الشخصية الكوردية في روژآفا: من عقلية القطيع إلى الاستقلال

أحمد بلال 

 

إنَّ أيَّ عملية بناء تحتاج إلى أسس ومقومات. فعند بناء دار أو منزل، نحتاج بالتأكيد إلى مواد للبناء، ونوع البناء هو الذي يحدد نوعية المواد وكميتها. وكل ذلك لا معنى له من دون يدٍ عاملة تقوم بعملية البناء.
وهذا يعني أن بناء أي شيء يحتاج إلى مقومات وأدوات.
فما هي الأدوات المطلوبة لبناء الشخصية الكوردية المستقلة، التي تكون صاحبة قرارها؟
بالتأكيد، أول خطوة هي تحرير الإنسان فكريًا من التبعية العمياء للآخر، وجعله يستخدم نعمة العقل والفكر التي أنعم الله بها عليه، وألا ينتظر من الآخرين أن يفكروا بدلًا عنه، ثم يسير خلفهم. وبالتالي، يجب رفض سياسة القطيع التي تتشكل نتيجة ضعف الشخصية الجمعية لأي مجتمع جاهل.
إذا اعتبرنا ذلك الأساس الأول لبناء الشخصية المستقلة، فكيف نستطيع محاربة هذه العقلية التي تنتج “مجتمع القطيع”؟
برأيي، يتطلب ذلك إنشاء مراكز للدراسات ونشر ثقافة الشخصية المستقلة، وترسيخ مبدأ التعاون القائم على التساوي في الحقوق والواجبات، ويمكن تسميته “تبادل المصالح”.
ثانيًا، حتى تستطيع أي شخصية — سواء كانت فردًا أو شعبًا أو مجتمعًا — أن تثبت وجودها وتقف على قدميها، فهي تحتاج إلى مصادر قوة تستند إليها.
وبالطبع، قد تتعثر في البداية وتخطئ، لكن عليها أن تستفيد من تجاربها وتجارب غيرها، تمامًا كالطفل الذي يحاول الوقوف والسير معتمدًا على نفسه.
وعندما نطلب من شعبنا في روژآفا أن يكون صاحب قراره المستقل، أليس ذلك يتطلب توفير مصادر يستند إليها ليعتمد على نفسه، وبالتالي يصبح صاحب قراره؟
برأيي، حتى نبني تلك الشخصية المستقلة، يجب البحث عن مصادر قوة وعلاقات من دون وسيط.
فكما هو الحال اليوم في كوردستان سوريا، فإن الدول والقوى والمنظمات الدولية، عندما تريد التعرف على الشخصية الكوردية في سوريا، فإنها غالبًا ما تستند إلى هولير أو قنديل، بسبب غياب قوة أو حزب يمثل الإرادة الكوردية في سوريا ويمتلك علاقات دولية مستقلة يستمد منها القوة.
وبالتالي، يبقى الكورد في سوريا تابعين لخارج الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس–بيكو.
إلى متى سيستمر الابتعاد عن بناء علاقات دولية مباشرة؟
فهل يوجد شعب يعيش في بقعة جغرافية مغلقة من دون علاقات مع الآخرين وفق المصالح المتبادلة وما يملكه من مقومات؟
ولو عدنا إلى جغرافية الجزء الغربي من كوردستان، وبحثنا عن المقومات اللازمة لبناء علاقات دولية، لوجدنا أن كورد روژآفا يملكون الكثير من العناصر والأسس التي تساعد على بناء الشخصية الكوردية المستقلة.
لكن ذلك يحتاج إلى الجرأة من قادة الكورد في روژآفا لطرق أبواب الدول المؤثرة في سوريا عمومًا، وفي كوردستان سوريا خصوصًا، من دون الاعتماد على الوسطاء لتمثيل الكورد في المحافل الدولية، حتى تستطيع الشخصية الكوردية في سوريا أن تكون صاحبة قرارها.
وهذا يقودنا إلى ضرورة بناء علاقات دولية باسم كورد روژآفا ومن دون وسيط.
فهل نجد حزبًا كورديًا يمتلك هذه الجرأة، ويطرق أبواب تلك الدول، ويقول: “أنا هنا أمثل كورد روژآفا”، ولو جزءًا منه؟
إن البناء يحتاج إلى الأساسيات: أولها دراسة المشروع جيدًا، ثم البدء بالتنفيذ والعمل.
أما الشعارات وحدها، فلا يمكن أن تبني شيئًا.

شارك المقال :

0 0 votes
Article Rating
Subscribe
نبّهني عن
guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted
Inline Feedbacks
View all comments
اقرأ أيضاً ...

مهند محمود شوقي في الأول من أيلول عام 1961، لم يكن أحد في العراق يتوقع أن ما بدأ في جبال كوردستان سيستمر لعقود طويلة ويعيد رسم خرائط السياسة الداخلية للدولة. هناك، انطلقت ثورة أيلول بقيادة مصطفى بارزاني، في لحظة كانت فيها العلاقة بين بغداد والمكوّن الكردي تتجه نحو الانفجار بعد سنوات من الوعود غير المنفذة منذ سقوط النظام الملكي عام…

فيصل اسماعيل إن مقاطعة جماعة قنديل لانتخابات مجلس الشعب لم تكن موقفاً وطنياً مبدئياً كما يحاولون تصويره، بل جاءت نتيجة إدراكهم المسبق بأن الشارع الكردي لم يعد يثق بشعاراتهم ولا بمشاريعهم العابرة للحدود. فالكثير من أبناء الشعب الكردي باتوا يعرفون جيداً من أين تأتي قرارات هذه الجماعة، ولصالح أي أجندات تعمل، ولذلك فقدت قدرتها على إقناع الناس بأنها تمثل تطلعات…

إبراهيم كابان منذ بداية الأزمة السورية، امتلك الكرد فرصة سياسية وعسكرية غير مسبوقة في تاريخهم المعاصر داخل سوريا. للمرة الأولى، ظهرت قوة عسكرية كردية منظمة، وإدارة ذاتية تمتلك مساحة جغرافية واسعة، وعلاقات دولية مباشرة مع القوى الكبرى، إضافة إلى حضور سياسي فرض نفسه على طاولة النقاش السوري والإقليمي. غير أن هذه الفرصة التاريخية لم تُدار بعقلية بناء مشروع طويل الأمد،…

خالد بهلوي   سيدة تقول : ياحسرة على عيد الأضحى في السابق كنا نفرحوا ونرحموا بعضنا الان الغلاء غيب ضحكتنا وفرحتنا . عيد الأضحى المبارك… عيد التهاني والتكافل وذبح الأضاحي تقربًا إلى الله، وعيدٌ يحمل في جوهره معاني التضحية والرحمة والإحسان. لكن يبقى السؤال الذي يتردد في قلوب كثير من الفقراء وأصحاب الدخل المحدود: هل يطبق الأغنياء والتجار حقيقة معاني…