا بمشاريعهم العابرة للحدود.
فالكثير من أبناء الشعب الكردي باتوا يعرفون جيداً من أين تأتي قرارات هذه الجماعة، ولصالح أي أجندات تعمل، ولذلك فقدت قدرتها على إقناع الناس بأنها تمثل تطلعات الكرد الحقيقية.
المقاطعة هنا ليست احتجاجاً سياسياً، بل محاولة للهروب من اختبار صناديق الاقتراع، لأن النتائج كانت ستكشف حجمهم الحقيقي في الشارع الكردي. فمن يملك قاعدة شعبية حقيقية لا يخشى الانتخابات، أما من ارتبط اسمه بالمحاور الخارجية وبالتبعية لقنديل وطهران، فإنه يدرك أن أي استحقاق شعبي قد يتحول إلى فضيحة سياسية مدوية.
ولعل أحد أهم أسباب خوف حزب الاتحاد الديمقراطي من نتائج أي انتخابات حقيقية، هو أن جماهير الحركة الكردية، وخصوصاً جماهير المجلس الوطني الكردي، بدأت تكسر تدريجياً حاجز الخوف الذي فُرض عليها لسنوات طويلة.
فالشارع الكردي لم يعد كما كان في بدايات الأزمة السورية، حين كانت سياسة التخوين والترهيب كافية لإسكات الأصوات المعارضة. اليوم بات كثير من الكرد أكثر جرأة في التعبير عن رفضهم لسياسة التفرد والإقصاء، وأكثر استعداداً للمطالبة بتمثيل سياسي حقيقي يعبر عن إرادتهم الوطنية بعيداً عن الوصاية الحزبية والتنظيمية.
ولعل أبرز الأمثلة على ذلك ما جرى في الانتخابات التي أُقيمت تحت مظلة أحزاب PYNK، حيث ظهرت بوضوح حالة الهيمنة الكاملة لحزب الاتحاد الديمقراطي على القرار والنتائج، بينما تحولت بقية الأحزاب المشاركة إلى مجرد واجهات شكلية لإعطاء انطباع زائف بالتعددية السياسية.
حتى الشخصيات التي جرى تقديمها باعتبارها ممثلة للمجتمع أو لنبض الشارع، مثل برزان مسكو كوباني، جاءت ضمن بيئة سياسية مغلقة يعرف الجميع أن نتائجها مرسومة مسبقاً، وأن القرار الحقيقي بقي محصوراً بجهة واحدة لا تسمح بأي شراكة فعلية.
كما أن انتخابات البلديات السابقة، وخاصة في عفرين قبل ما تعرضت له المدينة من تهجير وتغييرات ديمغرافية، أظهرت بوضوح سياسة الإقصاء والتفرد، حيث جرى احتكار المؤسسات والإدارة والقرار السياسي، مع تهميش الأصوات الكردية المخالفة وإبعاد أي مشروع وطني كردي مستقل عن التأثير الحقيقي.
لقد تعب الشارع الكردي من القوى التي تتحدث باسم القضية الكردية بينما تضع مصالح التنظيمات الإقليمية فوق مصالح الشعب، وتستخدم الشعارات القومية غطاءً لمشاريع لا تخدم الكرد بقدر ما تخدم حسابات الآخرين.
ولهذا فإن المقاطعة اليوم لا تُقرأ بوصفها موقفاً سياسياً شجاعاً، بل باعتبارها هروباً مبكراً من مواجهة الحقيقة أمام صناديق الاقتراع، بعد أن أصبح الشارع الكردي أكثر وعياً بمن يعمل فعلاً من أجل القضية الكردية، ومن يستخدمها فقط لخدمة أجندات خارجية.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

الياس رمو اكراد سوريا خرجوا من عنق الزجاجة . واصبحوا قضية في طريقها إلى النصر المحتم . جاهل سياسة من يتوهم بان اكراد سوريا اصبحوا في حالة انحدار وتراجع . نظام الاسد استغل البعض من الكرد تحت مسميات نترفع عن ذكرها .ولكن ذاك النظام البائس اعتبرنا مجرد بندقية للإيجار وليس قضية عادلة تستحق الإنصاف . ومن كان يجد في سيطرة…

مهند محمود شوقي في الأول من أيلول عام 1961، لم يكن أحد في العراق يتوقع أن ما بدأ في جبال كوردستان سيستمر لعقود طويلة ويعيد رسم خرائط السياسة الداخلية للدولة. هناك، انطلقت ثورة أيلول بقيادة مصطفى بارزاني، في لحظة كانت فيها العلاقة بين بغداد والمكوّن الكردي تتجه نحو الانفجار بعد سنوات من الوعود غير المنفذة منذ سقوط النظام الملكي عام…

إبراهيم كابان منذ بداية الأزمة السورية، امتلك الكرد فرصة سياسية وعسكرية غير مسبوقة في تاريخهم المعاصر داخل سوريا. للمرة الأولى، ظهرت قوة عسكرية كردية منظمة، وإدارة ذاتية تمتلك مساحة جغرافية واسعة، وعلاقات دولية مباشرة مع القوى الكبرى، إضافة إلى حضور سياسي فرض نفسه على طاولة النقاش السوري والإقليمي. غير أن هذه الفرصة التاريخية لم تُدار بعقلية بناء مشروع طويل الأمد،…

أحمد بلال   إنَّ أيَّ عملية بناء تحتاج إلى أسس ومقومات. فعند بناء دار أو منزل، نحتاج بالتأكيد إلى مواد للبناء، ونوع البناء هو الذي يحدد نوعية المواد وكميتها. وكل ذلك لا معنى له من دون يدٍ عاملة تقوم بعملية البناء. وهذا يعني أن بناء أي شيء يحتاج إلى مقومات وأدوات. فما هي الأدوات المطلوبة لبناء الشخصية…